الرئيسية / علوم وتكنولوجيا / تعليم / هاوٍ للرّياضيات يحلُّ جزئيًّا مسألةً يزيد عمرها على 60 عامًا

هاوٍ للرّياضيات يحلُّ جزئيًّا مسألةً يزيد عمرها على 60 عامًا


حقَّقَ عالمُ الأحياءِ المحترفِ والرّياضيِّ الهاوي أَوبري دي جراي Aubrey de Gray أوَّلَ اختراقٍ منذُ العامِ 1950 في حلِّ مسألةِ الرّياضياتِ المعروفةِ باسمِ هادويغر نيلسون Hadwiger-Nelson بشكلٍ جزئيٍّ.

وقد فاجأ هذا الاكتشافُ المجتمعَ الرّياضيَّ، ذلكَ أنَّ صاحبَ هذا الكشفِ معروفٌ على نطاقٍ واسعٍ في المجالِ البيولوجيِّ. وخاصَّةً فيما يتعلَّقُ بتصريحاتِه الّتي أشارَ فيها إلى أنَّ بعضَ النَّاسِ ممَّن هم على قيدِ الحياةِ اليومَ قد يعيشونَ لألفِ سنةٍ بسببِ الطّفراتِ الطُّبيّةِ الأوّليّةِ. وقد أنشأ مؤسَّسةً مُخصَّصةً لعكسِ الشّيخوخةِ وما زالَ العملُ جارٍ على هذهِ المسألةِ.

وفي الحقيقةِ تبدو المسألةُ بسيطةً على نحوٍ خادعٍ، فعلى الرَّغمِ من أنَّ بعضَ المحترفينَ قضوا سنواتٍ في محاولةِ كسرِ جمودها، فإنَّ التَّقدُّمَ فيها توقَّفَ بعدَ فترةٍ قصيرةٍ من طرحِ اللُّغزِ لأوَّلِ مرَّةٍ في العام 1950.

والمسألةُ هي على النّحوِ التَّالي: تخيّل مجموعةً من النِّقاطِ مُتَّصلةً مع بعضها بواسطةِ الخطوط. يمكنُ ترتيبُ النّقاطِ بأيِّ شكلٍ من الأشكال، والقاعدةُ الوحيدةُ هي أنَّ جميعَ خطوطِ الرَّبطِ يجب أن تكونَ متساويةَ الطُّولِ. فعلى سبيلِ المثالِ، في أحد المربَّعاتِ، نقومُ بوصلِ النّقاطِ على الحوافِ الخارجيّةِ باستثناءِ الخطِّ القطريِّ. والآن، نقومُ بتلوينِ جميعِ النّقاط شرطَ عدمِ وجودِ نقطتين مُتَّصلتينِ لهما نفسُ اللَّون. فكم سيكونُ عددُ الألوانِ المطلوبةِ؟


Image: https://www.theguardian.com/science/2018/may/04/60-year-old-maths-problem-partly-solved-by-amateur#img-1

واضح أنَّ الجوابَ في مربَّعٍ، سيكونُ اثنان. لكنَّ مشكلةَ هادويجر – نيلسون تسألُ عن الحدِّ الأدنى لأيِّ تكوينٍ – حتّى لو كان يمتدُّ عبرَ مستوىً لا نهائيّ.

وبعدَ فترةٍ قصيرةٍ من طرحِ المسألةِ لأوَّلِ مرَّةٍ، أثبتَ علماءُ الرّياضياتِ أنَّ عددَ الألوانِ اللَّازمةِ يتراوحُ ما بين أربعة وسبعة، ولكنَّ التَّقدُّمَ توقَّفَ بعد ذلك. وفي ورقةٍ بعنوان "العددُ اللّونيُّ للرَّسمِ البيانيِّ هو 5 على الأقلِّ"، والّذي تمَّ نشرها على موقعِ arxiv للأبحاثِ العلميّةِ، قامَ دي غراي بتضييقِ هذا المجالِ.

وقالَ عالمُ الأحياءِ إنَّه مُندَهشٌ من تحقيقِ هذا الاختراقِ بعدَ العملِ على المُشكلةِ لبضعةِ أسابيعَ فقط. وأضافَ: "لقد تسليَّتُ مع مسائلِ الرّياضياتِ المفتوحةِ طوالَ حياتي، ولكن هذه هي المرّةُ الأولى الّتي أحقِّقُ فيها تقدُّمًا وأنا في الـ 55 من عمري، ومن المُحتمَلِ أن تكونَ هذه هي المرَّةُ الأخيرة أيضًا".

وقد أشارَ إلى أنَّ رحلتَهُ ليصبِحَ حَلَّالَ ألغازٍ رياضيّةٍ، لها جذورٌ في حُبِّهِ للعبةِ عُطيل Othello(*). فقد اعتادَ أن يكونَ لاعبًا مُنافسًا، ومن خلالِها أصبحَ صديقًا لمجموعةٍ من عُلماءِ الرّياضياتِ. والّذينَ فرغوا من تعليمهِ بعضَ نظريّاتِ الرّياضياتِ، والّتي بدأَ باستكشافِها كوسيلةٍ للاسترخاءِ بعدَ يومٍ شاقٍ في العملِ.

وبعدَ عدَّةِ سنواتٍ، وضعت  مجموعةٌ من علماءِ الرّياضياتِ مشروعَ البوليماث Polymath Project، وهو تعاونٌ يضمُّ علماءَ الرّياضياتِ من جميعِ أنحاءِ العالمِ، إذ تُتيحُ منصَّتُهم الإلكترونيّةِ للمهتمِّينَ بالعملِ على الألغازِ الرّياضيةِ الصَّعبَةِ التَّعاونَ مع الأفرادِ ذَوي التّفكيرِ المُماثِلِ. وعلى تلكَ المنصة وجدَ دي جراي مسألةَ هادويغر- نيلسون.

وبدأ العملَ عليها خلالَ عطلةِ عيد الميلادِ، وبعد بعضِ الوقتِ في استكشافِ المُشكلةِ باستخدامِ محورِ دورانِ موسر Moser spindle، وهو نمطٌ يتألَّفُ فقط من سبعِ نقاطٍ وَ 11 حافةٍ، ما يتطلَّبُ أربعةَ ألوانٍ لتلبيةِ الشُّروطِ. دمجَ ذلكَ التّكوين، جنباً إلى جنبٍ مع تكوينٍ آخرَ، في نمطٍ ضخمٍ مُكوَّنٍ من 20425 نقطةٍ، وأظهرَ أنَّهُ من غيرِ الممكنِ تلوينها باستخدامِ أربعةِ ألوانٍ فقط. وَباستخدامِ بحثٍ حاسوبيٍّ قويٍّ، قامَ بتكرارِ النَّتائجِ مُستخدِمًا تكوينًا أصغرَ يبلغُ 1581 نقطة.


Image: https://www.theguardian.com/science/2018/may/04/60-year-old-maths-problem-partly-solved-by-amateur#img-2

وتعليقًا على ذلكَ أشارَ عالم الرِّياضياتِ في جامعةِ كامبريدج، البروفيسور تيموثي غونس، إلى أنَّ المسألةَ معروفةٌ جدًّا في مجالِ التّركيباتِ أو التّوافقيَّاتِ Combinatorics، والّتي هي أحدُ فروعِ الرّياضياتِ الّتي تدرُسُ البنى المتقطعةَ المنتهيةَ والقابلةَ للعدِّ. وأضافَ: "ليس من المُعتادِ أن يقومَ عالمُ رياضياتٍ هاوٍ بحلِّ مسألةٍ مشهورةٍ، عدا عن كونِ هذا العالِمِ معروفاً لدى عامَّةِ النَّاسِ لسببٍ مختلفٍ تمامًا".

وقد دفعَ هذا التَّقدُّمُ الآخرينَ في هذا المجالِ إلى محاولةِ تطبيقِ استراتيجيّةٍ مشابهةٍ للوصولِ إلى حلٍّ كاملٍ للمسألةِ.

وبصرفِ النَّظرِ عن نقلِ هذا  اللُّغزِ أقربَ إلى الحلِّ النِّهائيِّ، فهل كان للاكتشافِ الأخيرِ أيَّةُ تطبيقاتٍ في العالمِ الحقيقيِّ، أو في الرّياضياتِ عمومًا؟ في الحقيقة لا نعلمُ حتّى الآنَ أيَّةُ تطبيقاتٍ مُهمَّةٍ له.

* لعبة أوتيللو Othello هي الاسم التّجاريُّ للعبة الأحجار العكسيّةِ ريفيرسي Reversi وهي لعبةُ ألواحٍ استراتيجيّةٍ يشاركُ فيها لاعبان يلعبانَ على لوحٍ مُقسَّمٍ إلى 8×8 مربعاتٍ غير مختلفةِ اللّون. وهناك 64 قطعةً متطابقةً تُسمّى "أقراص"، إحدى وجهَيها فاتح اللّون والآخر قاتم، وتبدأ لعبةُ أوتيلو من المربّعاتِ الأربعةِ الموجودةِ في مركزِ اللّوحِ من خلالِ وضعِ قطعتَينِ باللّونِ الأسودِ وقطعتَين باللّونِ الأبيضِ مرُتَبتَينِ عموديًّا، بعدها يحاولُ اللّاعبُ القفزَ فوقَ حجارةِ الخصمِ لتحويلها إلى لونِ حجارته، محاولًا الحصولَ على أكبرِ عددٍ من الحجارةِ ذاتِ اللّون الخاصِ به، قبلَ انتهاءِ جميعِ خلايا الطّاولةِ الّتي أمامه.

المصادر:
1- هنا
2- هنا

* إعداد: : خالد أحمد
* تدقيق علمي وتدقيق لغوي: : Maissaa Markabi
* تعديل الصورة: : Batoul Suleiman
* نشر: : Farah Halima

عن عبداللطيف ابوشمس

شاهد أيضاً

إبرةٌ تُصيبُ المكانَ الصحيحَ حساسٌ قد يساعدُ الأطباءَ في تحديدِ مكانِ الإبرِ في بعض العملياتِ الطبيّةِ

يمكنك الاستماع للمقالة عوضاً عن القراءة ب النقر هنا لا يمتلكُ كلُّ أطباءِ التخديرِ الخبرةَ، والحسّ الدقيق، لتنفيذِ عملياتٍ دقيقةٍ تتضمنُ تخديرَ مناطق حساسة مثل منطقة فوق الجافية، لذلك قامَ الباحثون بإيجاد فكرة مبتكرة، تُمكّن الأطباء من معرفة موقع الإبرة بشكلٍ دقيقٍ، لتلافي أخطاء قد تكون قاتلة. تَجري سنوياً أكثر من 13 مليون عملية تخدير فوق الجافية؛ لمنعِ الألمِ في الولايات المتحدة. بالرغم من أنّ التخدير فوق الجافية يعتبرُ آمناً في العموم، فقد تَحصُل مشاكل بنسبة 10 بالمئة من الحالات، حيثُ يتمّ إدخال الإبر أكثر من اللازم، أو تدخل في النسيج الخطأ. ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *