الرئيسية / علوم وتكنولوجيا / تعليم / الإحصائيات الدوائية

الإحصائيات الدوائية


في هذا العصر الذي تقوده البيانات تفتحُ دراسة الإحصائيات -بمستوى متقدم أو أعلى من المتقدم- بابًا مطلًّا على مجال واسع من المهن على اختلافها، وأحدُ هذه المجالات الممتعة لدراسة الإحصائيات التي حظينا بفرصة التعرف إليها حديثًا هو الصناعات الدوائية.

كيف تُختبَر الأدوية الجديدة؟
يُختبر أيّ منتج دوائي في السوق -قبل طرحه- على مجموعة من الناس الذين يعانون حالة مرضية قد طُوِّر المُنتَج نفسه ليعالجها، إذ يملك العلماء تصورًا مسبقًا عن احتمالية فعالية هذا الدواء نتيجة اختباره أوّلًا على الخلايا البيولوجية والحيوانات، ولكنهم ما زالوا بحاجة إلى معرفة ما إذا كان الدواء يعمل في الجسم البشري أم لا، إضافة إلى قياس مدى فاعليته وتحديد تأثيراته الجانبية.

يبدو إجراء اختبار كهذا سهلًا أوّل وهلة: "أعطِ العلاج مجموعةً من المرضى وسجِّل النتائج". ولكن الأمور -حقيقةً- ليست بهذه البساطة، إذ تواجه الاختبارَ عقبةٌ من بين العقبات تُعرَف بـ"تأثير الدواء الوهمي" أو "تأثير حبوب السكر"؛ أي عندما يعاني المريض حالة مرضية معيّنة فإنَّ أي دواءٍ يتناوله قد يجعله يشعر بالتحسن حتَّى لو لم يؤدِّ مفعوله حقًّا أو كان وهميًّا تمامًا.

وقد يرجع التحسن إلى عوامل لم تلقِ لها بالًا في حالة أخرى، فعلى سبيل المثال؛ إذا كان يقطن المرضى جميعًا في المنطقة نفسها وكانوا قد مارسوا نشاطًا بدنيًّا كالتمرين الرياضي، أو استنشقوا هواءً منعشًا نظرًا لتحسن الجو مثلًا؛ فسوف تتحسن حالتهم نتيجة هذا التغيير، أمَّا العلاج الدوائي فقد يكون غير مؤثر في ذلك.

يُختبر العلاج على مجموعتين من الناس لتخطي هذه العقبات، أولاهما: ستُعطَى الدواء المراد اختبارُه، والثانية ستُعطى دواءً وهميًّا أو دواءً آخر مُرخَّصًا يُراد مقارنة الدواء الجديد به، ويُوزَّع الناس ضمن المجموعتين عشوائيًّا؛ تلافيًا لأية صفة مشتركة (كالعيش في المنطقة نفسها) والتي قد تنعكس على النتائج. ويُطلَق على التجربة التي تعمل بهذه الطريقة "تجربة عشوائية مضبوطة".

ما عمل الإحصائيين الطبيين؟
يعد الإحصائيون الطبيون جزءًا لا يتجزأ من سير التجربة، بدءًا من التصميم الأساسي للتجربة العشوائية وانتهاءً بتحليل النتائج والتواصل مع زملائهم بشأنها.

وبحسب ماري إليوت ديـﭭـي Mary Elliott-Davey؛ مديرة الإحصاء الحيوي، فإنَّ عمل الإحصائي يبدأ قبل بدء التجربة نفسها، إذ تصمم التجربة بالتعاون مع زملائها في الأقسام الأخرى، عن طريق طرح مجموعة من الأسئلة مثل: ما عدد المرضى الذين نحتاج إليهم في كل مجموعة؟ وما المدة التي سنراقب فيها المرضى؟ وكيف تقاس نتيجة المرض لتحديد كونِ الدواء قد أدى نتيجةً أفضل؟

وقد تحتاج أبسط المهام -كتحديد عدد الذين سيشاركون في التجربة- إلى العديد من الأدوات الإحصائية، فمثلًا كلما أردتَ نتائج موثوقة أكثر عليك اختيار عدد أكبر من المرضى، إذ يعتمد اختيار العدد على التنوع الكمي الطبيعي (كضغط الدم الذي يختلف من شخص لآخر).

وتذكر د.إليوت أنَّها تتولى تحليل البيانات المجموعة بعد الانتهاء من التجربة، إذ يَرِدُ احتمالُ أن تكون النتائج نتيجةً للصدفة وحسب، ما يعني أن الدواء الجديد ليس بأفضل من غيره، إذ يكمن عملها في مساعدة الفريق وتقييم مدى فعاليّة الدواء الجديد، إضافةً إلى اطلاعها على صفات المرضى، كمتوسط العمر، ومدى اختلاف شدة المرض عند كل منهم، واحتمال إصابتهم بأمراض أخرى.

ويجب الوضوح فيما يتعلق بالأسئلة المطروحة على البيانات، لتحديد ما إذا كانت نتائج التجربة تؤكد فعالية الدواء الجديد أم لا، وذلك باختبار فرضية مصوغة بوضوح (مثلًا: يخفض الدواء ضغط الدم بمقدار X) في مقابل احتمال عدم فعالية الدواء الجديد أو حتى ألَّا يكون فعالًا أكثر من نظائره.

إن تطبيق الرياضيات المتطورة في سياق حياتنا ليس خاصًّا بالرياضيات وحسب، بل يتضمن العمل الجماعي، مثل عمل الإحصائي مع الطبيب والصيدلاني وموظفي الخدمات اللوجستية، وعلى الرغم من اختلاف خبراتهم ومدى فهمهم للإحصاء عمومًا فإن إمكانية التواصل بشأن المبادئ الإحصائية المعقدة على نحو بسيط تعد أمرًا أساسيًّا والهدف منه واحد، وهو: تقديم الدواء الأكثر أمانًا وفعالية للمرضى.

تغيير الحياة
يعمل إحصائيُّ الأدوية عادةً على عدة مشاريع في الوقت نفسه: تصميم التجربة، وتحليل نتائج الدراسة، أو حتى شرح هذه النتائج للأطباء لاحقًا، إضافةً إلى السفر بهدف حضور دورات تدريبية ومؤتمرات واجتماعات، فالعمل الإحصائي مرن ومهماته متنوعة وتتضمن درجاتٍ من الصعوبة والتحدي، مما يحقق فرصة التقدم الوظيفي لاحقاً.

ويذكر جيمس لاي فلري رئيس الإحصائيين أن أفضل ما في هذا المجال هو استمرار الإحصائيين في تطوير طرائق وتجارب تضمن ترخيص الأدوية في أسرع وقتٍ وأقل كُلفة ممكنة، مما يؤدي إلى حصول المريض على الدواء بسرعة عالية وتكلفة منخفضة.

فإن كنت تُبدي اهتمامًا باكتشاف طرائق قد تحدث فرقًا في مجال الصناعة الدوائية، يمكنك أن تسلك طريق عالم الإحصاء بمجال عمل واسع وخبراتٍ تستمر في التمدد، بتمثيلك دور المستشار في العديد من المشاريع أو بعملك في دول مختلفة.

وتقول إليوت ديـﭭـي: "قد يتأثر كل شخص بمرضٍ خطير على نحوٍ مباشر أو غير مباشر في مرحلة من حياته، ولأنني أستطيع القول إنَّ عملي قد يساعد ولو بقدر بسيط فإنَّ هذا ما يجعلني أنهض من فراشي صباحًا".

المصدر:

* ترجمة: : Amani Ghanem
* تدقيق علمي: : Ruba Al Khalaf
* تدقيق لغوي: : Fatma Mahmoud
* مراجعة: : Amer Hatem
* تعديل الصورة: : Eyad Salah
* نشر: : Rama Al-Wattar

عن admin

شاهد أيضاً

الفرار من الجاذبية

هل تتوق إلى الفرار؟عندما تقفز في الهواء، سرعان ما تعود إلى الأرض مرتطمًا بها، ليس لأن قوانين الطبيعة تحظر مغادرتك الأرض، بل لأن قفزتك ليست قوية كفاية للإفلات من مجال الجاذبية الأرضية. لتنجح في هذا، يجب أن تتخطى سرعة قفزتك أو تساوي "سرعة الإفلات"، والتي سنعرفها ونستنتجها رياضيًّا وَفق الآتي:عند قفزك في الهواء؛ فإن طاقتك الحركية (Ek) تعادل:علمًا بأن (m) هي كتلتك، و(v) ترمز إلى السرعة.أما طاقة الوضع (Ep) التي تختبرها بفعل سحب الجاذبية الأرضية فإنها تحسب كالآتي:علمًا بأن (m) كتلتك أنت، مجددًا.M: كتلة الأرض (5.9736 x 1024 kg).G: ثابت الجاذبية ويعادل (6.670 × 11-10 m3/kg.s2).r: نصف قطر الأرض (m 106×(6.38.ويكمن نجاحك في الإفلات من مجال الجاذبية بتحقق هذه العلاقة:لذا؛بإعادة ترتيب المتباينة أعلاه لإيجاد قيمة السرعة (v)، ينتج لدينا:نستنتج أن سرعة الإفلات (vearth)، توصف بأنها أصغر سرعة تسمح لجسم ما بالفرار من مجال الجاذبية، لذلك:بتعويض قيم الثوابت آنفة الذكر، نحصل على الآتي:باستخدام الآلة الحاسبة، ينتج لدينا:سرعة الإفلات= 11182 م/ث  أي 671 كم/ساعة.يمكنك استخدام هذه الحسابات لإيجاد سرعة الإفلات الخاصة بأي جسم كروي آخر أيضًا، طالما أنك تعرف كتلته ونصف قطره.لاحظ أن الصيغة الرياضية لهذه السرعة لا تعتمد على كتلة الجسم المراد حسابها له؛ لهذا فإنك سوف تحقق السرعة نفسها التي يصل إليها فيل مثلًا، بإهمال تأثير مقاومة الهواء الذي يؤثر فيك على نحو مختلف عن الفيل. وإن حصلَ هذا بالفعل ضمن غلاف الأرض الجوي، ستحترق! ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *