الرئيسية / علوم وتكنولوجيا / تعليم / رهاب الأرقام – Numerophobia أو Arithmophobia

رهاب الأرقام – Numerophobia أو Arithmophobia


يمكنك الاستماع للمقالة عوضاً عن القراءة ب
يعرف معظمُ النّاسِ الأراكنوفوبيا arachnophobia أو "رُهاب العناكب" معرفةً جيّدةً من خلالِ مُعايشتهم له، ولكن هل سبقَ لك وسمعتَ بالأرِثموفوبيا arithmophobia ؟
حتّى إذا كنتَ غيرَ مصابٍ به، فلا شكَّ في أنّكَ مررتَ به يومًا ما.

رُهابُ الأرقام (النّوميروفوبيا Numerophobia  أو الأرِثموفوبيا Arithmophobia) هو - غالباً - خوفٌ مبالغٌ وثابتٌ وغيرُ عقلانيّ من الأرقام، والأرِثموفوبيا والنوميروفوبيا هما كلمتان من أصولٍ لاتينيّةٍ / يونانيّةٍ ، والكلمة الجذر تعني الأرقام، و فوبوس phobos   هي كلمة يونانيّة تعني "النّفورَ العميقَ أو الخوف".

ويخشى الكثيرون في جميعِ أنحاءِ العالمِ من الأرقام، والبعضُ منهم يخشى من أرقامٍ محدَّدةٍ كالعدد 13 (تريسكيدكفوبيا Triskaidekaphobia)، أو العدد 666 (هيكساكوسيويكسكونتاهكسفوبيا Hexakosioihexekontahexaphobia)، أو العدد 8 (أوكتوفوبيا Octophobia) والّتي عادةً ما ترتبط بسوءِ الحظِّ، والأرواحِ الشّريرةِ، إلخ. وتكون مثلُ هذه الأنواعِ من الرُّهاب عادةً ذاتَ جذورٍ ثقافيّةٍ أو دينيّةٍ، وتتفاقمُ غالبًا بفعلِ وسائلِ الإعلامِ والفولكلور.

ومع ذلك، فقد يخشى أحدُ أفرادِ الأرِثموفوبيا (أو النّوميروفوبيا) جميعَ أنواعِ الأرقامِ، وخاصّةً الحساباتِ الرّياضيّةِ المعقَّدةِ، فمجرَّدُ التّفكيرِ في حلِّ معادلةٍ حسابيّةٍ صعبةٍ في المدرسة، أو إجراءِ الحساباتِ في الحيّاةِ اليوميّةِ يمكن أن يُسبِّبَ الذُّعرَ الشّديدَ عند المريض. وكذلك فالخوفُ من الأرقامِ يضعُ العديدَ من القيودِ على حياةِ المريض، وقد يؤثِّرُ على مستوى معيشته، وكثيرًا ما يشعر بالحَرَجِ من الاعترافِ بالمشكلةِ الّتي ستؤدي إلى انسحابه اجتماعيًا.

أسباب الخوف من الأرقام:

يعتقد العديدُ من الخبراء أنَّ الخوفَ من الأرقامِ له جذورٌ في البداياتِ العالميّةِ، وذلك عندما بدأ الإنسانُ أوّلًا بحفظِ الوقت، وحفظِ التّقويماتِ، واستخدامِ النُّظمِ العدديّةِ، فعلى سبيل المثال؛ كان المصريّون الأوائلُ أوَّلَ من قاموا بقياسِ الوقتِ باستخدامِ التّقويمِ الشَّمسيِّ، وما تزال الثّقافات الأخرى تميِّزُ المواسمَ والأيامَ على أساسِ التّقويماتِ القمريّةِ، وأمّا فكرةُ الصِّفر فجاءت من قِبَلِ الباحث الهندوسي أرياباتا Aryabhatta، وهذا ما أفضى إلى حقيقةِ أنَّ الأرقامَ لا حصرَ لها ولا تنتهي أبدًا، وتدريجيًّا؛ ومع أنظمةِ التّعلُّم المتطورةِ، بدأ الإنسانُ بحفظِ الوقتِ، ليس من خلال ملاحظة الظّواهر السّماويّةِ فحسبُ، وإنّما من خلالِ الحساباتِ العدديّةِ والتّسلسلِ الزّمنيِّ أيضاً، وهذا يؤكِّد حقيقةَ أنَّ الأعدادَ والوقتَ أمورٌ معقَّدةٌ ومجهولةٌ ومتفاوتةٌ، وغالبًا ما يصعب فهمها.

وتمامًا كغيرها من أنواعِ الرُّهاب؛ فللأرِثموفوبيا أصلٌ من الأحداثِ الصّادمة، وقد يكمنُ السَّببُ الجذريُّ للأرِثموفوبيا في تجربةٍ سلبيّةٍ من الماضي الفرديّ، فالرّسوبُ أو الأداءُ المتواضعُ في الرّياضيات في المدرسةِ يمكن أن يؤدّي إلى خوفٍ دائمٍ من الأرقام، وكذلك فخوفُ الشّخصِ أن يُصبح موضوعًا للسّخريةِ، أو أن يُضربَ، أو يُوبَّخَ، أو يُخوَّفَ من الأداءِ غير الجيّدِ في امتحان الرّياضيات؛ كلُّ ذلك يمكن أن يؤدّي إلى الأرِثموفوبيا أيضاً. وقد يغرس الآباءُ - من غير قصدٍ - الخوفَ من الأرقامِ عند الأطفال، فعباراتٌ من قبيلِ: "الرّياضياتُ صعبةٌ، سترسبُ إن لم تدرس" يمكن أن تؤدّي إلى خوفِ الطّفل من الأرقام أيضاً.

وإلى ذلك فقد وجد مجموعة من الباحثين من جامعة ولاية أوهايو أنَّ الخوفَ من الأرقامِ موجودٌ في جينات البعضِ منّا، إذ لاحظوا استعدادًا للقلقِ عند بعضِ النّاسِ عند إجراء بعض العمليات الحسابية، أو كلما احتاجت معادلةٌ للموازنة، حتّى إنَّ بعضَ العقولِ اللّامعة يصعبُ عليها الولوجُ في بعض هذه المواضيع، وكلُّ هذا يرجع للأريثموفوبيا وظروفٍ أخرى محيطةٍ. ولرُبَّما احتجنا في المستقبلِ أن ندرِّبَ المعلمين على تقبُّلِ عذر أحد الطّلبة عندما يقول لك: "من فضلكَ سيدي، لا يمكنني القيامُ بواجباتي في الرّياضيات، لأنّه لا يوجَدُ في حمضي النّوويِّ أنِّي أستطيعُ فعلَ ذلك".

إذاً فالعوامل الجينيّةُ والوراثيّةُ وكيمياءُ الدّماغِ تؤدّي في بعضِ الأحيان إلى هذا النّوعِ من الرُّهاب.
وإضافةً إلى ما ذكَرْنا سابقًا، فإنَّ الخوف من أرقامٍ محدّدةٍ - كالخوفِ من الرّقم 13 أو 666 إلخ - يمكن أن يُغذَّى من خلال المعتقدات الثّقافيّة أو الدّينيّة أو حتّى البرامج التّلفزيونيّة والأفلام عنها.

أعراض النّوميروفوبيا:

تشمل الأعراض النّموذجيّة للّنوميروفوبيا:

1- سلوكُ التّجنُّب: فالطِّفل الّذي يعاني من النّوميروفوبيا قد يبكي أو يصرخ عند فكرةِ الذّهاب إلى المدرسة (ديداسكالينوفوبيا Didaskaleinophobia)، وغالبًا ما يكونُ غيرَ قادرٍ على التّعبير عن هذه المخاوفِ ما قد يؤدّي إلى تشخيصٍ خاطئٍ لسببِ هذا القلق، وقد يحاولُ البالغون الّذين يعانون من الأرِثموفوبيا إيجادَ طرقٍ لتجنُّب الأرقام أيضاً، الأمر الّذي قد يؤثّر على  حياتهم المهنيّةِ أو الشّخصيّةِ، وفي كثيرٍ من الأحيانِ يُحرجَونَ من مشكلتهم، ويخفونَ أو يتستَّرون على عدمِ قدرتهم على التّعامل مع هذه القضيّةِ، ما قد يؤدي إلى علاقاتٍ متوتّرة.

2- يميلُ البعضُ إلى الخوف من الأعدادِ لدرجةِ أنّه يؤدّي إلى هجومٍ كاملٍ من القلق - تظهر بعضُ ملامحه من خلالِ التّعرُّق بغزارةٍ والشّعورِ بالهربِ أو الاختباءِ وارتفاعِ ضغطِ القلب والتّنفُّس بسرعةٍ - وقد يشعرُ المرضى بانفصالهم عن الواقع أو يعانون من جفافِ الفم، ويشعرون بالخدر أو الالتباس، أو قد يتعذَّرُ عليهم التَّعبيرُ عن أفكارهم بوضوح.

3- يستطيعُ بعض المرضى العملَ مع الأرقامِ، ولكن يواجهونَ قلقًا عميقًا أثناءَ ذلك.

وكثيرًا ما تُسبِّبُ الأرِثموفوبيا هوسًا من الخوفِ من الأعداد، فمواجهةُ الأرقام على الّتقويم أو الهاتف (أو في الملاحظاتِ الّتي لها تواريخُ مكتوبة) يمكنُ أن تؤدّي إلى شعورٍ غامرٍ بالرُّهاب، وكذلك في حال التّسوق في محالّ البقالة حيث ينبغي لأحدهم أن يجمعَ أسعارَ المشتريات، أو حين دفعَ البقشيشِ في المطاعمِ، وكلّها مهامُّ صعبةٌ للمرضى.

التّغلُّب على الأرِثموفوبيا:

تُتاحُ اليوم العديدُ من العلاجاتِ لمساعدتك في التّغلُّبِ على الخوف من الأرقام، وهذه طرائقُ سريعةٌ وموثوقةٌ، وتشملُ تركيبةً من الأدويةِ والعلاجِ النَّفسيِّ، وبطبيعةِ الحال، فإنَّ الأدويةَ هي السَّطرُ الأخيرُ من العلاجِ؛ ليس لأنَّها قد تؤدّي إلى نوعٍ من الإدمان فحسبُ، بل لأنّها قد تكونُ مليئة بالآثار الجانبيّة. ومع ذلك، ففي حالةِ القلقِ الشّديدِ الّذي يؤثِّر على الحياةِ المدرسيّةِ أو العمل، يمكن لمضاداتِ الاكتئابِ الخفيفةِ أن تساعد. وطبعاً يجب أن يكونَ الهدفُ من هذه المعالجةِ تقليلَ الاعتمادِ على الدّواءِ ببطءٍ، والوصولَ إلى مرحلةٍ يتجنَّبُ فيها المرءُ استجابةَ الذُّعرِ عند رؤيةِ الأرقامِ أو التّفكيرِ بها.

يمكن استخدامُ العديدِ من خياراتِ العلاج، ولا سيّما العلاج باستخدامِ البرمجةِ اللّغويّةِ العصبيّةِ للتّغلَّبِ على هذا النّوعِ من الرُّهاب، ويساعدُ هذا العلاجُ على إعادةِ برمجةِ استجابةِ الدّماغ للأرقامِ، وزيادةِ ثقةِ المرءِ أثناءَ العمل معها.
وأمّا علاجُ التّعرُّضِ التّدريجيِّ مع مُساعَدةٍ من مدرّبٍ خبيرٍ فيمكن أن يساعدَ أيضًا في التّغلُّبِ على الأرِثموفوبيا، ويشمَلُ هذا النّظرَ إلى الأرقامِ، والتّفكير بها، ومن ثمَّ التَّقدُّمَ إلى حلِّ حساباتٍ عدديّةٍ بسيطةٍ فمعقدّةٍ.
وهناك بعضُ العلاجات الأخرى كالاستشارةِ والعلاجِ الحديثِ والعلاجِ بالتّنويمِ المغناطيسيِّ، والتّي قد ثبتَتْ فعاليّتها في التَّغلُّبِ على النّوميروفوبيا.
المصادر:
هنا
هنا

* إعداد: : خالد أحمد
* تدقيق علمي وتدقيق لغوي: : Maissaa Markabi
* تصميم الصورة: : Batoul Suleiman
* نشر: : Kinan Jarrouje
* صوت: : Dima Yazji

عن محمد ابوشمس

شاهد أيضاً

5/12/2018 في يوم التطوع العالمي؛ أتستحقُّ المبادرةُ كلَّ هذا العناء!

أقرَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم التطوع الدولي ليكون في 5 كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، ويُنظَرُ إليه بوصفه فرصةً فريدة للمتطوعين والمنظمات للاحتفال بجهودهم، وتشاركِ قيمهم، وتعزيز عملهم ضمن مجتمعاتهم المحلية والمنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة والسلطات الحكومية والقطاع الخاص.هذا وقد كثرت مؤخّرًا المنظماتُ غير الربحية والمؤسسات غير الحكومية التي تدعو إلى المبادرة والتطوع بأشكالهما كافة لكونهما مثالًا يُحتذى به في العطاء الإنساني، ولكن؛ ما الفائدة المرجوة التي قد يجنيها الفرد عندما يضحي بوقته وخبراته دونَ أي مقابل مادي؟ التسلسل الزمني للعمل التطوعي:ظهر مفهوم التطوع في أوائل القرن العشرين ردًّا على الدمار الذي تسببت به الحرب العالمية الأولى، فظهرت المعسكرات التطوعية بوصفها بدائلَ سلميةً للحرب، وتعدُّ "الخدمة المدنية الدولية" التي تأسست عام 1934م واحدةً من أقدم المنظمات التطوعية، التي هدفت إلى إعادة بناء المناطق التي دمرتها الحرب. وما لبث مفهوم التطوع أن توسَّع في بداية الستينيَّات فشمل تقديم المساعدات التنموية، وفي هذه المرحلة أعرب العديد من الشباب عن رغبتهم في الإسهام الإيجابي، إلَّا أنَّ المنظمات ترددت في إشراكهم في تلك الجهود التنموية؛ ليتبيَّنَ لاحقًا وجودُ آثار إيجابية عديدة لتلك المشاركة في نجاح العمليات التنموية، إضافة إلى أنَّ المتطوعين أقلُّ كلفة من الخبراء التنمويين وأكثر استعدادًا للعمل بالمناطق الريفية.أنشأت الأمم المتحدة عام 1971م برنامج الأمم المتحدة التطوعي United Nations Volunteer (UNV) program  الهادفَ إلى نقل المتطوعين المؤهّلين إلى مناطق مختلفة من العالم والمشاركة في مشروعات الأمم المتحدة. وأُسِّست العديد من المنظمات والمؤسسات التطوعية كمنظمة أطباء بلا حدود عام 1971م ومنظمة "الموئِل من أجل الإنسانية" عام 1976م على يد دول متعددة (الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، المملكة المتحدة، فرنسا، اليابان، الدول الإسكندنافية)، ووصلَ عدد تلك المنظمات التطوعية عام 1981م إلى 125 منظمة، وبلغ عدد المتطوعين في عام 1982 قرابة 55 ألف متطوع عالمي.أطلقت الأمم المتحدة في العام 2001 "السنة الدولية للتطوع" التي سلطت الضوء على مشكلات الفقر وإعادة البناء بعد الكوارث وتسهيل الاندماج الاجتماعي، وأسهم التطور التقني بعد ذلك في تسهيل العمل التطوعي وظهور عددٍ من الحملات التطوعية عبر الإنترنت لا تقتضي مغادرة المتطوعين بلادهم.فوائد العمل التطوعي:يُسهم العمل التطوعي في الحد من نسب البطالة، ومع أنَّه عملٌ مجانيٌّ؛ لكنّه يتيح للعديد من المتطوعين الشباب تطبيقَ تعليمهم ومهاراتهم بالأنشطة والحملات التطوعية التي يشاركون فيها، وهو ما يزيد من خبراتهم وقدراتهم.يؤدّي التطوُّع دورًا إيجابيًّا في تمكين المرأة وتحقيق المساواة بين الجنسَين، ومع أنَّ مشاركة الإناث في بدايات العمل التطوعي كانت منخفضةً - فبرنامج الأمم المتحدة التطوعي على سبيل المثال ضم في صفوفه 17% من الإناث فقط عام 1976م- إلَّا أنَّها أخذت في الازدياد المتسارع، وفي العام 1985م تجاوزت نسبة المتطوعات الإناث في هيئة السلام نسبةَ المتطوعين الذكور أوَّل مرةٍ في تاريخها. ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *