الرئيسية / الاخبار / هل تدخل باكستان لعبة المحاور السعودية ـ الإماراتية؟

هل تدخل باكستان لعبة المحاور السعودية ـ الإماراتية؟

في آب (أغسطس) 2018، تولى عمران خان وهو لاعب كريكت دولي سابق وزعيم حركة "إنصاف" رئاسة الوزراء في باكستان. ترك فوز خان المفاجئ انطباعات حذرة لدى المسؤولين السعوديين وحلفائهم الإماراتيين، ذلك انّ أحداً لم يكن يتوقع وصوله إلى الحكم بشكل مسبق، كما أنّ مواقف الرجل السابقة والرافضة لمشاركة جنود باكستانيين فيما أسماه "حرب الآخرين" ـ في إشارة إلى ما قيل عن مشاركة جنود باكستانيين في حرب اليمن التي تقودها السعودية والإمارات ـ كانت قد أثارت الهواجس لدى المسؤولين الخليجيين في كلا البلدين. لذلك، وفور صعوده إلى السلطة، عمدت الرياض وأبو ظبي إلى استقطاب الرجل من خلال التحضير لزيارات رسمية متبادلة رفيعة المستوى.

 

 عمران خان يزور طهران والرياض في أول جولة خارجية بعد انتخابه

وبالفعل، خلال شهر واحد من توليه الحكم، وجّه الملك السعودي دعوة رسمية لخان لزيارة السعودية، فتوجه رئيس الوزراء الباكستاني الجديد في أول زيارة رسمية خارجية له الى المملكة العربية السعودية، تلتها زيارة أخرى إلى الإمارات في طريق عودته إلى باكستان مجدداً. تركت هذه الزيارات انطباعاً إيجابياً عن الإتجاه الذي ستسلكه العلاقة بين الطرفين مقارنة بالمخاوف المسبقة المتعلقة بتوجّهات خان التي قد لا تتماشى تماماً مع تطلّعات المسؤولين في البلدين إزاء التطورات الإقليمية. 

ترتبط باكستان تاريخيا بعلاقات متينة مع المملكة العربية السعودية، ولطالما قامت الرياض بدعم باكستان اقتصادياً مقابل الحصول على دعم عسكري وأمني. وفي هذا السياق، يعود التواجد العسكري الباكستاني في المملكة إلى سبعينيات القرن الماضي، إذ لعب الجيش والاستخبارات الباكستانية دوراً في تأهيل وتدريب القوات المسلحة السعودية والكوادر الأمنية خلال مراحل مختلفة. وتشير تقارير إلى أنّ إسلام أباد حمت ولا تزال تحمي بعض المواقع السعودية الاستراتيجية من خلال قوات خاصة متواجدة داخل البلاد. وبالرغم من هذه العلاقة الخاصة التي تجمع البلدين، إلاّ أنّ باكستان كانت حريصة دوماً على عدم تحويلها إلى علاقة تبعيّة، إذ رفضت باكستان خلال السنوات الماضية الدخول في المغامرات الإقليمية التي قامت بها المملكة العربية السعودية والإمارات بالرغم من كم الضغوط وعمليات الابتزاز التي خضعت لها.

 


في حرب اليمن، رفضت إسلام آباد طلب الرياض المشاركة بقوات لها متذرعة برفض البرلمان لهذا الأمر، لكنها قامت بموازنة ذلك بتعهدها بحماية السعودية في حال تعرّضها لأي هجوم عسكري. وعندما فرضت السعودية ومعها ثلاث دول (الإمارات والبحرين ومصر) حصاراً على قطر وطالبت الدول الأخرى بفعل نفس الأمر على قاعدة (معي أو ضدي)، رفضت باكستان الخضوع لمثل هذا المنطق، وكذلك فعلت فيما يتعلق بتصنيف جماعة الاخوان المسلمين كجماعة إرهابية. 

أثار الموقف الباكستاني حالة سخط صامتة لدى العديد من المسؤولين الخليجيين. من وجهة نظر باكستانية، يفرض وضع إسلام أباد لعب دور الوسيط أو الجسر بين الأطراف المختلفة، ومن غير الممكن السماح للآخرين باستخدام باكستان بندقية في حروبهم وصراعاتهم الخاصة سوء كان يتعلق الأمر بأمريكا أو بالسعودية والإمارات أو بأي طرف كان.

 

اقرأ أيضا: رئيس وزراء باكستان: لن نخوض حروبا بالوكالة بعد الآن

منذ العام الماضي، بدأت إسلام أباد تعاني إقتصادياً بشكل أكبر، كما أنّ تقرّب كل من إيران والإمارات والسعودية من خصمها اللدود الهند، خلق حالة من الشعور بعدم الأمان، الأمر الذي تطلّب القيام بمبادرات لاحتواء الوضع. ففي شباط (فبراير) 2018، أرسلت إسلام أباد دفعة من قواتها العسكرية إلى السعودية كمستشارين ومدربين، لكنّها لم تكن كافية على ما يبدو مقارنة بتطلعات الرياض وأبو ظبي لما يمكن لباكستان أن تقدّمه في مغامراتهما الإقليمية. ومع مجيء خان إالسلطة، رأت العاصمتان في الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها باكستان فرصة للحصول على مكاسب سياسية وعسكرية أكبر من الصديق الباكستاني. 

شكّل هذا العامل على ما يبدو مدخلاً للتقرّب من رئيس الوزراء الجديد. ولم يمانع الأخير زيارة المملكة للمشاركة في مؤتمر الاستثمار الذي عُقد في تشرين أول (أكتوبر) الماضي في الوقت الذي كانت فيه السعودية شبه محاصرة دولياً بفعل أزمة خاشقجي. وفي الوقت الذي إمتنع فيه العديد من المسؤولين الأجانب عن زيارة الرياض لكي لا يُفهم ذلك على أنه دعم لولي العهد السعودي، لم يبالِ خان بالأمر، وقدّم ما اعتبره أولويةً لبلاده على موضوع خاشقجي. عرضت السعودية على خان حزمة من الدعم الاقتصادي بقيمة حوالي 6 مليارات دولار كقروض وودائع وتسهيلات مالية، كما قامت الإمارات بتقديم حزمة مماثلة بقيمة حوالي 6.2 تبعها زيارة لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد إلى إسلام أباد الأسبوع المنصرم وسط توقعات بأنّ يزور محمد بن سلام باكستان الشهر المقبل ايضاً.

 

أرسلت إسلام أباد دفعة من قواتها العسكرية إلى السعودية كمستشارين ومدربين، لكنّها لم تكن كافية على ما يبدو مقارنة بتطلعات الرياض وأبو ظبي


هل ستنجح مثل هذه المبادرات في استقطاب المعسكر السعودي ـ الإماراتي لباكستان؟ هناك من يراهن على مثل هذا الأمر بالفعل. لكن في المقابل، هناك من يعتقد أنّ رئيس الوزراء الباكستاني يريد الاستفادة من الدعم المالي السعودي والإماراتي بالفعل، لكنّه لن يقدّم تنازلات فيما يتعلق بمبادئه الأساسية، ولذلك فهو سيحاول موازنة هذا الدور من خلال التقارب كذلك مع كل من إيران وتركيا، وبدلاً من أن تكون إسلام أباد في موقع المهرول للإنضمام إلى أي من المحاور، سيحاول أن يجعلها محور اهتمام هذه الأطراف بما يمكّنه من توظيف ما تقدّمه هذه الدول لصالح باكستان. 

لا يزال من المبكر الحكم على مثل هذه الاستراتيجية، لكن التطورات المتسارعة المتعلقة بباكستان تفترض أن نتابع ما يجري هناك عن كثب لرصد أي تغيّرات في السياسية الباكستانية الإقليمية في المنطقة، ومدى تأثير ذلك على لعبة المحاور والمصالح القائمة في الشرق الأوسط.

 

اقرأ أيضا: مهمة عمران خان الشاقة لموازنة العلاقة بين السعودية وإيران

عن محمد ابوشمس

شاهد أيضاً

"خلينا نغير جو" عبر "واتساب" بالإمارات.. تقود للمحكمة

...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *