الرئيسية / الاخبار / من "تليمة" إلى "مسعود" .. نافقوا تسلموا!

من "تليمة" إلى "مسعود" .. نافقوا تسلموا!

الشيخ عصام تليمة أزهري إخواني ابن المدرسة الوسطية التقليدية، كل آرائه له سلف فيها، لم يصدم البيئة الشرعية بقراءة حداثوية أو فتاوى غير مسبوقة، إلا أنه تورط في الكلام عن نفسه بشكل "طبيعي" وقال إنه يسمع الغناء على اعتبار أن اختياره الفقهي هو أن الغناء حلال، والموسيقى حلال، وصوت المرأة ليس بعورة سواء تحدثت أو غنت، أو هتفت بسقوط الحاكم، وهو اختيار مسبوق، ومبسوط، وقال به عشرات العلماء قديما وحديثا، من ابن حزم الأندلسي والعز بن عبد السلام إلى القرضاوي والجديع..

إلى هنا كان من الممكن أن تمر، على اعتبار أن تقاليد المجتمعات الشرعية تسمح للشيخ أن يقول بآراء السلف التي تتضاد مع "مزاج" هذه المجتمعات، فهي آراء السلف، وما باليد حيلة، لكنها لا تسمح له، على الإطلاق، بأن يتجرأ ويعلن مخالفة الذائقة العامة لهذه المجتمعات المغلقة على ذائقتها، حتى لو كان له في ذلك ألف سلف وخلف، بل وآيات وأحاديث تدعمه وتسنده، فالمجتمع الشرعي، ومن ورائه ملايين "الأولتراس"، أقوى من النص ذاته!

ارتكب الشيخ عصام تليمة "جريمة شنعاء" على الهواء حين سأله المحاور اختر لنا "غنوة" لنسمعها فاختار الست أصالة، الصوت السوري العظيم، هوجم من الجميع، طعنوا في دينه، وفي علمه، وفي تاريخه، سخروا منه واستهزأوا به وسفهوا آراءه وتطاولوا عليه على مواقع التواصل بشكل يخبرك عن حقيقة مستوى "تربية" جيل الصحوة الذين تربوا على كتيبات الأرصفة وشرائط حسان ويعقوب وعمرو خالد، أكلوا لحم الرجل، الذي هو منهم، واضطروه إلى "الاعتذار"... اعتذر عن رأيه "الصحيح"، المعتبر، المسبوق، المستوفي لشروط "التقليد" القياسية ليسترضي "القطيع"!

ذكرتني الواقعة، بالشيخ عماد عفت، شهيد الثورة المصرية، وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، في ذكراه الأولى تلقيت تلفونا من مسؤولة صفحة الرأي في جريدة الوطن؛ تخبرني بأن الشيخ فلان الفلاني الذي يكتب في نفس الصفحة يريد أن يمنحك مساحته للكتابة عن الشيخ عماد عفت، سألتها: لماذا لا يكتب هو؟ فقالت: لديه أسبابه، وهو يتابعك، ويتمنى أن يقرأ عن الشيخ بقلمك. طلبت رقمه لأشكره، وكانت مكالمة دافئة مع شخص مهذب وراق. كنت أعرف الوجه السياسي للشيخ عماد عفت، لكنني لم أكن أعرف عن الإنسان. سألته، وسألت غيره، وبحثت وتقصيت من زملاءه وتلامذته وكتبت مقالا بعنوان: "الأزهري الذي أحب فيروز"!

كنت حريصا أن ألتقطه من هذا الجانب بعد أن تحدث الكثيرون عن بطولته وشجاعته وثورته، ثم شهادته التي كان يتمناها طوال عمره. كان الشيخ الشهيد يحب فيروز، يشتري شرائطها، يستبدلها مع مشايخ آخرين يحبونها بدورهم. كتبت، وعرضت المقال على "الشيخ" الذي منحني زاويته لأكتب فيها بدلا منه، فتحفظ على بعض التفاصيل الخاصة بمفتي مصر السابق علي جمعة.. أنصفته وحذفتها فورا، ودون مماطلة، فشكرني ثم تحفظ على العنوان والتفصيلة الخاصة باستماع الشيخ للغناء ولفيروز تحديدا، سألته: ألم يكن يفعل؟ قال: بلى، المعلومة صحيحة تماما، لكنها ليست مما نخبر به الناس! اعتذرت عن حذفها، وأخبرته أن من حقه أن يعترض على نشر المقال وأن يسترد زاويته ليكتب بنفسه، ولن أغضب لو فعل، فقال الرجل بأدب شديد ليس إلى هذه الدرجة، ووافق على النشر مع تمنيه أن أستجيب لتحفظه وأحذف "فيروز" من حياة الشيخ!

معز مسعود، من دعاة التدين الرأسمالي الجديد، داعية إسلامي بروتستانتي، متوازن، معقول، لكنني لا أحب خطابه، ولا أراه ممثلا حقيقيا لجوهر الرسالة الشريفة، تزوج، وطلق، حاول مرة أخرى لم يوفق، حاول مرة ثالثة، كان من الممكن أن تمر الثالثة والرابعة والعاشرة والألف.. كان من الممكن أن يكون مزواجا كغيره من مشايخ السلفية الذي تزوج أحد مشاهيرهم أكثر من 17 مرة، وكان يطلق واحدة من نسوانه الأربع لمجرد أنه التقى بأخرى أعجبته، ويريد أن يخلي لها مكانا، وكان كل من حوله يهنئ ويبارك، مع علمه بأن الشيخ "زير نسا"، إلا أنه "زير" بما لا يخالف شرع القبيلة، فلم لا؟ غلطة "مسعود" أنه تزوج "ممثلة"، تجاوز تقاليد القطيع، الذي هو أقوى من النص كما قلنا، فما كان منه إلا أن يتحول إلى "تريند".. الإسلاميون نهشوا عرضه وعرض زوجته، كما يقول الكتاب، (ليس كتاب الله طبعا)، أما خصوم الظاهرة الإسلاموية فوجدوا فرصة للتشفي، ولو على حساب مبادئهم التي تقضي بعدم التدخل في الحياة الشخصية واحترام مساحات الخصوصية. لا مانع من تعطيل المبادئ قليلا أمام وجبة من اللحم البشري!

كان من الممكن أن يسمع "تليمة" براحته، وكذلك الشهيد عماد عفت، وليتزوج معز من يشاء، ولكن في "السر"، دون أن يعلم الناس.. فالشيخ، أي شيخ، لم يضربه أحد على يده ليكون شيخا، وينضم إلى هذه المجتمعات المريضة، فما دام قد فعل بمحض إرادته فعليه أن يلتزم بالقواعد، وأهمها: نفاق المجتمع، والرياء، والسمعة، والادعاء ثم الادعاء ثم الادعاء، إلى أن يصدق الناس أنك وريث النبي في وحيه لا في بشريته. فأنت مشروع "إله" لم يكتمل، فهل يليق بالإله أن يسمع أصالة أو يتزوج شيري عادل؟!

هذا النوع من المجتمعات، الذي ينافق الجماهير، ويسير وراءهم، يخلق عالما "إمعة" أو "دلدول" للرأي العام، يقول بما يطلبه المستمعون.. المهللون.. المكبرون.. يخسر نفسه ودينه واحترامه لدوره وقضيته من أجل مكانة زائفة يمنحها له قطيع جرى تدجينه بمعرفة السلطات. ومن هنا يمكنك أن تفهم لماذا يبدأ أحدهم مشروعا مبشرا بباحث حقيقي وينتهي بمفتي فضائيات، يُدخل الناس النار في نمص حاجب.. لماذا يقفز أحدهم من لا شيء، إلى شيخ يتابعه ملايين "الفولورز"، مؤهلاته لحيته وترديده لمقولات مشايخ الفضائيات بلغة فيسبوكية، وسخريته من أي "بحث" حقيقي وجاد، وتفننه في مغازلة المزاج السوداوي للقطيع، وبقدرة قادر يتحول إلى العلامة، أو الشيخ أو الفقيه أو المؤرخ أو أي شيء يقرره "الأخ"، ثم يبدأ في تدمير خصومه وتحطيمهم وتكسير عظامهم بجمع "لايكات" أكثر، و"شير" أكثر و"فولو" أكثر، وهو ما يعني بالضرورة أن درجته (عند الناس) أعلى، ومن يعترض فهو حاقد على الإسلام، و"انقلابي" والصندوق موجود..

آلمتني كثيرا التعليقات التي قرأتها في مشكلة "عصام"؛ من شباب تساءلوا باستغراب: هل الموسيقى حلال فعلا؟!! ليس لديهم أدنى فكرة عن رأي آخر، لم يقرأوا، لم يسمعوا، لم يشاهدوا من يخبرهم بأن في دينهم "فسحة". كنا نتصور أن عصر السماوات المفتوحة عصي على التغييب والتعتيم وكتم الأصوات، إلا أن التجربة أثبتت أن "النفط" يملك السموات والأرض، ويحول ما دون "سواده" إلى "هامش" "يحرق" من يقترب منه، فنافقوا يرحمكم "المجتمع".

عن محمد ابوشمس

شاهد أيضاً

10 أزمات تدفع الأسهم الأمريكية إلى خسائر عنيفة.. ما هي؟

تسببت موجة الخسائر التي تكبدتها أسهم "أبل" و"فيسبوك" في مزيد من الخسائر ببورصة نيويورك . وحدد جيم كريمر، المحلل المختص بأسواق الأسهم، 10 مشاكل تواجه الأسهم الأمريكية وتمنعها من الصعود، وعلى رأسها شركة "أبل". ويرى كريمر أن قصص التباطؤ في مبيعات أبل المزعومة، مثل تقرير يوم الاثنين الماضي في صحيفة وول ستريت جورنال، أصبحت مملة رغم أن العديد من المستثمرين ينظرون إليها على أنها كشف جديد. ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *