الرئيسية / الاخبار / فورين بوليسي: ما هو الخطر الأخلاقي للحروب بالوكالة؟

فورين بوليسي: ما هو الخطر الأخلاقي للحروب بالوكالة؟

نشرت مجلة "" الأمريكية تقريرا، سلطت من خلاله الضوء على المخاطر الأخلاقية التي تنطوي عليها الحروب بالوكالة، والتي تنتهجها بعض الدول نظير عدم توفرها على الرصيد البشري الكافي لشن المعارك، أو رغبة منها في توظيف جماعات مسلحة أخرى.

وقالت المجلة، في هذا التقرير الذي ترجمته ""، إن الدعم الأمريكي للإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في حربهما على اليمن قاد إلى كارثة إنسانية بامتياز. ويبدو أن المآسي الناجمة عن هذا الدعم غير آيلة للتوقف، لا سيما مع وجود حصيلة قتلى وجرحى تتجاوز 90 شخصا كل أسبوع في البلد، الذي تنخر جسده الحروب لأكثر من أربع سنوات.

وأضافت المجلة أن الكونغرس الأمريكي بدأ سلفا في تقدير التكلفة البشرية للحرب على اليمن، وعمل على التصويت على إنهاء حملة الولايات المتحدة في البلد الآسيوي، لكنها مسألة وقت قبل أن تتورط إدارة ترامب في معضلة أخلاقية مماثلة في مكان آخر. والجدير بالذكر أن الحروب التي تشارك فيها بعض الأطراف عن طريق الوكالة لا تخضع للمحاسبة الأخلاقية ذاتها بالمقارنة مع الحروب العادية، فضلا عن كونها معقدة للغاية.

يبدو جليّا أن حاجة الإنسان للحرب لفرض الأمن والاستقرار تبرر تدخل الأمريكيين لصالح قوات التحالف في اليمن، لكن الأمر المؤكد هو أنه يجب على هذه الأطراف اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب إزهاق أرواح المدنيين. علاوة على ذلك، يجدر بالحرب التي تشنها هذه الأطراف عن طريق الوكالة أن تتناسب مع التهديد المحتمل.

في المقابل، أثبتت التجارب العملية أن تطبيق العديد من الدول لنظرية الحل السلمي فور مشاركتها في الحروب عن طريق الوكالة غير مكتملة، بل إنها تتغاضى عنها في معظم الأحيان. ومثال ذلك مشاركة الولايات المتحدة وإيران في حرب اليمن، وعدم التزامهما باحتواء أسوأ احتمالات الحرب الطاحنة في البلد الآسيوي.

وأشارت المجلة إلى تبعات تدخل الوكلاء في الحرب على تفكير الوكيل وتوجهه، حيث أثبتت جذاذات التدخل الأمريكي بالوكالة طوال أكثر من نصف قرن في الفيتنام وأفغانستان واليمن أن تفكير الوكيل يتغير بشكل فوري. وبموجب التدخل الأمريكي، تزداد رغبة الوكيل في تصعيد النزاع بدلا من حله، ما يزيد من تعقيد الأمور.

وأوضحت المجلة أن الحروب بالوكالة لطالما زادت من تعقيد الأمور، كما أن الحروب التي دارت رحاها بين سنوات 1946 و2002 تبرهن لنا أن في تدخل الأطراف الأجنبية في الصراعات المحلية زيادة لتكاليف الحروب ومخاطرها. ويعدّ التدخل الأمريكي في الفيتنام أبرز دليل على هذه المخاطر، حيث أدى ذلك في نهاية المطاف إلى مصرع أكثر من 58 ألف شخص في صفوفهما.

على الرغم من كونه لم يتجاوز بضع سنوات فقط، يخضع الصراع في اليمن لتأثيرات مماثلة، حيث ساهم التدخل الأمريكي في تصعيد الأوضاع وجعلها كارثية بحق. وبعد أن كان هذا التدخل يهدف إلى الدفاع عن الحدود السعودية من هجمات الحوثيين المدعومين من إيران، عمد الأمريكيون إلى تأجيج الحرب، وتوفير الدعم لهجمات السعوديين الجوية الوحشية، وزادوا الطيب بلة.

في الواقع، لم يمنع التدخل الأمريكي تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، ولم يسهم في درء الكوارث الإنسانية، بل إن الدعم الاستخباراتي والاستراتيجي والأسلحة التي قدمتها إلى السعودية لم يقدر على ترويض أعمال العنف في اليمن ومنعه من أن يحتضن على أراضيه أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

ذكرت المجلة أن ترامب لم يلتفت إلى هجمات السعوديين على اليمنيين خلال تسوقهم أو حضورهم حفلات الزفاف أو الجنائز، بل إنه دعم السعوديين في إطار سعيه لتوطيد العلاقات الأمريكية السعودية نظرا لفوائدها على اقتصاد بلاده. وبعد مضي سنتين على الاتفاق بين ترامب والرياض، بات اليمن قريبا من التحول إلى حاضنة للإرهاب، لا سيما بعد ورود تقارير من الـ"سي إن إن" تفيد بأن الذخائر والأسلحة الأمريكية شقت طريقها إلى الجماعات الإرهابية والمتطرفة.

ليس هذا الأمر بمفاجئ، حيث سبق للأمريكيين تزويد المقاتلين الأفغان بالمعدات والصواريخ في حربهم ضد الجيش الأحمر السوفياتي، لينتهي بأفغانستان المطاف بالتحول إلى بؤرة للجماعات الإرهابية ونعمة وسوقا للعديد من العصابات الإجرامية في الشرق الأوسط. ولا بد من الإشارة إلى غياب الإشراف الأمريكي على استخدام الدول التي توظفها عن طريق الوكالة لصواريخها المدمرة.

وأفادت المجلة بأن الأمريكيين يسعون بشكل ما إلى تقليل الوفيات بين صفوف اليمنيين، عن طريق قيادة التحقيقات، وتقديم معلومات حول المناطق التي يتمركز فيها المدنيون، إلا أن عدم محاسبتهم لشركائهم تكشف حدود هذه المساعي. ونتيجة لهذه الكوارث الإنسانية التي تقودها الولايات المتحدة والسعودية، فضلا عن مقتل الصحفي جمال خاشقجي، ارتأى الكونغرس الأمريكي التحرك لوضع حد لها.

من جهته، أفاد متحدثون عن البيت الأبيض بأن ترامب سيستخدم حق النقض ضد قرار الكونغرس بإنهاء التدخل الأمريكي في اليمن. ومهما كانت الإجراءات التي يتخذها المسؤولون الأمريكيون للحد من الانتهاكات في أكثر الصراعات بالوكالة تكلفة اليوم، من الأفضل أن يفكروا في كيفية منع الفظائع المماثلة في اليوم التالي.

وخلصت المجلة إلى القول إن تدخل الولايات المتحدة في اليمن شجّع المملكة على التصعيد، وإن الأسلحة التي تقدمها للرياض ستجد طريقها إلى أيدي الجماعات الإرهابية لا محالة. وفي الحرب اليمنية، يجب أن تتحمل الولايات المتحدة تبعات انتهاكات قوانين الحرب وقتل المدنيين، وذلك بشكل مخالف لما اقتضته العادة في حروب الوكالة.

 

عن editor

شاهد أيضاً

الخلافات السعودية ـ الكويتية: نار متقدة تحت رماد خادع

النار بين الكويت والسعودية، ورغم المظاهر الكثيرة المخالفة والمخادعة، ليست البتة خامدة تحت الرماد؛ ولا تكاد فرصة تنقضي إلا وتعقبها أخرى كاشفة عن ذلك الاشتعال، سواء اتخذ صفة سياسية معلنة، أو إعلامية عابرة، أو إقليمية تتجاوز البلدين إلى الجوار والمحيط. والشرارات الكفيلة بإطلاق اللهيب قد تبدأ من كاريكاتور سعودي مسيء لأمير الكويت حول الحياد في النزاعات الخليجية ــ الخليجية، ولعلها لا تنتهي عند مواقف السعودية الأخيرة بصدد فلسطين عموماً و«صفقة القرن» خصوصاً. بيد أنّ الواقعة الكلاسيكية في ملفّ الشرارات هذه، والتي قد تبدو أشدّ بذاءة من سواها، تُنسب إلى الأمير بندر بن سلطان شخصياً، حين كان سفيراً للسعودية في واشنطن، والذي (على ذمّة الصحافي الأمريكي الشهير بوب ودورد في كتابه «الآمرون»، 1991)، كان يحمل للكويت «احتقاراً عميقاً»، وكلما توجّه إلى المغاسل كان يخبر صحبه أنه «ذاهب إلى الكويت»! ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *