الرئيسية / الاخبار / هونغ كونغ و«الثورة الثالثة» الصينية

هونغ كونغ و«الثورة الثالثة» الصينية

بعد ثلاثين عاماً على الفض الدموي لاحتجاجات ساحة تيان آن مين (حزيران/يونيو 1989)، وبعد اثنين وعشرين عاماً على استرجاع البرّ الصيني لهونغ كونغ على أساس مبدأ «بلد واحد ونظامان مختلفان»، تأتي الاحتجاجات الشعبية الهادرة في هذه الأخيرة ضدّ ما اعتُبِرَ تفريطاً بالحكم الذاتي الموسّع لها، بالتوازي مع تصاعد حدّة الاستقطاب الأمريكي ـ الصيني المتشنّج على الصعيد العالمي.
وإذا كانت مديرة الدراسات الآسيوية في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي اليزابيت ايكونومي قد خلعت على مرحلة قيادة شي جين بينغ للصين اصطلاح «الثورة الثالثة»، على اعتبار أنّ الثورة الشيوعية الصينية الأولى هي التي قادها ماو تسي تونغ، بطموح تقديم نموذج صالح للتصدير وقيادة العالم الثالث، والثانية هي التي قادها دينغ شياو بينغ، بطموح التحديث السريع إنما من دون نشدان القيادة العالمية ولا أي رسالة كونية من هذا القبيل، يأتي المشهد الحالي ليبرز واقعية التناقضات التي سبق لإيكونومي التطرّق لها في كتابها الصادر في العالم الماضي عن هذه «الثورة الثالثة» التي تريد في آن واحد الجمع بين المركزية والانطوائية في الداخل وبين التنافس لقيادة مسارات العولمة في الخارج، بل إعادة طرح «الحلم الصيني» نفسه كحلم كوني ينادد «الحلم الأمريكي».


مع هذا، فإنّ العرض الذي قدّمته ايكونومي في كتابها «الثورة الثالثة» الذي انتشر على نطاق واسع لم يخرج كثيراً من معهود الكلام المعاد المكرّر منذ 1989 إلى اليوم حول التناقض الذي لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية بين اللبرلة الاقتصادية المعمول بها في الصين، وبين اللبرلة السياسية الممتنعة أو المؤجلة. بالنسبة إلى الليبراليين الصرف، لا مخرج من هذا التناقض إلا تمدّد اللبرلة من الاقتصاد إلى الثقافة والسياسة. أما «الأنتي نيو ـ ليبراليون» فينقسمون بين فئة منهم تعتبر أن صين ما بعد ماو قد أضحت فريسة لنوع من أنواع «الليبرالية المتوحّشة»، في حين تركّز فئة أخرى على العناصر التي يستفادُ منها أنّ الصين ما زالت قطباً يعتدّ به في مواجهة الإمبريالية الأمريكية، وأنّه لا يمكن أن يكون كل هذا الكلام عن «الاشتراكية بخصائص صينية» دون حيثيات اجتماعية تقدمية ما.


بعد ثلاثين عاماً على الفض الدموي لاحتجاجات ساحة تيان آن مين (حزيران/يونيو 1989)، وبعد اثنين وعشرين عاماً على استرجاع البرّ الصيني لهونغ كونغ على أساس مبدأ «بلد واحد ونظامان مختلفان»، تأتي الاحتجاجات الشعبية الهادرة في هذه الأخيرة ضدّ ما اعتُبِرَ تفريطاً بالحكم الذاتي
لأجل هذا، يبقى للمقاربة التي قدّمتها المؤرخة الفرنسية ماري كلير بيرجير في كتابها «الصين.

رأسمالية الدولة الجديدة» الصادر عام 2013، امتيازها. فبدلاً من النظر إلى اللبرلة الاقتصادية كمدخل إلى اللبرلة السياسية وما يعقب ذلك من نظر إلى النظام الحاكم في الصين على أنّه يسمح باللبرلة الأولى ويحول دون اللبرلة الثانية، طوّرت بيرجير تحقيباً لافتاً لعمليات التحديث والإصلاح الاقتصادي في صين ما بعد ماو، مشدّدة على أنّه في كل هذه العمليات لم يكن منظوراً أبداً للقطاع العام أن يهمّش، بل على العكس تماماً أن يصير أكثر حيوية ومكنة، بحيث يبقى مغزى «اشتراكية السوق» هو رأسمالية سوق تحت قيادة رأسمالية الدولة، وهكذا فإنّ الحزب الشيوعي الصيني وبدلاً من أن يكون هو المغلوب على أمره بسبب اللبرلة الاقتصادية، إنما الواقف حجر عثرة أمام اللبرلة السياسية، فإنّه بخلاف ذلك هو من يقود عملية اللبرلة الإقتصادية نفسها، وهذه العملية تتم بشكل لا يعيد ظهور برجوازية مستقلة، وبشكل يدمج النخب المدرائية في القطاع العام مع النخب المدرائية في القطاع الخاص. تفصل بيرجير في صين ما بعد ماو بين مراحل 1978 1989 حيث كانت الأولوية للرسملة في الأرياف، ثم مرحلة التسعينيات حيث تركزت الأولوية على تحديث المدن والنهضة الصناعية لا سيما في الأقاليم الساحلية، ثم الحاجة مجدداً لخطاب التوازن بين التحديث والتنمية في كل من المدن والأرياف، والسواحل والداخل، في العقد الأول من هذه الألفية، ما ترافق مع زيادة الحاجة إلى استلهام «المجانسة» الكونفوشية. وبطبيعة الحال، لم يتسع كتاب بيرجير في ذلك الوقت لتلمس المرحلة الجديدة التي تبدأ من سنة 2012 مع شين جين بينغ، وهو من «الأمراء الحمر»، بما أن والده كان من قادة الحزب في زمن ماو، قبل أن يحلّ عليه غضب ماو ويكون من ضحايا معسكراته، ثم يعاد له الاعتبار في زمن دينغ شياو بينغ.


هل ثمّة بالفعل حيثيات موضوعية لخطاب شين جين بينغ حول تكامل القوة الاقتصادية مع تحقيق كل من قيمة ثقافية كونية للنموذج الصيني واقتدار عسكري له؟ قد يكون اصطلاح «الثورة الثالثة» مبالغاً فيه في هذا المقام، اذا ما استثنينا أمرين، أولهما أنّه للمرة الأولى منذ رحيل دينغ شياو بينغ، يجمع رجل واحد هذا المقدار من السلطة والنفوذ داخل الحزب الشيوعي الصيني، والثاني هو ازدياد منسوب الخطاب «القومي»، المحاكي للأكثرية الإثنية من «الهان» في الصين، بما هو أيضاً خطاب «قومي عابر للبحار»، يميل إلى تجسير المسافات مع الأقليات الإثنية الصينية في سائر بلدان جنوب شرق آسيا. ما بين هذا الخطاب القومي الداخلي، والخطاب القومي العابر للبحار، تفرض احتجاجات هونغ كونغ نفسها كمعضلة فعلية. لا الصين الشعبية بمقدورها أن تسير على منهاج هونغ كونغ (بخلاف انتظارات الليبراليين «الحتموية» قبل عقدين) ولا هونغ كونغ بإمكانها أن تتقبل النموذج القائم في البرّ الصيني … في الوقت نفسه ثمة صعوبة في الاستيعاب العملي لهذه المعادلة الثنائية.
رأسمالية الدولة هي نموذج مزمن بالنسبة إلى الصين الشعبية، ولقد عبر هذا النموذج إلى اليوم مراحل مختلفة. رأسمالية الدولة هذه هي أيضاً أكثر من نظام في بلد واحد، أوسع بكثير من معادلة «نظامان»، واحد ليبرالي قصوي في هونغ كونغ والآخر موجه في بكين.

 

في الصين الشعبية على الأقل ثلاثة أنظمة اقتصادية اجتماعية. واحدة للأرياف والأقاليم الداخلية، وثان في المركز، وثالث للأقاليم الساحلية، ثم تضاف «المناطق الاقتصادية الخاصة»، ثم هونغ كونغ وماكاو. إنه نموذج «لامركزية اقتصادية» مشروط بمركزية سياسية يقودها الحزب ـ الدولة، والحزب ـ الأمة، الذي يقدّم نفسه أيضاً على أنّه حزب ـ الأكثرية الإثنية «الهان» أكثر فأكثر. نموذج مركب كهذا يصطدم بتناقضاته قبالة الحدود «الإدارية» مع هونغ كونغ، لكن هذا الاصطدام لا يبدو، حتى الآن، على أنّه يمهّد للذهاب بهذه التناقضات إلى خواتيمها … ما زالت هذه التناقضات ممتلئة القدرة على إعادة تدوير نفسها.

 

عن صحيفة القدس العربي اللندنية

عن editor

شاهد أيضاً

مهنة خطرة!

https://www.youtube.com/embed/IJxBmvTyNQU

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *