الرئيسية / الاخبار / الحلقة التاسعة- نظرية الأوتار
رأينا في مقالنا السابق عن النموذج المعياري أن هذا النموذج يصف ثلاثة من قوى الطبيعة الأربعة (القوة الكهرطيسية, القوة النووية الضعيفة, القوة النووية الشديدة) ضمن نموذج واحد حيث تمثل كل قوة بجسيم تتبادل جسيمات المادة التأثير فيمابينها بتبادل جسيمات كل قوة. ولكن هذا الوصف لم ينجح في ضم القوة الرابعة "قوة الجاذبية" مع بقية القوى ضمن هذا النموذج وقد جرت عدة محاولات لانجاز ذلك وافترضت عدة نماذج لعل ابرزها وأكثرها شيوعا هي نظرية الأوتار.ليست نظرية الأوتار نظرية أساسية أومبرهن عليها بالتجارب ولكنها من أكثر حقول الفيزياء الحديثة نشاطا وتفاعلا بين الفيزيائيين ولذلك سنتحدث عن افكارها الأساسية. تفترض نظرية الأوتار أن كل الجسيمات الأساسية على اختلافها تتكون في الأساس من وتر مهتز.

الحلقة التاسعة- نظرية الأوتار


رأينا في مقالنا السابق عن النموذج المعياري أن هذا النموذج يصف ثلاثة من قوى الطبيعة الأربعة (القوة الكهرطيسية, القوة النووية الضعيفة, القوة النووية الشديدة) ضمن نموذج واحد حيث تمثل كل قوة بجسيم تتبادل جسيمات المادة التأثير فيمابينها بتبادل جسيمات كل قوة. ولكن هذا الوصف لم ينجح في ضم القوة الرابعة "قوة الجاذبية" مع بقية القوى ضمن هذا النموذج وقد جرت عدة محاولات لانجاز ذلك وافترضت عدة نماذج لعل ابرزها وأكثرها شيوعا هي نظرية الأوتار.ليست نظرية الأوتار نظرية أساسية أومبرهن عليها بالتجارب ولكنها من أكثر حقول الفيزياء الحديثة نشاطا وتفاعلا بين الفيزيائيين ولذلك سنتحدث عن افكارها الأساسية.

تفترض نظرية الأوتار أن كل الجسيمات الأساسية على اختلافها تتكون في الأساس من وتر مهتز. فالأوتار هنا هي المكون الأساسي للكون. وكما في حالة اوتار القيثارة حيث يعطي كل تردد مختلف للاهتزاز نغمة مختلفة كذلك في نظرية الأوتار فكل تردد مختلف يوافق جسيما مختلفا. وتوجد هذه الأوتار بشكلين: إما حلقات مغلقة أو اوتار مفتوحة والقانون الوحيد التي تطلبه هذه الأوتار ضمن الفرضيات الحالية أن تكون مساحة هذه الحلقات اصغر ما يمكن لذلك من الأسهل لنا ان نتخيل هذه الأوتار كالحلقات المطاطية التي نربط بها النقود وتهتز بطرق مختلفة.

بدء التفكير بهذه النظرية منذ نهاية الستينات كنظرية لوصف القوة النووية الشديدة ولكن نجاح النموذج المعياري جعل الفيزيائيين يهملون التفكير فيها. ولكنهم وجدو في نهاية السبعينات انها تصلح لوصف القوى الأربعة حيث تمثل كل قوة كما قلنا سابقا بجسيم وندعو هذه الجسيمات "بوزونات". ولذلك دعيت النظرية في البداية بنظرية الأوتار البوزونية ولكنها كانت تعطي قيما لا نهائية لبعض القياسات كما انها تفترض وجود جسيمات اسرع من الضوء وتتطلب وجود 26 بعدا بدل الأبعاد الأربعة لعالمنا ( 3 أبعاد للمكان وواحد للزمان). وقد تم حل هذه المعضلات بادخال فرضية تدعى "التناظر الفائق" حيث يفترض هذا التناظر ان لكل جسيم قوة "بوزون" شريك من جسيمات المادة (التي رأينا في مقالنا السابق أنها تدعى فيرميونات) وقد بين رائدا هذا الحل جون شوارتز ومايكل غرين في بداية الثمانينات أن هذه الفرضية تحل بعض المشكلات وتتطلب وجود 10 أبعاد فقط و اصبحت النظرية تدعى "الأوتار الفائقة".

برزت على مدى العشر سنوات التالية خمسة نماذج من نظريات الأوتار الفائقة كل منها تشكل نظرية محتملة لتوحيد قوى الطبيعة الأربعة مما شكل تناقضا واضحا إذ يجب أن تكون أحد هذه النظريات فقط هي الصحيحة. ولكن عام 1995 بين الفيزيائي النظري إدوارد ويتن من معهد الدراسات المتقدمة في برينستون أن هذه النظريات متكافئة فيما بينها وأنها تشكل حالات مختلفة لنظرية أشمل وأعمق ذات 11 بعداً سميت "النظرية M". ولكن حتى الأن لم يتم وضع تصور متكامل او حتى مجموعة معادلات واضحة كأساس لهذه النظرية. ولكنها تفترض بشكل رئيسي أن هذه الأوتار ليست ذات بعد واحد كالخيوط ولكنها ذات بعدين (مثل الغشاء المطاطي للبالون) ولكنها تبدو وحيدة البعد لأننا ننظر إليها كما ننظر للخيط من بعيد فنراه ذو بعد واحد ولكنه تحت المجهر يبدو كالأسطوانة فكذلك الأوتار أحد ابعادها ملتف وصغير بحيث نرى الوتر كانه خيط فقط. ولذلك تدعى النظرية M أيضا نظرية الأغشية.

بين الفيزيائيون لاحقا أن للاطار النظري الحالي لهذه الفرضيات (التي ندعوه نظرية الأوتار فقط) عدد كبير من الحلول التي تعطي قيما مختلفة للثوابت الفيزيائية التي تصف عالمنا. وعدد هذه الحلول ضخم لدرجة أنك ستحتاج ورقة كاملة لكتابته ( يقدر عادة بأنه واحد وبجانبه 500 صفر). وهنا يبرز أكبر الاعتراضات على نظرية الأوتار فذلك يجعلها منيعة ضد أن يتم نقضها (أو برهانها) فكل تجربة لا تتفق نتائجها مع تنبؤات أحد الحلول ستجد في المقابل عددا هائلا من الحلول التي تنسجم مع النتائج فالبعض يصف هذه الحالة بالكارثة لأن النظرية لا تخضع لمعيار قابلية الخطأ الذي يستلزم وجود معيار محدد عند عدم تحققه تعتبر الفرضية خاطئة (مثلا عند وضع فرضيات النسبية العامة في أن الكتلة تسبب انحرافا في مسار الضوء، لو ثبت عدم انحراف الضوء لاعتبرت الفرضية خاطئة). ويصف العديدين النظرية بأنها "ليست حتى خطأ" وهي الجملة التي تنسب للفيزيائي وولفغناغ باولي عندما كان يعترض على غموض وعدم دقة فكرة فيزيائية ما. وهو أيضا أسم الكتاب الذي ألفه بيتر فويت للاعتراض على عدم قدرة النظرية على تقديم توقعات تؤدي عند خطأها لرفض النظرية كاملة.

بينما يرى البعض مثل شيلدون غلاشو و لي سمولين أن اهتمام الفيزيائيين الزائد بنظرية الأوتار على حساب النظريات المحتملة الثانية هو مشكلة اصابت الفيزياء واعاقت تقدمها.ناهيك عن المشكلة الأكبر أن التنبؤات الحالية لنظرية الأوتار لا يمكن التحقق منها بشكل مباشر على الأقل لأن بعضها يستلزم بناء تجارب يصل حجم بعضها إلى حجم مجرتنا مثلا.

بينما في المقابل يرى العديد من الفيزيائيين البارزين أن نظرية الأوتار بتناسقها وجمالية الرياضيات المستخدمة فيها لابد أن تكون خطوة نحو الطريق الصحيح. وتقدم النظرية في ذلك السياق عدة فرضيات وتنبؤات حول عالمنا كالأكوان الموازية والمبدأ الهولوغرافي سنتعرض لبعضها في عدة مقالات قادمة.

استعرضنا سوية خلال مقالاتنا السابقة النظريات الأساسية التي وضعها الفيزيائيون لوصف عالمنا والتي يستند عليها فهمنا للعالم الذي نعيش فيه. قد تصف هذه النظريات في معادلاتها جزءا من الحقيقة وقد يخبئ لنا المستقبل حقائق أغرب من الخيال. ولكن مهما كانت النظريات القادمة فلن تكون سوى انعكاس لحقيقة أننا نعيش في كون مميز حقا, ربما.

مراجع اضافية:

- The Elegant Universe: Superstrings, Hidden Dimensions, and the Quest for the Ultimate Theory- Brian Greene

- سلسلة وثائقية من BBC بنفس الاسم The Elegant Universe .

- Wrapped Passages – Lisa Randall

- The Trouble with Physics – Lee Smolin

مرجع مختص:

String Theory and M-Theory: A Modern Introduction – John Schwarz,Milanie & Katrin Becker

#نظرية_الأوتار



عن

شاهد أيضاً

"الورطة الإيرانية"

https://www.youtube.com/embed/8WZYFYxI3rE

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *