الرئيسية / علوم وتكنولوجيا / تعليم / كيف تسهل العشوائية من الرياضيات؟!

كيف تسهل العشوائية من الرياضيات؟!


من ضمن عدة أدوات رياضية متاحة، يبدو أن العشوائية لا تستطيع أن تقدم سوى القليل؛ فالرياضيات مبنية على المنطق والدقة. والهدف الأسمى للرياضيات هو إيجاد نظام وهيكل في عدد كبير من الأمور حولنا. واعتماد الرياضيات على النظام وعدم العشوائية، يجعل وصول الرياضيات إلى أهدافها ممكنًا.

ولكن ظهر حديثًا مقال بعنوان: "الأسطح العشوائية تخفي نظامًا دقيقًا"، وفيه أُثبت أن العشوائية تستطيع إحداث الفارق. وكان الناتج عبارة عن أشكال تماثل رقعة الشطرنج مبنية بطريقة هندسية عشوائية. وقد وجد المبرهنون، أن العشوائية جعلت الفراغ الهندسي المتمثل في رقعة الشطرنج أسهل فى الشرح. وقال (نيكولاس كيورن – Nicholas Curien): "لقد كان من المدهش أن إضافة العشوائية جعلك تفعل ما لم تكن تستطيع بدونها". وأصبح جليًّا أن العشوائية أظهرت أهميتها للرياضيات على عدة أصعدة. 

على سبيل المثال: أحيانًا يريد علماء الرياضيات إثبات أن هناك خاصية معينة موجودة، مثل وجود تماثل ما في شكل هندسي معين. ولحل هذه المعضلة على نحو مباشر، فعليك إيجاد شكل هندسي آخر، يملك هذه الخاصية، ومحاولة مقارنة الشكليين ببعض. ولكن تكمن الصعوبة في إيجاد الشكل الرياضي الذي يحوي الخاصية المعنية.    

ومن المتعارف عليه، أنك إن فشلت في حل مشكلة ما على نحو مباشر، فعليك أن تجرب إيجاد حل بصورة غير مباشرة. ولتطبيق مبدأ العشوائية على المثال السابق (إثبات أن شكلًا هندسيًّا ما يحوي خاصية معينة)، فيمكننا حصر جميع الأشكال الهندسية المماثلة. ثم اختيار شكل هندسي منها بطريقة عشوائية. هذا يجعل احتمالية إيجاد الشكل الهندسي المرغوب فيه (شكل يحوي الخاصية المعنية) أكبر من صفر في المئة. هذا ما يسمى بـ"الطريقة الاحتمالية".

والعشوائية يمكن استخدامها لإيجاد حل غير عشوائي (كما في مثال رقعة الشطرنج السابق ذكره)، إذ كان الهدف إيجاد نمط معين. وكان أحد الأنماط المستهدف معرفة شروط تحقيقها هو: كيف ترسم مسارًا يصل من إحدى جهات الرقعة إلى الجهة المقابلة، بشرط استخدام مربعات/نقاط ذات لون واحد فقط؟

الحل التقليدي المعتمد على الأسلوب الحتمي (Deterministic rules) وقوانينه، فكل خطوة في المسار محكومة بالخطوات السابقة. وفي حالة أن الشبكة معقدة، فهذا يضيف صعوبة لإيجاد الحل الأمثل. هذا يشابه لعبة (تتريس - Tetris)، إذ يمكنك في بداية اللعبة وضع القطع ببساطة، ولكن لاحقًا يزداد الأمر صعوبة؛ وهذا لأن كل قطعة لاحقة يجب أن تتطابق مع القطع السابقة التي وُضِعت بالفعل. 

ولكن في الحل المبني على العشوائية، فلا يحتاج المرء أن يشغل باله بالخطوات اللاحقة؛ فالعشوائية تجعل كل خطوة تملك حرية الخطوة الأولى. ومن ثم فالرياضيون يحاولون استغلال ما تقدمه العشوائية.  

هناك علاقة تخمينية تدعى KPZ Formula (= معادلة غير خطية، عشوائية، تفاضلية جزئية “Non Linear, Stochastic partial Differential Equation” - وقد قدمها العلماء كاردر وباريزى وزانج في عام 1986). هذه المعادلة تستطيع تحويل ناتج مستنبط من طريقة عشوائية وكأنه ناتج من طريقة حتمية. وتستطيع هذه المعادلة فعل العكس. هذه المعادلة تعطي الحرية لأي شخص في استخدام أي من الطرائق العشوائية/والحتمية، مما يجعل استخدام الطرائق العشوائية/الحتمية متساويًا.

إذا كانت الرياضيات بسيطة لم يكن ضروريًّا اللجوء إلى الطرائق العشوائية. ولكن معظم الأسئلة المهمة في الرياضيات، يجد العلماء صعوبة في الإجابة عنها مباشرة. وفي الكثير من الأحيان تفشل الطرائق التقليدية في إيجاد الحلول للمشكلات الرياضية. وهنا يأتي دور العشوائية التي تجعل الأمور أكثر بساطة مما يجعل الحل ممكنًا.

المصدر:

* ترجمة: : Samuel Raafat Fahim
* تدقيق علمي: : Riad Al-Hamido
* تدقيق لغوي: : Fatma Mahmoud
* تعديل الصورة: : Mekki H Al-Sarhan
* نشر: : Rama Al-Wattar

عن editor

شاهد أيضاً

الجلطات المبكرة ومتلازمة أضداد الشحوم الفسفورية

بات من المعروف أنّ كلًّا من التدخين وارتفاع الضغط الشرياني وداء السكري وارتفاع الكوليسترول والشحوم في الدم والسمنة، إضافة إلى وجود تاريخٍ عائلي لأمراض القلب؛ هي عوامل خطورةٍ تزيد احتمالية تعرُّض الإنسان للجلطات القلبية والسكتات الدماغية، لكن ما الأسباب المؤدية إلى الجلطات لدى الأصحاء في عمرٍ مبكرٍ مع عدم وجود أية سوابق مرضيَّة؟نبدأ الإجابة عن هذا السؤال بتقديم نبذةٍ بسيطةٍ عن مكونات الدم؛ إذ يتكون الدم من كريات الدم الحمراء والبيضاء والصفيحات الدموية والبلازما، في حين تتكون البلازما من الماء ومواد أخرى؛ منها البروتينات والشوارد، وأحد هذه البروتينات هو من عوامل التخثر التي يُصنِّعها الكبد، وهي التي تُسهم في تكوين الخثرة بمساعدة الصفيحات الدموية على وقف النزيف من الوعاء الدموي المصاب، وكذلك يحتوي الدم على العوامل المضادة للتخثر والتي تجعل الدم في حال متَّزنة، فلا تتكون الخثرات إلا عند وجود إصابة تستدعي تكوينها. لكن هنالك بعض الحالات المرضيَّة التي تزداد فيها الأهبة لتشكُّل الخثرات؛ إذ يختل الاتزان، وتبدأ عوامل التخثر بتكوين الجلطات دون وجود إصابةٍ أو جرحٍ في الأوعية الدموية، ويكون بعض هذه الحالات وراثيًّا وينتقل على مرِّ الأجيال؛ إذ يكون هنالك خللٌ في الجينات المسؤولة عن تصنيع عوامل التخثر، ممَّا يجعلها مقاومة لنظيرتها المضادة للتخثر، ونذكر منها -على سبيل المثال لا الحصر-: طفرة عامل التخثر الخامس (عامل لايدن)، وطفرة البروثرومبين. ومن تلك الحالات ما هو مكتسب؛ أي ليس له علاقة بالوراثة كمرض البيلة الدموية (PNH) والمتلازمة النفروزية Nephrotic syndrome؛ إذ يخسر الجسم البروتينات المضادة للتخثر بسبب خلل في الكلى، مما ينجم عنه اختلال اتزان الدم وزيادة الأهبة لتكوين الجلطات، وكذلك متلازمة أضداد الشحوم الفسفورية التي هي جلّ اهتمامنا في هذا المقال؛ فلنتعرفها من كثب أكثر. ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *