الرئيسية / دراسات وبحوث / علاقةُ حبٍّ وعطاء؛ بينَ بكتيريا وخُنفساء

علاقةُ حبٍّ وعطاء؛ بينَ بكتيريا وخُنفساء


يمكنك الاستماع للمقالة عوضاً عن القراءة ب

 لطالما كانتِ العلاقاتُ التّعايشيّةُ (التّكافليّة) الموجودةُ في الطّبيعةِ أمراً محيّراً ومثيراً للاهتمام لدى الباحثين،  منها علاقةُ الفطريّاتِ والطّحالبِ في تشكيلِ الأشنيات، وكذلك علاقةُ بكتريا Rhizobium مع أفرادِ نباتاتِ الفصيلةِ البُقُولِيَّة ِ Fabaceae، نجدُ في هذِه العلاقاتِ دائماً نوعاً من تَبادلِ المنفعةِ بين الكائِنَينِ المُشتَركَينِ بهذِه العلاقةِ، أو المنفعةُ لأحدهِما على الأقلّ مع عدمِ الضّررِ بالآخر،  وعلى شكلٍ مشابهٍ لهذِه العلاقاتِ وصَّفَ الباحثونَ حديثاً علاقةً تَعايشيّةً بينَ الخُنفساءِ السّلحُفاتيّة Cassida rubiginosa ونوعٍ جديدٍ غير مدروسٍ مسبقاً من البكتريا، وأُجرِيَت هذِه الدّراسةُ في جامعةِ Emory  البحثيّةِ في الوِلاياتِ المُتّحدةِ الأمريكيّة.

و تتميّزُ الخُنفساءُ مِن النّوعِ Cassida rubiginosa بِلونٍ أخضرَ وطولٍ  يتراوحُ بينَ  (6-7.5 mm)  ويتبعُ هذا النّوعُ الحشريّ فَصيلةَ Chrysomelidae ورُتبةَ غِمديّاتِ الأَجنِحةِ Coleoptera ويُعَدُّ الموطنُ الأصلُ للخُنفساءِ السُّلَحْفَاتيّة هو شمالُ آسيا وأوروبا وبريطانيا، وأُدخِلَت إلى كندا والولاياتِ المتّحدةِ الأمريكيّة بهدفِ المُكافحةِ الحيويّةِ للنّباتِ الشّوكيّ Cirsium arvense ، وقد دُرِسَ هذا النّوعُ الحَشّريّ سابقاً؛ ويُذكَرُ أنّ عالِم الحيوان الأَلماني Hans-Jurgen Stammer درسَ هذا النّوع من الخنافسِ في عامِ 1936 ولاحظَ وجودَ عضوينِ على جانبي المعي الأماميّ للحَشرة يحّتويان على أعدادٍ كبيرةٍ من الكائناتِ الدّقيقة.


Image: Hassan Salem/Emory

العضوان الموجودان على جانبي المعي الأمامي للحشرة بعد أن صُبِغَا بأحد الصَّبغات

 

وكذلك وجدَ الباحثون أنّ الوظيفةَ الأساسيّةَ لهذَين العضوينِ وللبكتريا المتعايشةِ داخِلَهما هي مساعدةُ الحشرةِ على هضمِ مادّةِ البِكتين Pectin الّتي تتناولُها الحشرةُ عندَ تغذّيها على الأنسجةِ النباتيّةِ المختلفة، وتكمنُ قدرةُ هذهِ البكتريا على هضمِ البكتين بفضلِ إنتاجِ أنزيمِ البكتيناز Pectinase المفكّكِ للبكتين، ويعتبرُ البكتين من السكّرياتِ المعقّدةِ غيرِ المتجانسةِ (أي يدخلُ في تركيبِها موادّ غير سكريّة) ويدخلُ في تركيبِ الجدرِ الخلويّةِ للخلايا النباتيّة.

ويقولُ Hassan Salem أحدُ الباحثينَ الرئيسيّين في الدّراسة: (يُعتبَرُ وجودُ هذِه البكتريا منَ الأسبابِ الرئيسيّةِ الّتي تعطي هذه الخُنفساء القدرةَ على التّغذّي على أوراقِ النّبات الشّوكيّ المذكور).

وكانَت إحدى أكثرِ النّتائجِ المُدهشةِ للدّراسة هي الاطّلاعُ على طبيعةِ هذا النّوعِ البكتيريّ الّذي يحوي الجينومُ الخاصُّ بهِ على 270،000 زوجٍ قاعديّ فقط، ويعدُّ هذا أصغرَ جينومٍ لبكتيريا تعيشُ حياةً خارجَ خلويّةٍ Extracellular، ولذا فهوّ يُعدُّ أقربَ إلى جينومِ الأحياءِ الدّقيقةِ الّتي تعيشُ حياةً داخلَ خلويّة Intracellular في عوائِلها كالركتسيات مثلاً أو حتّى قريباً إلى حجومِ المادّةِ الوراثيّةِ الموجودةِ في العضّياتِ كالميتاكوندريا والبلاستيدات.

ويعدُّ هذا النّوعُ البكتيريّ من الأنواعِ الّتي لم تُدرَس أو تُصنّف مسبقاً، لذا فقد كان للباحثِين المسؤولِين عنِ الدّراسةِ حريّةُ تسميةِ هذا النّوعِ فأطلقوا عليهِ الاسم "Candidatus Stammera capleta" وسُمِّيَ نسبةً إلى العالمِ Hans-Jurgen Stammer الّذي يعدُّ أوّلَ الدّارسين للخنفساءِ السّلحفاتيّة.

ومن المثيرِ للدّهشةِ أيضاً طريقةُ انتقالِ البكتريا انتقالاً عموديّاً Vertical transfer (أي من الإناثِ إلى الأبناءِ) عندَ هذا النّوعِ الحشريّ، إذ تقومُ الأنثى بعدَ وضعِ البيضِ بتركِ كميّةٍ قليلةٍ من البكتريا على البيضِ عبرَ الأقنيةِ الخاصّةِ بجهازِ وضعِ البيضِ لديها، وعندَ فقسِ هذا البيضِ وتحرّرِ اليرقاتِ؛ تقومُ هذِه اليرقاتُ بالتهامِ عددٍ من الخلايا البكتيريّة الّتي تدخلُ منطقةَ المعي لليرقةِ لتعطيَ ميكروبيوماً جديداً يبقى مع الحشرةِ طيلةَ فترةِ حياتِها.

وخلافاً لطريقةِ اكتسابِ هذه الحَشرةِ القُدرةَ على تفكيكِ البكتين بالتّعايشِ معَ أحياءٍ دقيقةٍ قادرةٍ على تفكيكهِ؛ فقد كانَ لبعضِ الأنواعِ الحشريّةِ الأخرى طريقةٌ مختلفةٌ إذ اكتسبَت المورّثاتِ اللّازمةَ لتركيبِ أنزيمِ البكتيناز من البكتريا والفطريّاتِ المتعايشةِ معها فأصبحَتِ الحشرةُ قادِرةً على هَضمِ البكتين.

ويطرحُ الباحِثونَ السّؤال: (لمَ اكتسبَت بعضُ الحشراتِ هذه المورّثاتِ من الأحياءِ الدّقيقةِ المُتعايشةِ معها في حينِ أبقى البعضُ الأخرُ على هذِه العلاقاتِ التعايُشيّة؟!)

ولكن يبدو أنّه لا جوابَ لهذا التّساؤلِ حاليّاً، وعلينا انتظارُ الدّراساتِ القادمةِ للإجابةِ عنه.

وأخيراً لعلّ أجملَ ما في هذه الدّراسةِ أنّها أُنجِزت نتيجةً لقراءةِ  الباحثِ Hassan Salem لكتابٍ قديمٍ متضمّنٍ دراسةً مشابهةً؛ ولكنّها افتقرَت في ذلك الوقت إلى التقنيّاتِ اللّازمةِ لإتمامها، ممّا يحُثّنا على ضرورة الاهتداء بأعمالِ من سبقنا للوصول إلى الأهدافِ المرجوّة.

المصادر:

1 - هنا

2 - هنا

3 - هنا

 


* إعداد: : Suhil Suliman
* تدقيق علمي وتدقيق لغوي: : Ali Emil Hydar
* تصميم الصورة: : Yamen Al Badish
* نشر: : Ehab Kardouh
* صوت: : Fatima Mardini

عن editor

شاهد أيضاً

المصادم الهادروني الكبير يرصد الانحلال الأكثر ترجيحًا لجسيم الهيغز

لطالما كان رصْدُ انحلال بوزون الهيغز إلى كواركات قاعيّة هو الأولويّةَ الأولى على مدى السنوات العديدة الماضية؛ فمنذ اكتشافِه عام 2012؛ لم يتمكّنِ العلماءُ من رصْد سوى 30% من جميع انحلالاته المُتنبَّأ بها نظريًّا.أُعلِنَ (اليوم) في سيرن عن اكتشاف انحلال بوزون الهيغز إلى كواركات قاعيّة bottom quarks بعد عمليتَي رصْدٍ مُنفصلتَين لعملية الانحلال الآنفة الذِّكر في كلٍّ من الكاشفين Atlas وCMS ضمن مصادم الهادرونات الكبير LHC، وإجراء مقارنةٍ لنتائج كلٍّ منهما؛ مُقارنةٍ خَلصَتْ إلى نتيجةٍ مُتَّسقةٍ مع توقُّعات النّموذج المعياريّ، الذي يتنبَّأ بأنَّ نمطَ الانحلال هذا هو الأكثر شيوعًا لبوزون هيغز، ومع هذا؛ فقد كان من الصَّعب فَصْلُ هذه الإشارة؛ لأنَّ الضجيج الخلفيّ في التجربة يُحاكي الإشارةَ المنشودة بطريقةٍ تجعل عمليةَ فصل الإشارتين أمرًا مُعقَّدًا.ويعدُّ هذا الاكتشاف خطوةً كبيرة نحو الأمام في السعي إلى فهْم كيفيّة تَمكُّن الهيغز من إكساب الجُسيمات الأساسية لكُتَلِهم.فبعد سنوات عديدة من تحسين التَّقنيَّات ودمجِ مزيدٍ من البيانات تدريجيًا، شَهِدتْ كلتا التجربتين (أيْ Atlas وCMS) في النهاية دليلًا على انحلال الهيغز إلى كواركات قعريّة، والذي تجاوز ما يُعرف بعتبة Sigma-5 ذاتِ الأهمية الإحصائية المطلوبة عادةً للقوْل بثقةٍ جيدة إنَّ اكتشافًا جديدًا قد رُصِد. وقد وَجد كلا الفريقين أنَّ نتائجَهما مُتطابقة مع توقُّعات النّموذج المعياري.ومن المعروف في فيزياء الجُسيمات أنَّ كلَّ جُسيم يمكن أن يُمثَّل بحقل، فإنَّ جُسيم هيغز يُعبَّر عنه بحقل هيغز أحيانًا، وفي هذا الصَّدد تقول باتي ماكبرايد -وهي عالمة بارزة في مختبر فيرمي الوطنيّ لبحوث الطَّاقة في وزارة الطَّاقة الأمريكية، وقد انتُخِبَتْ مؤخَّرًا لتشْغَل منصبَ نائب المتحدِّث باسم تجربة CMS- ما يأتي: "إنَّ بوزون هيغز جزءٌ لا يتجزَّأ من كوننا، ويُفترض أنَّه يُعطي الجُسيمات الأساسية كتلةً، لكنَّنا لم نُؤكِّد بعدُ كيفيّة تفاعل هذا الحقل بالضَّبط، أو فيما إذا كان يتفاعل مع كلِّ الجُسيمات التي نعرفها، أو فيما إذا كان يتفاعل مع جُسيمات المادّة المُظلمة؛ فهذا لا يزال يَتعيَّنُ علينا اكتشافُه" ومن بين الصعوبات التَّقنيَّة التي واجهتْ عملية الرَّصد هي حقيقةُ أنَّ بوزونات هيغز تَنتج بنسبة 1 من بليون تصادم في الـ LHC، وتبقى قبل أنْ تنحلَّ؛ مدَّة جزءٍ صغير من الثانية، قبل أنْ تتحوَّل طاقتُهم إلى سلسلة من جُسيمات أخرى يَنتج بعضها عن بعض...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *