الرئيسية / الاخبار / مصر بين ثورتين!

مصر بين ثورتين!

ليست الثورات مجرد هبة أو "هوجة". والثورات التي تصرفت على هذا النحو، فشلت سريعاً، مثل الثورة العرابية، والثورة المضادة في 30 حزيران/ يونيو 2013!

فالثورة ليست "سهرة" تحت ضوء القمر، ولكنها عمل ممتد؛ لأن مطالبها جذرية، وبالتالي لا يمكن تحقيقها في يوم وليلة، وبين عشية وضحاها، وكذلك هي ثورة 1919، كما هي ثورة 2011. والثورات سنواتها تكون بين مد وجذر، تتعرض لانكسارات، وتواجه تحديات، وتحقق انتصارات تتم خلال مرحلة ممتدة تستند على حضور الجماهير. وقد استمرت الثورة الأم في تحقيق أهدافها، حتى هزيمتها بوقوع الانقلاب العسكري في سنة 1952، لكن ثورة يناير لم تنته بالانقلاب العسكري في 2013، وحتى الذين فعلوا السوء بجهالة، وخرجوا في الثورة المضادة ليمثلوا غطاء ثوريا للثورة المضادة، تابوا من قريب، ولم يستطع النظام الجديد أن يستمر في الكذب، وبأنه امتداد لثورة يناير، أو أنه غير طامع في سلطة أو ساع لحكم!

ثورة آذار/ مارس 1919، ، من حيث المطالب التي تبنتها، فقد كان مطلبها الاستقلال الوطني، لبلد واقع تحت الاحتلال، لكن الفعل الثوري الجماهيري كان لاحقاً على تقديم هذا المطلب. فعندما تورط الاحتلال في نفي زعماء الثورة، فلم يكد يصل خبر النفي إلى الجماهير حتى هبت في فعل ثوري تجاوز قدرة الجميع على التصور، بمن في ذلك قادة الثورة أنفسهم. وهي ثورة أمة فعلاً، حيث شاركت فيها كل أطياف الشعب المصري، نخبته وباشاواته، وفلاحيه ورعاعه، ورجال دينه. وجن جنون الاحتلال واستخدم القوة المفرطة في مواجهة ثورة شعب أعزل، ثم سرعان ما وقف على خطأ نفي الزعماء المصريين، فردهم إلى بلادهم مرة أخرى، فلم تلن لهم قناة، ولم يتراجعوا عن مطلبهم، وكانت عودتهم تأكيداً لانتقالهم إلى مرحلة الزعامة الشعبية، ويعملون بمتقضى إرادة الشعب من خلال التوكيلات التي فوضتهم بتمثيل الأمة.

الثورة ليست "سهرة" تحت ضوء القمر، ولكنها عمل ممتد؛ لأن مطالبها جذرية، وبالتالي لا يمكن تحقيقها في يوم وليلة، وبين عشية وضحاها، وكذلك هي ثورة 1919، كما هي ثورة 2011

وبعد عودته من المنفى، خطا سعد زغلول خطوة مهمة للأمام، فلم تقتصر مطالبه على الاستقلال وجلاء المستعمر، وإنما امتد لرفضه الامتيازات الممنوحة للإنجليز. وكان واضحاً أن هناك تباينا بين المطلبين، فالاستقلال لم يكن يعني إلغاء هذه الامتيازات، وكان سعد زغلول دائماً ينتظر الوقت المناسب لإعلان مطالبه، فقد وجد الوقت مناسبا لطلب الاستقلال بعد الحرب العالمية الأولى، وأمسك عن طلب إلغاء الامتيازات، لكنه رفع هذا الطلب عندما قامت الثورة، التي حملت الإنجليز على عودة قياداتها من المنفى!

وعندما تشكل "الوفد المصري"، لم يكن كل من يمثلون المصريين سواء؛ لأنهم لم يكونوا جميعهم من المناضلين، فقد كان فيهم من يُقدم ويُدبر، لكن تشكيل الوفد كان ملتزما بتمثيل الجمعية الشرعية المنتخبة، وظل سعد زغلول دائماً بوصلة الثورة وضميرها، وزعيمها الشجاع، فلم يتردد ولم يتراجع. ومع ذلك، وجدنا هناك من يحمّله كل أوزار الثورات التي شهدتها المنطقة، ووصل الحال ببعضهم إلى ادعاء أنه رجل الإنجليز، الذين صنعوه على أعينهم، دون أن يثبتوا هذا بموقف، أو بمصدر معتبر!

موقف الإسلاميين المتأخرين من هذه الثورة وزعيمها؛ كاشف عن أزمة حقيقية، لا سيما إذا علمنا أن من بينهم من يعادون هذه الثورة، ولم يكن موقف من عاصروها من المتدينين هكذا أبداً

موقف الإسلاميين من ثورة 1919

ولا شك في أن موقف الإسلاميين المتأخرين من هذه الثورة وزعيمها؛ كاشف عن أزمة حقيقية، لا سيما إذا علمنا أن من بينهم من يعادون هذه الثورة، ولم يكن موقف من عاصروها من المتدينين هكذا أبداً، والذين اعتبروا أنفسهم جزءاً منها، حيث كان الجامع الأزهر هو أحد ميادينها، بل للدقة ميدانها المعتبر. وقد صعد القس سرجيوس منبره، ليقول إذا كان الإنجليز قد جاؤوا لمصر دفاعاً عن الأقباط، فليمت الأقباط وتبقى مصر حرة!

وشارك الأستاذ حسن البنا في ثورة 1919 صبياً، وأحيا ذكراها شاباً، وكان فخوراً بمشاركته فيها، فمن أين جاء هذا العداء أو الفتور تجاهها؟!

يقولون إنها ثورة علمانية، خرجت فيها النساء وقد خلعن الحجاب، وهو ترديد لمقولات يسارية كانت علاقتها بسعد زغلول فاترة، فالرجل باشا وليس من الطبقة العاملة. ثم إن له موقفين لم ينساهما اليسار المعادي للدين، سنذكرهما بعد قليل!

الحديث عن النساء اللاتي خلعن الحجاب، هو تضليل مستمد من العداء لهذه الثورة، ثم يجري الإمساك به في رحلة البحث عن حيثيات لهذا العداء. واليسار هو من يكرس دعاية خلع الحجاب، عندما يشير إلى أن الحجاب جاء لمصر وافداً مع "الإسلام السعودي النفطي"، ومنهم من يتجاوز هذا إلى الإعلان أن مصر أصلاً لم تكن تعرف الحجاب، لكن الصور المنشورة لنساء شاركن في ثورة 1919، تكذّب كل هذا، فقد كن أقرب إلى المنتقبات، حيث يضعن ما يسمى "البرقع" على وجوههن. وربما حدث ما يسمى التخلي عن الحجاب في وقت لاحق، لكن علينا أن نوضح بأن الحجاب كان يُقصد به هذا "البُرقع"، وحتى دعوة تحرير المرأة في هذا الزمان التي رفعها "قاسم أمين"، لم يكن يقصد الحجاب بمعناه الديني، ولكنه كان يقصد غطاء الوجه هذا!

الحديث عن النساء اللاتي خلعن الحجاب، هو تضليل مستمد من العداء لهذه الثورة، ثم يجري الإمساك به في رحلة البحث عن حيثيات لهذا العداء. واليسار هو من يكرس دعاية خلع الحجاب

كان يوم الثورة هو يوم الهول، وليس للمشاركة في "حفل ساهر"، يمارس فيه ترف خلع الحجاب، أو تطلق فيه مثل هذه الدعوة!

يقولون إن ثورة 1919 دعت إلى العلمانية، في حين أن مثل هذه القضايا الفكرية لم تكن مطروحة على جدول الأعمال. وإذا اعتبرنا أن العلمانية في أقسى معانيها هي الفصل بين الدين والحكم، فسعد زغلول له موقف معاد لكتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، الذي يؤكد على أن الإسلام دين لا دولة، ومصحف لا حكم. ثم إنه وقف ضد كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، ومن فوق منصة البرلمان، حيث كان رئيساً لمجلس النواب المصري في ذلك الوقت، وهما الموقفان اللذان لا ينساهما له اليسار أبداً.

هناك من ذهبوا للتخفيف من وطأة الموقفين، بالقول إنهما نتاج عداء شخصي بين سعد زغلول وكل من علي عبد الرازق وطه حسين، حيث كانا أعضاء في حزب الأحرار الدستوريين، وهو الحزب الخصم للوفد، وطه حسين له كتابات ضد سعد زغلول حينئذ.

ومهما يكن، فعندما ثار الباشا ثورته ضد الكتابين، لم يُذكره أحد بقيم ومبادئ العلمانية التي ينادي بها في ثورته، التي لم تكن مطالبها تخرج عن الاستقلال الوطني ورفض الامتيازات الأجنبية وإقامة ملكية دستورية، يحكم فيها أهل مصر أنفسهم بأنفسهم، وإذا اعتبر أحد من المتأخرين أن الاستقلال الوطني مطلب علماني، فهذا شأنه!

النساء الشقيات في الثورة

في عملية البحث في الكتب التي أرخت لثورة 1919، عن ما يعكر الصفو المسلم، وجدت حضوراً للنساء إياهن في يوم، غير يوم ثورة 1919، وإن كنت أرى أنها ثورة ممتدة، ولا يمكن أن تحسب على أنها - فقط - هذا الفعل العفوي احتجاجاً على نفي سعد وصحبه!

كان المطلب (الأزمة) الذي ألحّ عليه زعماء الثورة، قبل النفي وبعده، هو ضرورة السماح لهم بالسفر للخارج لعرض القضية المصرية على العالم، ونقلها للرأي العام الإنجليزي، وهو ما رفضه الاحتلال، فبدأت المتاعب له، واستقالت الحكومة، ورفض كل من عرض عليه تشكيلها قبولها إلا بعد السماح للوفد بالسفر، فلما جاء موعد صدور الميزانية، وليس في مصر حكومة أو برلمان لمناقشتها، وجد المعتمد البريطاني حلاً لهذه المشكلة بأن يعتمد الميزانية باسم السلطة العسكرية، وذلك في أول نيسان/ أبريل 1919، لكنه (كما يقول عباس محمود العقاد) "حل مشكلة وأثار مشاكل"، فهذا التحدي ألهب في النفوس جذوة الغضب، "فعاد التجار إلى إغلاق حوانيتهم، وأضرب المواطنون ممن لم يكونوا مضربين، وتمرد طلاب المدارس الحربية ومدرسة الشرطة، فخرجوا متظاهرين أمام قصر السلطان ودور السفارات.. واشتدت ثورة الأزهر وكثرت اجتماعاته حتى لجأت السلطة العسكرية إلى مخاطبة شيخ الأزهر في إغلاقه دفعة واحدة، أو الاكتفاء بإغلاقه في غير أوقات الصلاة، فأبى، واعتذر بأن الله ينهى المسلم عن إقفال مساجد الله"!

ولم يكن أمام الاحتلال إلا أن يتداوى بالتي كانت هي الداء، فيطلق سراح "الوفد" ويسمح له بالسفر، وهنا سرت نشوة النصر بين المصريين، فخرجوا يحتفلون بهذا الانتصار. ويروي العقاد أنه في هذا اليوم "استولى على الناس شعور مقدس غسل النفوس، فنسي المجرم إجرامه، والموصوم وصمته، وشوهدت جموع النسوة الشقيات المتبذلات على مركبات النقل يحيين وطنهن، ولا ينظر إليهن ناظر بعين المهانة أو الريبة أو المجون الذي تثيره أمثال هذه الجموع في غير تلك المظاهرات. وامتنعت حوادث السرقة على سهولتها في ذلك اللجب اللاجب.."!

هل يمكن أن يأتي يوم يتم فيه الإعلان عن أن يناير كانت ثورة علمانية؛ لأنها لم تطالب مثلا بتطبيق الشريعة، ولكنها طالبت بإسقاط النظام؟ فما هي الشعارات الدينية التي رفعت في ثورة يناير في كل تجلياتها؟!

فهل هذا الحضور للنسوة الشقيات المتبذلات هو ما حرك الضمير المتدين، إلى وصم ثورة 1919 بالعلمنة؟!..

العقاد فسره بأنه كاشف عن ذروة الحماس الوطني، التي انتابت الشعب كله، ولعل هذا اللون من الحضور مزعج لوجدان مسلم هذه الأيام، فاستغلته الثورة المضادة في تشويه كل حراك ثوري.. فثوار يناير كانوا "يمارسون الدعارة" في مخيمات بميدان التحرير، والإخوان "يمارسون نكاح المتعة" في اعتصام رابعة، وليس الأمر بحاجة إلى إعلان أن ذلك كله كذب بواح!

وقد يقول قائل: إن الأزمة في ثورة 1919 أنها لم ترفع مطالب دينية، ليكون السؤال وما هي المطالب الدينية التي ترفعها ثورة تطالب بالاستقلال الوطني؟ وهل كانت هناك مطالب دينية أهم من حق المصريين في حكم أنفسهم؟!

وهل يمكن أن يأتي يوم يتم فيه الإعلان عن أن يناير كانت ثورة علمانية؛ لأنها لم تطالب مثلا بتطبيق الشريعة، ولكنها طالبت بإسقاط النظام؟ فما هي الشعارات الدينية التي رفعت في ثورة يناير في كل تجلياتها؟!

هزيمة الثورة الأم بالانقلاب

الثورة الابنة، استمرت بعد الانقلاب العسكري، وكانت درجة الوعي أكبر، فجعلت منه مجرد "زوبعة في فنجان"، فعاد الثوار جميعهم الآن يتحدثون عن ضرورة عودة ثورة يناير!

وبعيداً عن هذا، فقد تميزت ثورة 1919 عن ثورة 2011، بأن الأولى كان لها قادة، في حين كان الأفضل للثانية أنها أفرزت مطالب ولم تفرز زعماء. وفي بعض مراحلها كان زعماء الأولى عبئاً على مطلبها الواضح بالاستقلال التام وإلغاء الامتيازات الأجنبية في مواجهة وضوح سعد زغلول وصرامته، والذي كانت ثورته ممتدة، كما ثورتنا، وإن كانت الثورة الأم هزمت بالانقلاب العسكري، فانتهت به، فإن الثورة الابنة، استمرت بعد الانقلاب العسكري، وكانت درجة الوعي أكبر، فجعلت منه مجرد "زوبعة في فنجان"، فعاد الثوار جميعهم الآن يتحدثون عن ضرورة عودة ثورة يناير!

وليس هذا لدرجة الوعي فقط، فقد كان مطلب ثورة 1919 الرئيس هو الاستقلال، فبدا الضباط الأحرار في 1952، كدعاة للتحرر الوطني وكانت هذه هي الخدعة، تماما كما كان شعار ثورة 2011 هو إسقاط الحكم العسكري. وتمثلت الأزمة في أن فريقا من ثوار يناير مكّن الحكم العسكري من العودة في صورة أكثر وضوحا، لكن ذهبت السكرة وحلت الفكرة، وعاد الجميع يتحدثون عن ضرورة إسقاط حكم العسكر.

الثورة مستمرة.

عن محمد ابوشمس

شاهد أيضاً

"استشهاد الرئيس" و"خطة الأمل".. أحداث كاشفة (11)

لا يزال النظام الانقلابي يمارس ألاعيبه؛ حينما يتهم كافة القوى السياسية والمجتمعية، ويجعلها في وضع تكرس فيه حال الانشقاق، وتستند الى عقلية الاستقطاب، وتقوم بشكل أو بآخر بالدفاع عن مظالم كل قوى سياسية على حدة في ما يخصها؛ في شعوبية لا تتحملها أحوال الوطن، بينما تمرر مظالم القوى السياسية والمجتمعية الأخرى. فليس اعتباطا (حتى لو كان الأمر مفبركا من جانب القوى الأمنية ووزارة الداخلية) أن تؤكد الداخلية في بيانها إحباط "خطة الأمل"؛ فالأمر في حقيقته ليس كما تحكيه تلك الرواية الأمنية المفبركة التي اعتدناها حينما نتوقع حدثا أمنيا جللا آتيا في الطريق، أو قضية مستجدة تكون موضع حديث الناس...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *