الرئيسية / الاخبار / مغامرات حفتر في زمن الثورات المضادة

مغامرات حفتر في زمن الثورات المضادة

لم تكن خطوة اللواء المتقاعد خليفة حفتر بإعلان الزحف "المقدس" على مدينة طرابلس في ليبيا سوى النهاية المنطقية لسلسلة من المغامرات التي تجسد منظورات الثورة المضادة على ثورات الربيع العربي، ذلك أن الرجل السبعيني يمثل رؤية الثورة المضادة بامتياز، فمنظومة الثورة المضادة التي تضم طيفا من القوى المحلية المسندة إقليميا ودوليا تستند في منظوراتها إلى إعادة تأهيل قوى عسكرية محلية تحت مسمى جيش وطني، تعمل على إعادة بناء الدولة التسلطية "ما بعد الكولونيالية" بأجهزتها القمعية والإيديولوجية، عبر ذريعة "حرب الإرهاب" وهو مصطلح بات يشير إلى كافة القوى المناهضة للدكتاتورية المحلية والإمبريالية الخارجية، والتي تتموضع في خيارات الديمقراطية كبديل ثالث للفاشية، ويعتبر مسمى "الجيش الوطني" ركيزة أساسية في بنية ما أطلق عليه الدولة الوطنية كضامن للاستقرار المؤسس على الفساد الميسر لعمليات النهب للمستبدين ومشغليهم الإمبرياليين.


في هذا السياق جاء حفتر وحلفائه بأطروحة "الجيش الوطني" كمؤسسة تعيد تشكيل هوية وطنية ليبية متخيلة، وأعلنت عن عملية باسم "كرامة ليبيا" وهي في حقيقتها انقلابا على ثورة 17 فيراير 2011، فعملية الكرامة التي انطلقت في 16 مايو/ أيار 2014 تصر على أنها تندرج في إطار "الحرب على الإرهاب" وإعادة بناء الدولة وإنقاذها من مختطفيها من "الإرهابيين"، وقد تذرعت العملية بدعوى  تطهير مدينة بنغازي من الجماعات الإرهابية والمتطرفة، ويصور حلفاء حفتر الجيش الوطني الليبي كقوة للاستقرار مصممة على اجتثاث المتطرفين الإسلاميين، ومن بينهم مناصرين لجماعة الإخوان المسلمين، التي تعرّف في عرف الثورة المضادة بالإرهاب، وهي ذات الذرائع التي تستخدم في حرب طرابلس باعتبارها حرب على الإرهاب.

 

لا يخفى على أحد أن حفتر لا يستند إلى قوة ذاتية بل موضوعية، ذلك أن قواته تتنازعها تيارات وتوجهات وقوى عديدة، تجمع بين القبيلة والغنيمة والعقيدة إذا استعرنا بنى ومكونات العقل السياسي العربي للراحل محمد عابد الجابري، ويبدو أن حفتر هو الإيقونة الموحدة للتناقضات، ومع تقدمه في العمر، تسعى أطراف الثورة المضادة لاستثماره لإنهاء مهمته "المدنسة"، فثمة قناعة واسعة أن غياب حفتر عن مشهد الشرق الليبي سيعيد دينامية التحالفات الدولية والإقليمية والمحلية إلى سيرتها الأولى من الخلافات الانقسامات، بل ستغدو أكثر حدة وسط تأجيج مجتمع من الأحقاد، ففي أحد أهم محطات نجاحه في مدينة بنغازي، تسبّب  بتمزّق شديد في النسيج الاجتماعي للمدينة، ما أدّى إلى نزوح الآلاف وإطلاق العنان لقوى إقصائية مثل التعصّب القبلي والسلفية الشديدة المحافظية.

 

إذا كان اللواء حفتر يتمتع خارجيا بدعم وإسناد قوى الثورة المضادة الدولية والإقليمية، فإنه يعتمد داخليا على قوى مضادة للثورة تتشكل من خليط قبلي جهوي وسلفي مدخلي


حسب الكاتب فريدريك ويهري والدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون السياسية في مقال مشترك لهما، فإن حفتر "السبعيني" الذي تدعمه الإمارات ومصر والسعودية وفرنسا وروسيا يستهدف إفشال المؤتمر "بمحاولة وقحة من أجل الاستيلاء على السلطة"، لكنه فوجئ بمقاومة لم يكن يتوقعها، كما أن "الصراع المتصاعد في ليبيا يهدد بتدمير الجهود المستمرة للتوصل لتسوية سلمية ويعزز تنظيم الدولة الإسلامية هناك"، ويشير زحف قوات حفتر إلى طرابلس في الوقت الذي يوجد فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالمدينة للتحضير لعقد المؤتمر الوطني للسلام منتصف نيسان، إلى أن حفتر يزدري وبوضوح لا لبس فيه جهود السلام الأممية، وانتقد الكاتبان إدارة دونالد ترامب قائلين إنها ورغم مناشدات الأمم المتحدة ممارسة ضغط دبلوماسي فعّال لوقف تدخل داعمي حفتر في شؤون ليبيا، فإنها لم تظهر رغبة في مساعدة هذه البلاد وحسب، بل بدأت مؤخرا تشجع حفتر في اتساق مع روابطها بالرياض وأبو ظبي ومع تفضيل ترامب للقادة المستبدين.


لا جدال أن مغامرات حفتر تحظى بدعم ورضا كافة قوى الثورة المضادة، من الإمبرياليين والدكتاتوريين، ويبدو التعويل على موقف دولي أشبه بالسراب، فقد أمر خليفة حفتر، قواته بالتقدم نحو طرابلس، بينما كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ليبيا، وأخبر حفتر الأمين العام للأمم المتحدة، عندما ذهب إلى مدينة بنغازي، أن عمليته لن تتوقف حتى تهزم قواته "الإرهاب"، واقتصرت مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى على حث جميع الأطراف على "وقف فوري لجميع الأنشطة العسكرية"، وأصدر مجلس الأمن الدولي دعوة مماثلة، وقال المبعوث الأممي غسان سلامة إن المؤتمر المزمع عقده في الفترة من 14 إلى 16 أبريل/نيسان سيظل قائما، على الرغم من التصعيد. وأضاف أنه مستمر "ما لم تجبرنا الظروف القاسية على عدم تنظيمه".


تظهر المواقف الدولية موقفا هزيلا من مغامرة حفتر، وهي تتشابه بطرائق عدة من المواقف الدولية والإقليمية الصريحة في دعم حفتر، فقد حذر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مما وصفه بالتدخل الأجنبي في ليبيا، وقال لافروف في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره المصري سامح شكري، في القاهرة: "نحن مثل مصر، نأمل أن يقرر الليبيون مستقبلهم بأنفسهم والبدء بحوار شامل من دون أي نوع من المواعيد المصطنعة التي يحاول البعض أن يفرضها عليهم من الخارج ومن دون دفعهم للإسراع رغما عنهم"، ومن جهته، قال وزير الخارجية المصري إن "الوضع في ليبيا على مدى السنوات الماضية مقلق في ما يتعلق بنفاذ الإرهاب بشكل واسع خاصة في الجنوب"، مشيرا إلى دعم بلاده "توحيد المؤسسة العسكرية الليبية" و"مؤسسات الدولة الليبية".

 

قد يبدو حفتر مجنونا لمن لا يعرف مكونات جيشه "الوطني"، لكن الحقيقة أنه يدرك هيمنة سلفيات الطاعة على جنوده من أتباع السلفية المدخلية،

إذا كان اللواء حفتر يتمتع خارجيا بدعم وإسناد قوى الثورة المضادة الدولية والإقليمية، فإنه يعتمد داخليا على قوى مضادة للثورة تتشكل من خليط قبلي جهوي وسلفي مدخلي، ولا شك أن كلمة حفتر ببدء الهجوم كانت تتوجه إلى هؤلاء باستدعاء ذاكرة دينية مؤسسة لدولة الإسلام بفتح مكة بالقول: "أيها الأبطال الأشاوس لقد دقت الساعة، وآن الأوان وحان موعدنا، مع الفتح المبين؛ فتقدموا كما عهدناكم بخطى واثقة بالله وادخلوها بسلام على من أراد السلام مناصرين للحق غير غازين. لا ترفعوا السلاح إلا في وجه من ظلم نفسه منهم، وآثر المواجهة والقتال، ولا تطلقوا النار إلا ردًا على من حمل السلاح منهم ليطلقوا النار ويسفكوا الدماء. من ألقى سلاحه منهم، فهو آمن، ومن لزم بيته، فهو آمن ومن رفع الراية البيضاء فهو آمن"، لكن المؤكد أن اللواء حفتر لا يشبه النبي محمد، وأتباعه ليسوا من الصحابة، وسكان طرابلس ليسوا كفار قريش. 


قد يبدو حفتر مجنونا لمن لا يعرف مكونات جيشه "الوطني"، لكن الحقيقة أنه يدرك هيمنة سلفيات الطاعة على جنوده من أتباع السلفية المدخلية، وهو نمط من السلفية تمتع برعاية القذافي، عن طريق ابنه الساعدي، نظرا لمواقفه الصارمة بحرمة الخروج على ولي الأمر ووجوب طاعته، ومناهضته للجماعات الإسلام السياسي والجهادي باعتبارهم من "الخوارج"، حيث فسح نظام القذافي للمداخلة المجال واسعا للانتشار والتمكين، ولذلك دعم التيار المدخلي القذافي مع انطلاق ثورة 17 فبراير 2011، وعارض الثورة وأفتى رموزه بحرمة المشاركة فيها، وعقب نضوج الثورة المضادة أصبح التيار المدخلي فاعلا مسلحا مع تدشين "عملية الكرامة" في ليبيا منتصف 2014 بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي بات في نظرهم وليا للأمر تجب له السمع والطاعة والقتال تحت رايته.

 

مغامرة حفتر تتمتع بدعم وإسناد قوى الثورة المضادة، ولا فائدة من الرطانات البلاغية، والركون إلى المجتمع الدولي، وعلى قوى الثورة الليبية أن تتوحد، فقد تمكن حفتر من قضم المدن والبلدات الليبية الواحدة تلو الأخرى تحت ذريعة حرب الإرهاب


استخدم حفتر التيار المدخلي كما فعل القذافي، لمواجهة الجماعات الإسلامية والحركات السياسية المناهضة له، حيث ظهرت كتائب مدخلية مسلحة ، ككتيبة 604 مشاة، وكتيبة التوحيد، وسيطر المداخلة علي مواقع عسكرية في بنغازي وأجدابيا والجبل الأخضر، وعلى فرق عسكرية مهمة مثل الكتيبة 210 مشاة والكتيبة 302 صاعقة، وقد أفتى ربيع المدخلي بقتال الإخوان وغيرهم في ليبيا حيث قال: "وعلى السلفيين في ليبيا النصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين وغيرهم؛ فالإخوان المسلمون أخطر الفِرق على الإسلام".


تمكن المداخلة تحت ولاية حفتر من تولي العديد من المناصب في الجيش، كتولي العقيد ميلود الزوي المدخلي البارز، مهمة الناطق باسم القوات الخاصة في بنغازي، والرائد علي الثابت ناطقاً باسم قوات البحرية في بنغازي، والملازم محمد البوعيشي كآمر لقوة مكافحة الإرهاب في أجدابيا، ومن أبرز الرموز المدخلية المسلحة الليبية  وأكثرهم عنفا محمود الورفلي، وهو آمر محاور قوات الصاعقة، ومطلوب دولياً من قبل محكمة الجنايات الدولية لتورطه في "جرائم حرب"، بعد أن ظهر في عدة مقاطع مصورة وهو يقوم  بتصفية ميدانية بلا محاكمة وخارج القانون لعدة أشخاص، واصفا ضحاياه بـ"كلاب أهل النار" و"خوارج العصر"، وانتشرت مقاطع مماثلة لقيادات بارزة من التيار المدخلي كعبد الفتاح غلبون، ومجموعات أخرى تصدر بيانات يدعمون فيها الورفلي ويسمونه بــ"قاهر الخوارج والإخوان والتكفيريين".


رغم شهرة الورفلي، إلا أن المداخلة في ليبيا ينتشرون بقوة من خلال رموز عدة، أمثال قجة الفاخري، وهو أحد مسلحي التيار المدخلي الليبي، وشارك في قتال مسلحي "مجلس شورى بنغازي"، وكلف بإمرة قوة سلوق في بنغازي، التي يتكون أغلب مقاتليها من أتباع التيار المدخلي، وأشرف الميار وهو رائد بجيش حفتر  يعتبر المؤسس لأولى كتائب السلفية بقوات حفتر، والتي اشتهرت بكتيبة التوحيد، ونشرت فروعاً لها في بنغازي وأجدابيا. اشتهر بوصف "مفتي حفتر"، وصاحب الفتوى الشهيرة بقتل أسرى خصومه بدعوى أنهم "آمنوا ثم كفروا"، ومن القيادات المدخلية أحمد الحاسي آمر فرقة القبض الخاصة، المشكّلة من قبل قيادة حفتر، اتهم من قبل عدد من قيادات حفتر والسياسيين الموالين له بالتورط في عمليات اختطاف وتصفيات، وقد قُتل الحاسي في ظروف غامضة، ويعد الملازم عبد الرؤوف كاره، قائد قوة الردع الخاصة الموجودة فى طرابلس والتي لم يعد لها منازغ في السيطرة على وسط المدينة، وأغلب الأماكن الحيوية، من أبرز الوجوه التابعة للسلفية المدخلية، وتتخذ من مطار معيتيقة مقرا لها، فضلاً عن سرية باب تاجوراء المجاورة، حيث بدأت تدريبات عسكرية في معسكر في عين زارة وفي محمية طبيعية على الساحل.


خلاصة القول أن مغامرة حفتر تتمتع بدعم وإسناد قوى الثورة المضادة، ولا فائدة من الرطانات البلاغية، والركون إلى المجتمع الدولي، وعلى قوى الثورة الليبية أن تتوحد، فقد تمكن حفتر من قضم المدن والبلدات الليبية الواحدة تلو الأخرى تحت ذريعة حرب الإرهاب، ولا جدوى من اتهام رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، فائز السراج، لخليفة حفتر، بالانقلاب على الاتفاق السياسي للعام 2015، والقول إن "تحركات حفتر تعيد مفاوضاتنا إلى زمن الديكتاتوريات والحكم الشمولي، وهو يرسل أبناءنا لمصير مجهول، محطما مساعي الليبيين والمجتمع الدولي للحل السلمي والجلوس للحوار"، فتلك خطابات لا تحسم حربا ولا تمنع مذبحة، ولا تجد صدى في عالم ما بعد الأخلاق.






عن محمد ابوشمس

شاهد أيضاً

إيران: لن نسمح لأي دولة بأخذ مكاننا في سوق النفط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *