الرئيسية / الاخبار / "مع بعض نقدر".. النقد الذاتي (58)

"مع بعض نقدر".. النقد الذاتي (58)

جاءت حملة "#" لتعبر عن أشياء كثيرة لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار جدواها أو التقليل من أهميتها.. إن أبسط الأشياء المشاهدة على الساحة، استجابة لتلك الحملة في شعاراتها وبالتعبير عنها بأشكال مختلفة وبأوعية متنوعة، شكلت في الحقيقة حالة رمزية، بعد أن ظن الكثيرون أن ترسيخ ثقافة الخوف قد تمكّن من نفوس الناس تمكنا غير قابل للإزالة، وغير دافع لتحريك الناس عن سبب خوفهم، مهما كانت محدودية ممارسته، ومهما كان حجم الناس المنخرطة، لكن الحملة إنما تعبر في حقيقة أمرها عن بادرة على عتبة التحريك الإيجابي لبعض الناس وبأشكال مختلفة.

صحيح أننا قد تابعنا ردود فعل متفاوتة حيال تلك الحملة، ولكن هؤلاء الذين يسرفون ويرجفون إنما هم في حقيقة الأمر لا يدركون قيمة عمل كهذا أو أنهم لا يريدون. والأمر المهم الحاسم في هذا الشأن هو أن النظام الفاشي قد انتفض بأسره وأجهزته ليتحرك في مواجهة هذه الحملة ومطلقها ومن ساعد فيها، في محاولة لاستهداف وتصفية حسابات تعبر عن حقارة النظام ودناءته في مواجهة أي عمل سياسي أو أي حالة احتجاجية، فقامت أجهزته بعملية ترويع لأهل من أطلقها؛ وصلت إلى حد ممارسة عملية اختطاف على طريقة العصابات، ضمن مواجهة خسيسة للضغط على من أطلق هذه الحملة، فضلا عن شن حملة استهداف معنوي لمن أطلقها ولمن ينتمون إليه بأي صلة قرابة.

الذين يسرفون ويرجفون إنما هم في حقيقة الأمر لا يدركون قيمة عمل كهذا أو أنهم لا يريدون. والأمر المهم الحاسم في هذا الشأن هو أن النظام الفاشي قد انتفض بأسره وأجهزته ليتحرك في مواجهة هذه الحملة

وانطلقت المؤسسة الاقتصادية الكبرى في مصر، ممثلة في البنك المركزي، لتحذر من الكتابة على الأوراق المالية، وتؤكد أنها غير قابلة للتداول. أكثر من هذا، وضمن حركات اعتقال عشوائية، تم ترويع الأهالي وعموم الناس بدعوى مشاركتهم في هذه الحملة.. كل ذلك يؤكد أن هذه الحملة قد أثرت تأثيرا غير منكر، حتى أنها حركت الراكد في مواقف الاحتجاج وحركت الناس ليمارسوا بعض ما يعبر عن غضبهم.

نقول لكل هؤلاء الذين يهوّنون من الأمر أو يُخذّلون فيه؛ إن من المعلوم بالضرورة في العمل السياسي الاحتجاجي بعد تراكم شعور الخوف والتفزيع والترويع، أن ينقر المحتجون في جدار الخوف ما استطاعوا في حالة رمزية، وفي إطار عمل يهدف إلى التصاعد ضمن قاعدة ذهبية مفادها "لا تحقرن من المعروف شيئا".

كما أن الأمر لم يخل من استنفار جوقة إعلام النظام لمواجهات خسيسة، لطمس معالم الحملة ومحاولة التعتيم على آثارها والحديث عن خفة أدواتها، وهم يغفلون قوانين الحركة؛ من أن أول الغيث قطرة، وأن معالم الاحتجاج ومساراته تبدأ على هذا النحو حتى تتصاعد.. هكذا هي قوانين تحريك الاحتجاج والغضب. وفي هذا المقام، فإن القدرة على الانتقال من هذا العمل الرمزي ضمن هذا الشعار العبقري "اطمن أنت مش لوحدك "، وفي إطار حالة من "الونس" والاستئناس بين مختلف الناس، إنما شكّل بيئة نفسية جماعية لا بد في البداية أن نؤكد على قيمتها والقدرة على تطويرها وتصاعدها. وإن تطوير هذه الحملة إلى سياقات فاعلة يحمل شعارا يشكل نقلة نوعية وإيجابية، تتحرك صوب مزيد من التراكم والتصعيد.

أول الغيث قطرة، وأن معالم الاحتجاج ومساراته تبدأ على هذا النحو حتى تتصاعد.. هكذا هي قوانين تحريك الاحتجاج والغضب

إن الاستناد للمعنى الذي يحرك الناس (مع بعض نقدر) والذي يشكل مساحة من اتساع الفعل وتجميع الطاقات وتدرج السلوكيات، إنما يشكل حالة غاية في الأهمية التي أشرنا لها من قبل، والتي تؤكد في حقيقة الأمر على عملية اصطفاف عملية حقيقية تنتقل من حالة الونس والأنس من وحشة الخوف والترويع إلى حالة من التكاتف والتكافل والرغبة في الحركة الإيجابية، وفي مساحات التحريك لمواصلة عملية التغيير على طريق التأثير.. عمليات بعضها من بعض، تنتقل إلى حالة إيجابية، مع تنوع مستويات الفعل (مع بعض نقدر) في أشكال كثيرة، وفي حالات تصاعدية كبيرة، حتى تخرج من الحملة مجموعة من الحملات المشتقة؛ تنتقل من حالة الاطمئنان والعمل معا والاصطفاف، لتشكل في الحقيقة الاصطفاف وجوهره.

إن مبدأ الاصطفاف في جوهره وتعاضد وتكامل كافة الأدوات الأخرى، من حملات إلكترونية ومن أفعال حقوقية ومن حركة سياسية واسعة، إنما هي خادمة لهذا الاصطفاف الشعبي في أبهى صوره، لتؤكد فاعلية معامل التحريك الحقيقي في الغضب وتراكم الاحتجاج وتنوع وسائل التعبير عن الرأي. غاية الأمر في ذلك أن ننتقل من حالة التأثير النفسية إلى حالة أفعال إيجابية، تتشكل في تكتيل الفاعليات وإطلاق الطاقات. ولا بد وأن يحدث تنسيق في الملفات الحقوقية من أجل المعتقلين، وحملات إعلامية وأخرى سياسية، تتكامل فيها الاهتمامات المختلفة، وتحمل ملفات متشابكة لتشكل حملات متنوعة ومتكاملة، وهي تمثل حالة مواتية لتكوين نواة صلبة لمعارضة متماسكة تواصل النضال، من أجل تحقيق أهداف الثورة، وتعمل على التفاف قطاعات واسعة من الشعب المصري حولها.

مبدأ الاصطفاف في جوهره وتعاضد وتكامل كافة الأدوات الأخرى، من حملات إلكترونية ومن أفعال حقوقية ومن حركة سياسية واسعة، إنما هي خادمة لهذا الاصطفاف الشعبي في أبهى صوره

وفي هذا الإطار، فإن معركة الدستور في مواجهة الطاغية هي واحدة من تلك المعارك، ومناسبة لتفعيل حملات متعددة تشتمل على كل الطاقات التي ترفض العبث بالدستور، سواء من هؤلاء الذين يقاطعون أو الذين ينادون بالتصويت بلا في معركة الاستفتاء، إلا أنه في حقيقة الأمر؛ على كل منهم أن يواصل معركة الضمانات بحقها ومعركة المقاطعة بإيجابياتها في إطار "اطمن أنت مش لوحدك" و"مع بعض نقدر"، ومن حملة ترفض العبث بالدستور.. فمن مات ولم يحدث نفسه بـ"لا "فقد مات منبطحا خانعا.. لقد آن الأوان أن يتحرك الناس في معركة "لا" التي تشكل حالة تدريبية للصدع بهذه الكلمة الكبرى في مواجهة المستبد الطاغية.

الأحداث كثيرة، واستثمار الفرص لا بد وأن يشكل حالة محسوبة ضمن معامل تدريب للاحتجاج وترشيد مصانع الغضب، وفي إطار يضمن خوض تلك المعارك التي سنتحدث عن بعض منها في إطار هذه الحملات المتتابعة، سواء في معركة الضمانات أو في معارك فضح النظام، ضمن عملية متتابعة لمطاردة النظام الفاشي وفضح ممارساته وسياساته، ومواجهة ذلك ضمن استراتيجية خطاب مؤثر يشمل كل فئات الشعب..

بين "لا" و "الناس" يجب أن تتشكل حركة أساسية لمواجهة هذه التعديات الدستورية باعتبارها فرصة للانطلاق من نقطة ومنصة مناسبة تجعل من الشعب طرفا في معركة قادمة؛ معركة الدستور في مواجهة الطاغية كما سبق وأشرنا في مقال سابق.

الحملات المختلفة قد تؤدي إلى نجاحات جزئية على طريق التغيير الحقيقي، بالتأسيس للمشروع الوطني الجامع، والتمهيد للحالة الناظمة للطاقات والفاعليات. العبرة كما قال أحدهم؛ في ممارسة كل حملاتنا، ومنها حملة مواجهة العبث بالدستور

إن هذا النموذج الذي يقدم حالة تتجاوز الاختلافات وهجاء الشعب، والتوجه مباشرة إلى معاركنا الحقيقية نحو الطاغية في حملات متتابعة ومتراكمة ومتصاعدة، إنما تشكل في حقيقة الأمر الخروج من وضع العجز والشلل، إذ وقعت مصر تحت خطر داهم، وعمليات تخريب للوطن من نظام فاشي، وعصابة تتحكم في مصير الوطن.

إن هذه الحملات المختلفة قد تؤدي إلى نجاحات جزئية على طريق التغيير الحقيقي، بالتأسيس للمشروع الوطني الجامع، والتمهيد للحالة الناظمة للطاقات والفاعليات. العبرة -كما قال أحدهم- في ممارسة كل حملاتنا، ومنها حملة مواجهة العبث بالدستور، بالقدرة والفاعلية على تحقيق أهداف ومكاسب يمكن البناء عليها في المستقبل، وتمثل أهم خطوة على طريق التغيير، وتحرك الشعب خروجا من قمقم الخوف الذي يحاصره إلى حالة الفعل الإيجابي على طريق الفاعلية والتأثير. إن هذا ليس بالشيء القليل، وكذلك يعني الكثير.

عن محمد ابوشمس

شاهد أيضاً

"خلينا نغير جو" عبر "واتساب" بالإمارات.. تقود للمحكمة

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *