الرئيسية / جديد الشبكة / صحافة وأقلام / بلفور .. وحكاية "القاعدة الثقافية"

بلفور .. وحكاية "القاعدة الثقافية"

يحتوي كتاب جوزيف ماري نايجل جيفرس، "فلسطين الحقيقة: القصة الخفية لإعلان بلفور 1917 - 1938"، الذي صدر عام 1939، في لندن، وأعيد إصداره هذا العام، تفاصيل دقيقة ومهمة أحاطت بإطلاق هذا الإعلان من قبل وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور، على مستويات عدّة بدءا ممّا كان يجول في نفس وخاطر من صنعوا تلك المرحلة، وصولا للتفاصيل السياسية. رغم ذلك فإنّ حقيقة كيف صنعت وسوّقت "الفكرة الإسرائيلية" ما تزال تحتاج الكثير من التفكير، والمراجعة، وليس توثيق الأحداث فقط. 
يوجد في واجهة إعلان بلفور، شخصان الأول هو بلفور والثاني الثري اليهودي المصرفي البريطاني اللورد روتشيلد. لكنّ هناك شخصين عملا في الظل، يمكن اعتبارهما الشخصين التنفيذيين اللذين أدارا الوصول للوعد وبعد ذلك تنفيذه، هما حاييم وايزمان، والبريطاني الصهيوني هربرت صموئيل، وتعاونا على إطلاق فكرة "دولة إسرائيلية قاعدة ثقافية". 


كان وايزيمان شابا بولنديا يهوديا، درس في ألمانيا، وسويسرا، ونشط في البلدين ضمن الحركة الصهيونية. وصل عام 1904 مدينة مانشستر البريطانية، وسرعان ما أصبح قياديا في المجتمع اليهودي الكبير نسبيا، في المدينة. وكان يحمل الدكتوراة في الكيمياء، وعمل في جامعة المدينة ما أعطاه مكانة مهمة. ولكنه لم يكن، وهو في نحو سن الثلاثين، يتقن الإنجليزية، ما صعّب عليه الدخول للنخب البريطانية في البداية.

 

بالتزامن مع وصول وايزمان تقريبا كان بلفور يشغل منصب رئيس الوزراء، واقترح على اليهود تأسيس دولة في شرق إفريقيا، ولكنهم لم يستجيبوا للاقتراح، وعاملوه بتجاهل أغضبه، وأخيرا نسّق سياسي بريطاني لقاء مع وايزمان، نحو العام 1906. كان بلفور قد خسر الانتخابات التي خاضها في مانشستر ذاتها، وكان يحتاج يهود المدينة ليعود للسياسة، وكان وايزمان النجم الصاعد بينهم. ويصف وايزمان حالته (كما في كتاب جيفرس)، بأنّه كان يرشح دما كالعرق، (بسبب ضعفه  باللغة الإنجيلزية). وأخيرا اهتدى لعبارة تسعفه، سأله: "سيد بلفور هل تقبل باريس بدلا من لندن"؟ استغرب بلفور، وسأله ولكن لندن لنا، فرد عليه وايزمان، والقدس كانت لنا عندما كانت لندن مستنقعا. وبحسب رواية بلفور، أقنعته العبارة، ولكن بحسب قواعد السياسية لا قيمة لمثل هذه العبارات، فالمصالح هي الأساس، وهنا سيأتي دور هربرت صموئيل. 

 

انقطعت علاقة الرجلين ثمانية أعوام، حتى التقيا في حفل عشاء في الأشهر الأولى من الحرب العالمية الأولى، في بيت الليدي أستور، أول امرأة عضو في البرلمان البريطاني، وكان بلفور قد عاد لتوه وزيرا للخارجية. وبحسب المشهد انتحيا جانبا وغرقا في حديث أنساهما ما حولهما. وسأل وايزمان عمّا يمكن لبلفور فعله لمساعدة الصهاينة، فأجابه الأخير، أن لا شيء ممكن فعله والمدافع تطلق النيران. بدا وايزمان نيابة عن الحركة الصهيونية، أنه كمن يبذر شيئا، لذلك ذهب إلى فرنسا سريعا، وهناك تحدث وايزمان عن الأساس الثقافي الذي يسمح لليهود أن يوجدوا دولة يهودية في فلسطين، وذهب لمصر لمقابلة الجنود اليهود في الجيش البريطاني. 

 

كان البريطاني الآخر الذي آمن بالفكرة، أو استخدمها، يهوديا أيضا، شغل منصب وزير الداخلية عام 1916، زعم أنّه يعمل للمصلحة البريطانية وبدأ يطوف الدوائر البريطانية، يخبرها أنّ "فلسطين يمكن أن تصبح مركز ثقافة جديدة". هو هربرت صموئيل، وكان يعلم أنّ فكرة إقامة دولة لليهود "غير عملية" كما قال وهم أقلية صغيرة في فلسطين، وبدأ يتحدث عن كيفية الهجرة اليهودية وبناء الظروف لذلك. وكيف أنّ مركزا ثقافيا في فلسطين، قريبا من مصر (التي كانت تحت الحكم الإنجليزي)، سيؤدي لدعم الولاء لبريطانيا في المنطقة. 

 

هكذا بيعت إلى حد كبير فكرة "القاعدة الثقافية" لليهود في فلسطين، نيابة عن الغرب. لكن في الواقع هذه الفكرة تتناقض إلى حد ما مع فكرة استعمارية أخرى، هي تأسيس قناة السويس، لتكون طريقا تجاريا بين الشرق والغرب. ففكرة "الدولة الإسرائيلية" كما وُصِفَت قبل نحو مائة عام من قبل الصهاينة، كقاعدة ثقافية، تفصل الشرق عن الغرب، تقطع طرق التجارة، بدل تسهيلها. 

 

ربما واحد من النقاط التي يجدر طرحها بعد مائة عام من وعد بلفور هي: ماذا كان سيكسب العالم والغرب، لو لم تقم "الدولة الإسرائيلية"، ولو لم يجرِ تبني فكرة "القاعدة الثقافية"؟. 

 

الغد الأردنية

عن editor

شاهد أيضاً

رئاسة ترامب لم تؤثر على الموقف الامريكي من تونس

كتبت منذ اشهر قليلة مقالا في عربي 21 حول "المساعدات الامريكية لتونس وشروطها السياسية" عن تأثير وجود ترامب في البيت الابيض، وهو الذي ابدى طيلة حملته الانتخابية دعما واضحا للتجارب الاستبدادية العربية واحتقارا لحق العرب في الديمقراطية، على الموقف الامريكي تجاه تونس وتجربتها الديمقارطية. وقد هلل انصار الاستبداد لصعود "ابو علي ترامب" كانه تحقيق لثأر شخصي واعتبروا صعوده نهاية اي تجربة ديمقراطية عربية. ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *