الرئيسية / الاخبار / بين النكبة الفلسطينية ونكبات العرب

بين النكبة الفلسطينية ونكبات العرب

بحثا عن معنى النكبة الفلسطينية في ذكراها «الرسمية» الحادية والسبعين، لا داعي للذهاب بعيدا، يمكن للعالم العربي أن ينظر في المرآة، أصبحت النكبة في واجهة المشهد وخلفيته، في صميم الذات ودواخل الهوية، رغم كل الجهود التجميلية التي يحاولها البعض هنا وهناك، لتجاوز حدث لم تشهده غالبية العرب الأحياء حاليا، ولم تكن وُلدت بعد، لكنه يبدو كأنه باغتهم في جيناتهم، حصلت النكبة في اللحظة التاريخية التي كان العالم العربي يقلب فيها حقبة طويلة من كبت شخصيته وتخلّفها، ومن طمس طموحاته وحقوقه وضياعها، لذلك ظلّت مرحلة استقلال الدول الوطنية ناقصة، حين أصرّت القوى الاستعمارية على إبقاء موطئ قدم لها في فلسطين، فيما كانت تلك القوى تحتفل أينما كانت بتجاوز أطماعها، وبما سمّته «أفول الاستعمار» وزواله، إلا في فلسطين، ولذلك -أيضا- وُلد العالم العربي، «المستقل»، «الحديث»، محبطا ومشوّها، وقد زُرع فيه جسم غريب يديم التوحّش الاستعماري ويحميه، كما ضُخّ في شرايينه إدمان التظلّم والتخلف والفقر والجهل.

كانت النكبة فلسطينية، لأن مئات آلاف الفلسطينيين الآمنين وجدوا أنفسهم في غضون بضعة أسابيع نازحين في العراء، مطارَدين من مكان إلى مكان، ليغدوا لاجئين ولتغدو قراهم ودورهم وبساتينهم وأرض أجدادهم نهبا للعصابات الصهيونية، ولم تكن نكبة فلسطينية فحسب، بل عربية، لأن الاضطهاد الذي تعرّضوا له وانحفر في وجدان العرب، ما لبث أن تحوّل إلى «نكبة» في العقل العربي، تحديدا في عمومه، بدليل أن الممارسات السلطوية في الدول المستقلة لم تتمكّن طوال واحد وسبعين عاما من بناء تجربة تعايش سويّ وطبيعي بين جماعات وأعراق ومذاهب وديانات، بين سلطات وشعوب، وبين حاكم ومحكوم، فالحاكم برّر قسوته بتلك النكبة، وإن راكم العجز عن إزالة تداعياتها، والمحكوم وضع صبره وألمه في سياقها، وإن لم تُتح له الأنظمة المشاركة في الردّ على تلك النكبة، لا من موقعه المفترض في ما سُمّي «الجبهة الداخلية» التي تبيّن لاحقا مدى هشاشتها، ولا بمباشرته مواطنته وما تفترضه من حقوق.

بُنيت العلاقة بين العالم العربي «المستقل» و»الحديث»، وبين العالم على هذه الواقعة الجراحية الموجعة، أي على الانفصام والشك في مجمل سياساته وخطابه، لأنه تعامل مع النكبة بالتعايش مع نتائجها، من إدارة التغطية على الظلم إلى تقسيم الأرض واستساغة الجرائم وتشريع الإرهاب، وفيما كان عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية يعيد الاعتبار إلى العدالة الدولية، وينشئ نظاما عالميا على أساس القانون والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، إذا به يستثني شعب فلسطين، واستطرادا الشعوب العربية، من هذه المُثل والقيم الإنسانية، وقد عنى ذلك دائما استثناء معاكسا لإسرائيل، يسمح لها بارتكاب أبشع الجرائم، واتهام مقاومي الظلم بالتطرف والإرهاب. 

بعد سبعة عقود، أصبحت النكبة عامة، واكتوى وعي بعض العرب، فمعظم أنظمتهم يحصد الآن نتائج إهمال طويل للشعوب، كما أن شعوبهم تعيش نتائج النقص الفادح في التنمية والتقدم، وهو ما لا يمكن إلقاء مسؤوليته على النكبة.

وبعد سبعة عقود، لا تزال إسرائيل تكره مصطلح النكبة وتخشاه، وتعتبر أنه الصدى الدائم لجرائم تأسيس كيانها، ورغم أنها حققت لنفسها إنجازات هائلة، فإنه لا يزال يرافقها، لكنها تراهن على الرئيس الأميركي الأكثر صهيونية، ليرتكب «صفقة القرن» كنكبة ثانية أشدّ وأدهى، وتكون الولايات المتحدة هي المسؤولة المباشرة عنها هذه المرة، وبمشاركة زمرة من العرب الذين تجرّدوا من تاريخهم وضمائرهم.

عن صحيفة العرب القطرية

عن editor

شاهد أيضاً

نقص المياه يرهق الفلاحين ويغير أنماط الزراعة في مصر

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *