الرئيسية / الاخبار / لماذا اهتزت العلاقة بين النهضة والسبسي؟

لماذا اهتزت العلاقة بين النهضة والسبسي؟

الكثير من مراقبي تونس ومحبيها المشفقين على تجربتها الديمقراطية الوليدة باتوا يتساءلون بشيء من الاستغراب المشوب بالقلق عن سر التقلب الفجئي في مواقف الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي من النهضة وسبب تعثر، ان لم نقل اهتزاز، ما عرف بخيار التوافق (خصوصا ببن "الشيخين"، اي الغنوشي والسبسي) الذي صمد في وجه عديد الهزات والتقلبات.

ما الذي حصل؟ وما الذي جعل الامور تتجه الى التوتر والتصعيد على مستوى الخطاب والسلوك السياسيين للنخبة التونسية في الأشهر الاخيرة؟ 

بدأت نذر الأزمة السياسية تلوح في الأفق منذ ان اصر رئيس الجمهورية على الإطاحة برئيس حكومته، يوسف الشاهد، في اطار ما عرف بمبادرة قرطاج 2.
 
كان العنوان الظاهري لمبادرة قرطاج 2 تقييم المنظمات الوطنية والأحزاب السياسية لعمل الحكومة.

إلا أن الهدف المضمر والحقيقي من وراء كل ذلك كان ابعاد الشاهد عن رئاسة الحكومة، بعد احتدام الصراع بينه وبين نجل الرئيس، حافظ قايد السبسي، الذي استلم قيادة نداء تونس في أجواء أزمات داخلية عصفت بحزب الرئيس.

ورغم ان وثيقة قرطاج 2، التي تمخضت عن اجتماعات الحوار بين مختلف الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية، تضمنت 64 نقطة تلخص برنامج الحكم للمرحلة القادمة تم الاتفاق على 63 منها، الا انه تم التشبث بالنقطة الاخيرة التي وردت في ذيل الوثيقة.

مربط الفرس اذن، كانت النقطة 64 التي تضمنت تغيير الحكومة، وكان الغرض الرئيسي من بقية الفصول التغطية على هذا المطلب، لا غير.  

ما زاد في اصرار الباجي على تغيير حكومة الشاهد هو تقدم النهضة في الانتخابات البلدية الاخيرة التي جرت في شهر مايو من السنة الجارية، على حساب حزب الرئيس الذي أسّسه ومازال يرعاه من قرطاج ( نداء تونس).

ولّد هذا الفوز النهضاوي غيضا مكتوما في نفس الرئيس، وحرّك شعورا متناميا لديه بأن سياسة الاحتواء الهادئ التي سلكها مع النهضة لم تؤت أكلها. 

لذا لا يمكن قطع الطريق عن تثبيت النهضة موقعها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي يفترض ان تنعقد بعد عام من البلدية التي سبقتها (خريف 2019) الا عبر الإطاحة بيوسف الشاهد وتفجير كل الألغام المتاحة في وجهها: من التنظيم الموازي الى التورط في الاغتيالات الى معركة المساواة في الارث، والحبل على الجرار..

انتقل السبسي إذن من سياسة الاحتواء الانتخابي الى التحجيم السياسي، عبر الضغط الاعلامي والنفسي، استعدادا للمحطات القادمة. وكان ذلك متزامنا مع اتهام يوسف الشاهد بتدبير انقلاب مزعوم على رئيس الدولة.  

 

 

رسائل الباجي للنهضة واضحة،: اما ان تقبلوا الإطاحة بالشاهد.. او الويل والثبور

 


رسائل الباجي للنهضة واضحة، سواء تلك التي يوجهها عبر الاعلام او في المجالس المغلقة، وهي الآتي: اما ان تقبلوا الإطاحة بالشاهد وتطلقوا يدي في تشكيل حكومة جديدة على المقاس، او الويل والثبور:  حرب باردة وساخنة بلا هوادة، تشهر فيها كل الأسلحة في وجوهكم، بما في ذلك بث الفوضى وتحريك المطلبية الاجتماعية واحتجاج الشارع والاتهام بالتنظيم الموازي، وغيره كثير. 

لا يمكن فهم ملابسات اهتزاز العلاقة بين الباجي قايد السبسي والنهضة بمعزل عن هذا السياق السياسي العام. فقد رأى السبسي في الاخيرة عقبة كأداء أمام ازاحة يوسف الشاهد عن سدة القصبة، بعد ان صمم على التخلص منه تحت غطاء مبادرة الحوار الوطني لتقييم عمل الحكومة.

ولان النهضة تمتلك الكتلة الاكبر في البرلمان، ولا يمكن الإطاحة بالشاهد وحكومته من دون مصادقة كتلتها، فقد اعتبر الباجي اصرارها على مقولة الاستقرار الحكومي، ثم تزكية الفريق الحكومي الجديد تحد صارخا له وخطيئة لا تغتفر.. 

حاول الباجي ان يذهب بعيدا في صراعه مع النهضة، زاعما ان العلاقة قد انقطعت بطلب منها. وحينما لم ينل مبتغاه: اي الإطاحة بالشاهد بأيدي النهضة والإتيان بوزير حكومة جديد حسب الطلب (يشرف هو على معركة تحجيم النهضة، في نظام شبه برلماني جل الصلاحيات فيه بيد الحكومة والبرلمان)، انتقل إلى استخدام المدفعية الثقيلة بتحريك لجنة الدفاع عن اغتيال بلعيد والابراهمي المرتبطة بالجبهة الشعبية (ائتلاف لاحزاب يسارية وقومية عرفت بشدة عدائها للنهضة) لتقوم بدور التحريض والاتهام المتكرر بالاغتيال.   

وهي لعمري من المضحكات المبكيات، فالكل يدرك ان النهضة كانت ضحية هذه الاغتيالات اصلا، وهي التي دفعتها لتسليم الحكومة لفريق من التكنوقراط، في خضم أزمة سياسية خانقة عصفت بالبلاد عام 2013.

ولو كان من صحة لزعم تورط النهضة، فلم يتم إشهاره في وجهها الان بالذات، بعد التوافق والتحالف معها طيلة ثلاث سنين، وقد اشرف من يطلقها اليوم على نهاية فترته الرئاسية؟! 

ثم خرج علينا بقصة التنظيم الموازي الذي زعم ان النهضة تديره، بغية خلط الأوراق وارجاع الصراع إلى المربع الامني، بدل ان يبقى في نطاقه السياسي، وهو ذات الأسلوب الذي اعتاده نظام بن علي في التعاطي مع حركة النهضة منذ بداية التسعينات ولأكثر من عقدين من الزمن.

بالتوازي مع هذه المعركة، عمل الباجي على اعادة توجيه السياسة الخارجية التونسية صوب المحور السعودي- الإماراتي واخراجها عن خط الحياد التقليدي.

ومن ذلك استقبال محمد بن سلمان وإعادة تجديد خيوط الوصل بالامارات وتوثيق العلاقة بالجنرال حفتر في ليبيا وبكل القوى المعادية للربيع العربي.

 

 

حاولت جهات في قرطاج امتطاء مركب النقابات لاسقاط الحكومة

 


هذا المحور الذي ما انفك يتربص شرا بالتجربة التونسية ويراها خطرا على وجوده، فمجرد استمرارها برهان على ان الديمقراطية ممكنة في عالم عربي مبتلى بالدكتاتوريات والفتن والحروب.

وعلى الجهة الاخرى، حاولت جهات في قرطاج امتطاء مركب النقابات لاسقاط الحكومة، وقد بدا ذلك جليا في حضور قيادات سياسية لنداء تونس في إضراب قطاع الوظيفة العمومية الذي شنه الاتحاد العام التونسي للشغل يوم  22 نوفمبر الماضي، ثم محاولة تأجيج الاجواء تمهيدا لتحريك عوامل الاحتجاج والغضب، ومن ثم إسقاط الحكومة بالشارع، بعد استنفاد كل الوسائل السياسية المتاحة.

في محاولة الذهاب بهذا الصراع الى حده الأقصى، استدعى الباجي على عجل مجلس الأمن القومي لاتخاذ قرارات ضد النهضة، بزعم تهديدها للامن القومي، فلقي صدا وإعراضا من رئيس الحكومة، لان هذا الأخير يدرك تمام الإدراك ان القصد من كل ذلك هو رفع الغطاء السياسي عن الأحزاب الداعمة له، وفِي مقدمتها النهضة. 

كما ان الباجي لم يقبل بعد ان الحزب الذي أسسه في الأصل لمواجهة الترويكا، وتحديدا النهضة، قد بات منهكا ممزقا بالصراعات الداخلية ولم يعد يقوى على منافسة غريمه سياسيا وانتخابيا، مما زاد في توتره وحنقه ودفعه لاستخدام كل أوراق الضغط والانخراط في معركة كسر العظم التي نشهدها اليوم. 

لكن لو نبشنا قليلا خلف السطح الظاهري للازمة، لرأينا ان مشكلة ساكن قرطاج التسعيني مزدوجة، فهو لم يهظم بعد تركيبة النظام السياسي الذي يقيد يديه عن فعل كل ما يريد، ومن ذلك الصلاحيات الواسعة الممنوحة للبرلمان ورئاسة الحكومة. لذا خاطبه الشاهد مذكرا في أوج الصراع تحت قبة البرلمان: لست وزيرا اول في نظام رئاسي، انا رئيس حكومة ونظامنا شبه برلماني!

 

مشكلة الرئيس التونسي انه بات يدير السياسة مدفوعا بانفعالات الغضب والرغبة في تصفية الحسابات

 

 

 

الباجي ببساطة لم يقبل بعد ان دستور الثورة 2014 قد وزع السلطة ومنحه صلاحيات محددة في ادارة السياسة الخارجية والدفاعية، ولم يسمح له بالتدخل في كل ملفات الحكم. 

ثمة هوة كبيرة في تونس بين ثقافة سياسية مغرقة في المركزية والشخصانية وبين واقع سياسي غيرت الثورة قدرا كبيرا من معطياته السياسية والتشريعية.

من ذلك التوجه نحو توزيع السلطة بدل مركزيتها بين يدي جهة واحدة، وهو ما يفسر تبرم الباجي والمحيطين به في قرطاج من دستور الثورة وما يعتبرونه عيوبا قاتلة في نظام سياسي يكبل أيديهم، فيحملونه وزر كل مطبة تعترضهم.

مشكلة الدستور في أعينهم هو توزيعه السلطة بين البرلمان والحكومة والرئاسة في اطار من التوازن النسبي للسلطات، والاصل عندهم ان تجتمع بيد الرئيس، فقط لانه هو الرئيس وساكن القصر!

وفعلا، كانت هذه الروح التي سكنت دستور الثورة وحركت واضعيه: ادراكا لشرور النظام الاستبدادي وسعيا لمعالجة علل حكم سياسي فردي مركزي هيمن على كل صغيرة وكبيرة في البلاد منذ استقلالها عام 1956. 

مشكلة الرئيس التونسي انه بات يدير السياسة مدفوعا بانفعالات الغضب والرغبة الجامحة في تصفية الحسابات، بدل الالتزام بمنطق الروية والحكمة الذي سلكه منذ سنة 2014، ويرتد إلى منطق الاستئصال القديم، في معركة صفرية حادة ملخصها: أنا او الطوفان. 

لا شك ان هذه السياسة التي يصر الرئيس على انتهاجها ستكون لها تداعيات سلبية على المشهد السياسي وعلى صورة البلد، وربما عرضت تجربتها الديمقراطية الى بعض الاهتزاز.

لكن واهم من يحسب ان المعادلات السياسية داخليا وخارجيا تتيح للرئيس ان يجترح ما يشاء، لانه لم يعد من السهل اعادة عقارب الساعة الى ما قبل الثورة والتصرف وكأن شيئا لم يكن والتلذذ بسؤال إمكانية حل النهضة من عدمه..

 

 

السياسة التي يصر الرئيس على انتهاجها ستكون لها تداعيات سلبية على المشهد السياسي وعلى صورة البلد

 


ثم لا احد من العارفين بالنهضة، مشرقا ومغربا، ياخذ اتهامات الباجي بالتنظيم الموازي مأخذ الجد، فالنهضة هي نموذج الاعتدال والمرونة في محيط إسلامي بالغ التأجج والتوتر.

يبقى الأمل، في نهاية المطاف، ان يتغلب منطق الحكمة ولغة العقل على الانفعالات وإغراءات الغريزة، وهو الافضل لتونس ومستقبل تجربتها في التحول الديمقراطي الهادئ السلمي.

ما يبعث على التفاؤل هو ان النخبة السياسية في هذا البلد اعتادت الوقوف على شافة الهاوية السحيقة تطالع قاعها الأسود السحيق حينا.. قبل ان تثوب لرشدها وترتد خطوات الى الخلف صوب التسويات والتوافقات..

عن محمد ابوشمس

شاهد أيضاً

البنك الدولي يعلن عن مفأجاة جديدة لليمن …تعرف عليها

أعلن البنك الدولي عن تقديم منحة جديدة بقيمة 140 مليون دولار مقدمة من المؤسسة الدولية ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *