شبكة ابوشمس لوحة تحكم العضو تسجيل عضوية جديده   البحث في المنتدى


الشركة اليمنية لخدمات الويب


العودة   منتديات ابوشمس > > >

Tags: , ,

 
قديم 2010-12-31, 04:22 AM   #16
المراقب الـــــــعــــــــــام
الصورة الرمزية صقر الحالمه

صقر الحالمه غير متواجد حالياً
بيانات اضافيه
 تاريخ التسجيل: 26 - 5 - 2008
 رقم العضوية : 3791
 مشاركاتي : 107,264
 أخر زيارة : 2014-10-31 (08:02 PM)
 بمـــعــدل : 45.66 يوميا
 زيارات الملف الشخصي : 13644
 فترة الأقامة : 2349 يوم
 معدل التقييم : صقر الحالمه جديدصقر الحالمه جديد
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي الدكتور عبد الكريم عثمان، نجم سطع، وسرعان ما رحل







الدكتور عبد الكريم عثمان، نجم سطع، وسرعان ما رحل




عدنان سعد الدين/المركز الإعلامي
أثمرت دعوة الإخوان المسلمين في سورية من أربعينيات القرن الماضي جيلاً صاعداً جديداً، سرعان ما أحيا للأمة آمالها، وأيقظها من سباتها، وأعاد إليها ثقتها بعقيدتها وذاتها، وردها بإذن ربها إلى حظيرة الإسلام رداً جميلاً، فامتلأت بهم الساحات، وزخرت بجموعهم المدارس والمعاهد والجامعات، فانحسرت موجة الإلحاد والعلمنة والتغريب التي كانت قبل ذلك تعربد في العشرينيات والثلاثينيات، وتتحدى المجتمع في أفكارها الوافدة، ومذاهبها المستوردة، وتقاليدها المستنكرة، ودعوتها الصريحة السافرة إلى نبذ الإسلام، وخلع ربقته عن الأعناق، فكان الداعون إلى الله في ضيق وحرج أمام هذه الموجة التي أحرزها انتصار الحلفاء الغربيين في الحرب العالمية الأولى على تركيا العثمانية، زاحفين إلى بلادنا وعقر ديارنا بما يملكون من تفوق حضاري وعسكري كاسح.
كبرت الغراس والفسائل التي زرعتها دعوة الإخوان المسلمين، وظهر جيل على أبواب الثلاثينيات في أعمار الأزهار، رفعوا راية القرآن، ودعوا بثقة وجرأة إلى رسالة الإسلام، وواجهوا تيارات العلمنة والتغريب بقوة وشجاعة، فكسروا أمواجها، وأكدوا بأقلامهم وخطبهم وأنشطتهم وجموعهم الهادرة، أن خلاص أمتهم من الذل والاندحار والتخلف إنما هو رهن في العودة الحميدة والجادة إلى رحاب الإسلام الحنيف، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
كان في طليعة هذا الجيل الناهض فتى نشأ في طاعة الله، تفتحت مواهبه في سن مبكرة، وظهرت علائم النجابة عليه منذ نشأته الأولى، فإذا هو خطيب مفوه، ولما يزل على مقاعد الدراسة في المرحلة الثانوية، انتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين في منتصف عام 1945، وعمره ست عشرة سنة إذ هو من مواليد عام 1929، فإذا بالفتى الناهض يرتجل الخطب الحماسية في الدعوة إلى انتخاب الشيخ الشهيد محمود عبد الرحمن الشقفة مرشح الإخوان والعلماء للبرلمان عن محافظة حماة، ولما يتجاوز الثامنة عشرة من عمره المبارك.
لفتت مواهبه التي - تفتحت كأزهار الربيع في وقت مبكر - أنظار قادة الإخوان في مركز حماة، فقرروا أن يرعوا هذه الموهبة التي أنعم الله بها، فقرروا إيفاده لدراسة علم الاجتماع في كلية آداب جامعة فؤاد الأول .جامعة القاهرة فيما بعد. ويتحمل أعباء الدراسة عدد من الإخوان برعاية ومساهمة رئيس المركز الشيخ الشهيد عبد الله الحلاق رحمه الله وأجزل له المثوبة والأجر على ما قدم من بذل وصبر وجهاد، وعلى ما تحمَّلَ من أذى في سبيل الله، دعماً ودفاعاً عن دعوة الإخوان المسلمين.


من هو الداعية عبد الكريم عثمان؟
هو ابن الشيخ محمود العثمان العالم الزاهد الورع، والأستاذ في مدرسة دار العلم والتربية التي تأسست في عهد الملك فيصل الأول الذي لم يطل كثيراً، والتي تخرج فيها قادة كبار، وساسة شهيرون، لعبوا أدواراً كبيرة في الحياة السياسية السورية، أمثال الأستاذ رئيف الملقي قائد الكتلة الوطنية في حماة بعد وفاة توفيق الشيشكلي، والأستاذ أكرم الحوراني وآخرين.
كان الشيخ محمود العثمان عالماً مجاهداً، عمل مع المناضلين ضد فرنسا، وقاوم بخطبه ومواقفه الصلبة الانتداب بجرأة نادرة، وعزيمة صلبة عُرف بهما بين أبناء جيله، ولما سمع عنه الإمام الشهيد حسن البنا وعرف عن صفائه وصدقه وجهاده، راسله وكتب إليه، شاكراً ومشجعاً، وشاداً على يده، لما يبذل في سبيل الله دفاعاً عن الإسلام والأوطان.
ولربما سمع الإمام عن الشيخ محمود العثمان من رفيق دربه وأنيس قلبه الشيخ محمد الحامد، لأن الإمام كان يستحث العلماء الذين يأنس منهم الخير، ويسمع فضائلهم في كل بلاد المسلمين، ويستنهضهم للقيام بحمل لواء الدعوة إلى الله، والجهاد في الله حق جهاده.
ورث الأخ عبد الكريم عن والده محمود العثمان جملة صفات في حب العلم وصدق الحديث، والصدع بكلمة الحق، والجرأة في مواجهة الباطل بعفوية وقلب سليم، لا تأخذه في الله لومة لائم.
في عام 1947 - وبعد أن حمل الشهادة الثانوية – البكالوريا - وقررت إدارة مركز حماة إيفاده إلى مصر لتلقي دراسته الجامعية. التحق بكلية الآداب في جامعة فؤاد الأول - قسم الاجتماع - فكان متفوقاً ومتقدماً على أقرانه في دراسته، وكما حدث للإمام الشيخ محمد الحامد في صلته بالإمام حسن البنا وتعلقه به، كان حال الأخ عبد الكريم الذي أحب الإمام البنا حباً ملك عليه عقله ولبّه وقلبه، فلم يعد قادراً على مفارقته، أو البعد عنه، واستمر هكذا ممسكاً بهذه الصلة الحميمة منذ وصل إلى القاهرة عام 1947 وحتى فارق الإمام الحياة في 1947/2/12 في موكب الشهداء الذين قضوا في سبيل الله.
عزم عبد الكريم على الزواج من مصر، واعتمد على إخوة له من تنظيم الجماعة ليعينوه على ذلك مشترطاً الحشمة والحجاب الذي كان نادراً في تلك المرحلة في المدن الكبيرة مثل القاهرة والإسكندرية، فوصفوا له فتاة محافظة، وإذا به يراها تخرج مكشوفة الذراع، فصدم وبهت، فقيل له: هذا أفضل ما تطمح إليه، فصرف النظر عن الزواج من مصر، وقرر الزواج من بلده في سورية، ليت عبد الكريم وأبناء جيله من إخوان مصر، يرون ما آلت إليه المرأة المصرية من انتشار الحجاب، ومظاهر الحشمة، واضطلاعها بأعباء الدعوة إلى الإسلام، واستئناف الحياة بموجبه وعلى قواعده، وتشكيل تيار إسلامي عريض للنساء المسلمات في المدارس والمعاهد والجامعات، وفي الأحياء والمدن والأرياف، حتى صار الطابع العام للشارع المصري في كل أرجاء القطر من أدناه إلى أقصاه، فاكتسح الحركة النسائية التي عمل الإنكليز ودعاة التغريب وتقليد الحياة الغربية على إيجاده وتشجيعه، فأبلس وتراجع القهقرى، فلا يكاد يُرى بجانب تيار الداعيات المسلمات القانتات العاملات لرسالة الإسلام والدعوة إلى الله.


عودة عبد الكريم إلى سورية
عاد الأخ عبد الكريم إلى سورية بعد أن حمل ليسانس الآداب في علم الاجتماع بدرجة امتياز وتفوق، فعمل مدرساً في ثلاث مناطق، درّس الفلسفة في حماة وحلب، فكان تأثيره في طلابه ملموساً، ثم عمل في مدينة دير الزور مدرساً في ثانويتها، وباشر خطبة الجمعة في أحد مساجدها، فأصغى إليه الطلاب وسكان المدينة، وتأثروا به أيما تأثر، والتفوا حوله، وتعلقوا به، وانحازوا إلى جماعة الإخوان في دير الزور، بل وفي الأقضية والنواحي عبر الطلاب الوافدين منها إلى الدير لإكمال دراستهم الثانوية تمهيداً للالتحاق بالكليات الجامعية، ولو رغب أن يمثل عبد الكريم دير الزور في البرلمان، ويترشح في الانتخابات لأيدته المدينة وما خذلته، ولكن هذا الأمر كان بعيداً عن تفكيره وطموحه، ومن أراد أن يعرف المزيد عن الأثر الذي خلفه الداعية عبد الكريم عثمان في دير الزور وفي المنطقة الشرقية من سورية، فليسأل الشيخ دندل جبر الذي سمعت منه أنه كان في أول نشأته متأثراً بحزب البعث الذي كان الأستاذ جلال السيد - رحمه الله - أحد مؤسسيه - ومنتقديه فيما بعد - والذي كان يجمع ما بين الشيخ دندل والأستاذ جلال الانتماء العشائري، ولكن سرعان ما اتجه الأخ دندل بحزم وعزم إلى جماعة الإخوان بتأثير الداعية الموفق عبد الكريم عثمان، كما سمعت منه قصة انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين الراشدة.
كان عبد الكريم يقضي أشهر الصيف في حماة، فكان رفيق عمره ودربه الأخ الداعية مصطفى الصيرفي وكاتب هذه السطور وعبد الكريم في لقاء مسائي يومي، لا نكاد نفترق، نأكل معاً في مكان بعيد عن الأعين على شاطئ النهر، ونتجاذب أطراف الأحاديث المتنوعة، ومدارها جميعها دعوة الإخوان ونشرها والتبشير بها في أحاديث الجمعة .الأسبوعية. ومجموعات الأسر، والطواف على الأحياء، ومخاطبة الطلاب، وكذا العمال والنقابات، وإحياء الذكريات المباركة، كأيام المولد والإسراء والمعراج والهجرة النبوية ومعركة بدر، بالتعاون مع إدارة المركز، وعلى رأسهم الشيخ عبد الله الحلاق، والأخ بديع عدي، ورعاية الشيخ محمد الحامد رحمهم الله جميعاً، وكنا نستقبل كبار ضيوف مدينة حماة، ومركز الإخوان المسلمين من الوطن العربي والعالم الإسلامي والمدن السورية، من أمثال أبو الحسن الندوي، وأبو الأعلى المودودي، والمرشد العام حسن الهضيبي ومصطفى السباعي ومحمد المبارك وعادل كنعان وفوزي حمد ومحمد علي الصابوني ومحمد المجذوب وغيرهم، حتى أضحت المدينة ملاذاً وموئلاً وعريناً لدعوة الإخوان المسلمين المباركة.
ليت الأجيال اللاحقة تحيط علماً بما كان عليه الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات من نشاط وعمل دؤوب، وتحرك متصل، وكأنهم خلية نحل، في جو من التعاون والإلفة والحب حتى ترسخت قواعد الجماعة، وأضحت عصية على الاجتثاث بالرغم من كيد ومكر الأعداء الرهيب الذي تزول منه الجبال.


طبيعة الداعية وسيرته
كان الأخ عبد الكريم طاهر السريرة، سليم الصدر، خالي النفس من العقد والوساوس، يألف ويؤلف، يحبه إخوانه الكبار والصغار وأقرانه، عُرف عنه الطيبة، وصفاء النية والشفافية، وبعد أن سطع نجم عبد الكريم في شمالي سورية – حلب - وفي شرقها - دير الزور - وفي وسطها - حماة ودمشق - لحظ المراقب العام الشيخ السباعي موهبة عبد الكريم وألمعيته، فأسند إليه وظيفة نائب مدير المعهد العربي الإسلامي ذي السمعة والشهرة الواسعة في العاصمة، ليكون مساعداً للمربي الكبير مدير المعهد عبد الغني باجقني، بل ليكون المدير التنفيذي والفعلي للمعهد.
في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، وعندما ضيق أديب الشيشكلي الخناق على الشيخ الدكتور مصطفى السباعي مراقب الجماعة وقائدها، وعلى إخوانه من قادة الجماعة، واضطر إلى مغادرة دمشق إلى لبنان، لم يجد شيخنا من يسد فراغه وينوب عنه مثل الأخ عبد الكريم عثمان ليقوم بمهمة المراقب العام وكالة، ولما يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره الميمون.
كانت حركة الانشقاق التي قادها ضابط المخابرات الناصرية نجيب جويفل، ومن التف حوله من دمشق وحمص وإدلب، قد استفحلت، وصارت تشكل خطراً على كيان الجماعة، فرأى المنشقون في الأخ عبد الكريم عثمان سداً في طريقهم، وعقبة أمام تطلعاتهم، وإحباطاً لمخططاتهم، فهدده أحدهم هشام جندل الرفاعي بالتصفية إذا لم يوافقهم، ويذعن لهم، أو على الأقل أن لا يعترض سبيلهم، فإذا بالأخ الوديع ذي الحاشية الرقيقة يتحول بلحظة إلى غضنفر، يواجه شططهم بموقف صلب، وعزيمة غير مألوفة ولا متوقعة، متحدياً المنشقين أن يفعلوا ما يعن لهم، فإذا بهم يرجعون القهقرى، ويرضون من سوء خلقهم بالإياب والتراجع، وطي صفحة التمرد الذي قاده ضابط المخابرات الناصرية نجيب جويفل وعصابته التي تبعثرت، وكأنها لم تكن، أمام صلابة الإخوان، وعلى رأسهم عبد الكريم عثمان والإخوة المخلصون في دمشق، وثباتهم وتلاحمهم، والتفافهم حول قيادتهم، وعلى رأسها فضيلة مراقبهم الفذ الشيخ الدكتور مصطفى السباعي طيب الله ثراه، وتلاشت حركة الضلال، وذهبت أدراج الرياح، ولم نعد نعثر لها على أثر.


صفة الداعية وسيرته
كان الأخ عبد الكريم يلامس - بوداعته ولطفه وتهذيبه وعذوبة حديثه - شغاف القلوب لدى الجميع، كان رحمه الله يألف ويُؤلف، يحبه إخوانه الكبار منهم والصغار، لمس الكل عنه ومنه الطيبة وصفاء النية، وسلامة الصدر، لا يختلف عليه إخوانه، بل ولا أبناء المدينة من غير الإخوان، فعندما كنا معاً في دمشق نؤدي امتحانات شهادة الحقوق، لنتمكن من العمل الحر إذا أقدمت حكومة (التجمع القومي) على تسريحنا من وظائفنا التعليمية كما تشير النذر، وقررنا دخول انتخابات (الاتحاد القومي) لاعتبارات كثيرة، حملت ترشيحه، أو تفويضاً بترشيحه مؤيداً من الكاتب بالعدل، فتم ذلك، دون أن يكون حاضراً، فكان الثالث في قائمة الفائزين - ذات الثلاثين اسماً - يمثلون ثلث مدينة حماة في شمالي الوسط في سورية، وكان ذلك في عام 1959 بعد عام وبضع عام من قيام الوحدة بين مصر وسورية.


في القاهرة مرة أخرى
عاد عبد الكريم إلى القاهرة مرة أخرى، عندما قررت وزارة التعليم العالي أو الجامعة السورية إيفاد من يدرس الفلسفة الإسلامية ويحمل شهادة الدكتوراه بها ليعود إلى دمشق، ويملأ كرسي هذه المادة في كلية آداب الجامعة، فكان عبد الكريم مرشحاً لهذا الإيفاد بالدرجة التي نالها – الامتياز - في الليسانس التي حاز عليها من الجامعة المصرية - جامعة فؤاد الأول - فوقفت مخابرات دولة الوحدة أمام هذه البعثة وقررت إلغاءها، لأن صاحبها يحمل فكراً إسلامياً، غير أن مساعي حثيثة قام بها نفر، كان أخوه العقيد عبد الملك عثمان قائد موقع حماة العسكري واحداً منهم، وكان الخلاف قد دب بين عبد الناصر وبين البعثيين وحلفائهم، فأثمرت هذه الجهود، وألغي الحظر، فركب متن الطائرة التي أقلته إلى عاصمة الكنانة.
درس الماجستير في التربية وعلم النفس عند الغزالي، وقدم أطروحة الدكتوراه عن القاضي عبد الجبار أحد أئمة المعتزلة، وأصول دعوته وفلسفته بإشراف الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، وفي كل مراحل هذه الدراسات وما سبقها كان متفوقاً ومتقدماً.
كانت هذه الحقبة من أغنى سنوات عمر فقيدنا الدكتور عبد الكريم، بالتزامه ودوامه على دار الكتب المصرية، أشهر مكتبات العالم العربي في أثناء تحضيره رسالتي الماجستير والدكتوراه مع عدد من رفقاء دراسته أمثال الدكتور شاكر الفحام الذي أمسى وزير التعليم العالي في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي في وزارة البعث.
أجرى عبد الكريم لقاءات، وأقام علاقات بشخصيات علمية شهيرة في الجامعة وخارج الجامعة، واتصل بكبار المفكرين والأدباء والعلماء، وفي مقدمتهم الأديب المفكر الموسوعي، صاحب القلم الجبار، أو قل النحّار محمود محمد شاكر، الذي أسكت وأخرس كل الناعقين ضد القرآن الكريم والسنة الشريفة، واللغة العربية الفصحى، ودعوتهم إلى العامية، من أمثال لويس عوض وأشباهه، المشككين في حقائق الإسلام، والعازمين على إطفاء نوره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الضالون والملحدون.
كان عبد الكريم حريصاً على حضور ملتقى محمود شاكر حرصه على دراساته الجامعية في منزل الشيخ محمود الذي كانت ترتاده نخبة من المفكرين من مصريين وسوريين، ومن أقطار عربية أخرى في شرق الوطن العربي ومغربه، غير أن عبد الكريم راعه وصدمه أسلوب الأديب الكبير محمود شاكر في تناول شخصيات عظيمة بأسلوب غير لائق بأمثاله من الكبار، ومن ذلك ما سمعه ذات يوم من تجريح، ومن كلمات نابية - لا أستطيع إيرادها - في الإمام حسن البنا، فلم يقو المحب والمريد للبنا على سماعها، فانقطع عن اللقاء معرباً عن ألمه ونقده وإنكاره لما صدر عن الشيخ محمود شاكر، فأدرك هذا خطأه، واعتذر عما بدر منه، ودعا الأخ عبد الكريم، وطيب نفسه وخاطره، فعادت الأمور إلى مجاريها، وصدق الله العظيم):نعم العبد إنه أواب( وحادثة أخرى ذات شأن، لقد تواعدنا نحن الثلاثة (مصطفى الصيرفي حفظه الله، والدكتور عبد الكريم رحمه الله، والفقير إلى عفو مولاه) في القاهرة، لإحياء أيام الأنس والمودة فيما بيننا في ذات الله، وفي رحاب دعوة الإخوان المسلمين، فقال عبد الكريم: ثمة تزاور بيني وبين عبد الحق شحادة، فهل ترغبون في اللقاء به، فلديه أمور يجدر سماعها، فوافقت على التو، وتحفظ الأخ أبو محمد الصيرفي حيال ذلك، واعتذر عن اللقاء، وقبل الدخول في موضوع اللقاء، لابد من إعطاء صورة عن عبد الحق شحادة التي اكتملت في الذهن قبيل اللقاء وبعده، كان عبد الحق ضابطاً في الجيش السوري في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، وفي النصف الأول من خمسينيات القرن، كان من أركان حكم الشيشكلي في الجيش السوري هو وزميله حسين حِدّة.
بعد سقوط حكم الشيشكلي، غادر عبد الحق سورية بعد أن كان قد قاد حملة عسكرية على مقر المرشديين في جبل العلويين، وقضى على بعضهم ومنهم (مجيب) أحد أبناء سليمان المرشد، أقام علاقات مع عدد من دول المنطقة، فأقام بالقاهرة متعاوناً مع مدير المخابرات الفريق الماحي، وأسكنه المصريون إحدى الشقق المصادرة - باسم تصفية الإقطاع - ذات الأثاث الفاخر، وأقام علاقة مع السعوديين، وخصصوا له في مدينة جدة فيللا - وسبق أن زرته بها – فقال: لقد كلف فرشها مئة ألف ريال، وتعاون مع الصوماليين في عهد سياد بري، وحمل جوازاً دبلوماسياً صومالياً.. إلخ..
تم اللقاء مع عبد الحق شحادة في شقته بالقاهرة، فكان حديثه لي وللأخ عبد الكريم عن مصر وسورية، وخلاصته أن الإخوان إذا وقفوا ضد حكومة البعث في سورية، وزعزعوا أركانها، يفرضون وجودهم على الناصريين، الأمر الذي يؤدي إلى تخفيف الضغط عن الإخوان المسلمين في مصر، فقلت: هكذا يكون العلاج والموقف السياسي؟ إن مثل هذا الأمر يحتاج إلى حوار وتنسيق وترتيب بين المعارضين يتناول جميع المراحل، وتحديد المسؤوليات بدءاً من الكلمة الأولى، وحتى سقوط النظام، ليعرف كل طرف أين مكانه ومشاركته في مثل هذا الموضوع الخطير؟ ثم عرّج عبد الحق على تقويمه للحكم في مصر، وقال فيه ما قاله مالك في الخمر!! وذكر أن له كتاباً سينشره فيما بعد، عنوانه: من السبئية إلى الناصرية، جراء موقف الناصرية المعادي من الإسلام.
انتهى اللقاء على أن نلتقي ثانية في وقت لاحق، فاستأنفنا اجتماعنا في كفتيريا حوريس في شارع 26 يوليو، وإذا بي أفاجأ بإنسان آخر غير الذي رأيت وسمعت في الشقة قبل يومين، بدأ عبد الحق بلهجة زاجرة قوله: إلى متى تمسكون العصا من الوسط؟ لماذا لا تعلنون في بيان صريح أنكم مع جمال عبد الناصر إلى آخر هذه الطروح التي كان يضغط بها على .... الانحياز إلى عبد الناصر ضد الحكم في سورية الذي يسيطر عليه البعثيون، وقد استنتجت من ذلك أن عبد الحق راجع المخابرات المصرية، وعرض عليهم ما جرى في شقته من أحاديث، فأملوا عليه هذا الموقف، وزودوه بالآراء والأفكار التي كان عليه أن يطرحها بهذه الفجاجة والفظاظة.
لقد استفزنا موقف عبد الحق وتغيير موقفه، واستدارته مئة وثمانين درجة، فقلت على الفور، وبردود فعل غير مناسبة ولا محمودة:
- كل كلامك اليوم ومنذ يومين كنت تمهد له للطلب منا أن نؤيد الصنم؟ لقد كان هذا الحديث الفج مني مصدر إحراج لنا جميعاً، ولاسيما الأخ عبد الكريم الذي كان مقيماً في القاهرة، يتابع دراسته للدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، فحاول تلطيف الموقف، وتفسير كلامي بما يخفف من سلبياته وآثاره التي لا نعرف ما سوف تؤول إليه، دون جدوى، ثم افترقنا، وذهب كل منا إلى سكناه، شعرت بالخطأ الفادح الذي وقعت فيه، ففكرت بالمغادرة السريعة، وما هي إلا سويعات، حتى كنت في مطار القاهرة في الطريق لركوب الطائرة قبل أن تحيط الدوائر المختصة علماً بما جرى في اجتماع حوريس، ولم يمض يومان إلا وكان ضابط برتبة عقيد - إن لم تخني الذاكرة - يقرع باب الشقة التي يقيم بها عبد الكريم عثمان الذي رحب به ودعاه إلى الدخول، فكانت تحقيقات واستفسارات عن اللقاءات والأحاديث والأشخاص.. إلخ، ومرت السحابة الداكنة، بعد أن تأكدوا أن عبد الكريم لم يكن طرفاً في الذي حدث من اللقاءين المنوه عنهما قبل قليل.
هذه الصورة السلبية عن عبد الحق شحادة لم تقنع بعض الإخوة من حلب الذين عرفوا عبد الحق منذ أيامه الأولى، عندما كان عضواً في دار الأرقم - إحدى الجمعيات التي شكلت جماعة الإخوان المسلمين - فظل حسن الظن يغلب عليهم في الرجل، وبعد مرور سنوات، وحدوث الصدام في سورية بين الإخوان والنظام، ظهر عبد الحق في عمان، وزار بعض مقرات الإخوان عبر معارفه السابقة في الجماعة، ثم سافر إلى بغداد والتقى نائب الرئيس العراقي، وعرض عليه التعاون مع السلطة، بعد أن قدم نفسه من دعاة التيار القومي باعتباره أحد المؤسسين في الشمال السوري لحركة التحرير العربي برئاسة السياسي ظافر الرفاعي، ثم عاد إلى عمان، وزار عدداً من الإخوان، وشن حملة أمام الأعضاء على قيادة الجماعة متهماً إياها بالانبطاح - حسب تعبيره - كما شن حملة على العراقيين، وقام بتوزيع مذكرتين بخط يده، تقع إحداهما في 63 صفحة، والثانية في 21 صفحة بشكل واسع، فتلقفها عدنان عقلة الذي كان يتربص بالجماعة ويعتبرها عقبة في طريق طموحاته الثورية، وشرع بتصويرها وتوزيعها على نطاق واسع في الأردن وأوربا وفي كل مكان استطاع أن يوصلها إليه.
عاد عبد الحق شحادة إلى القاهرة بعد أن قطع حباله مع العراق والإخوان، بعد أن يئس من إقناع الإخوان ب.... مغادرة الأردن والعراق، فقال الشيخ سعيد حوّى رحمه الله:
- إلى أين يريد أن يقذف بنا عبد الحق؟ رداً على اقتراحه بمغادرة العراق والأردن.
توفي نائب الرئيس العراقي الذي أجرى عبد الحق الحديث معه، وتوفي الشيخ سعيد حوى، وتوفي منذ أسابيع أو أشهر عبد الحق، فالكل انتقل إلى جوار ربه، لنتعظ جميعاً، ونتذكر أن الحياة فانية، وأن العمر فيها ليس أكثر من سحابة صيف، تلوح وسرعان ما تنقشع، رحم الله الجميع وسامحهم وغفر لهم، وتجاوز عنا وعنهم وتغمدهم بالرحمة والغفران.


العودة إلى سورية
عاد الداعية عبد الكريم عثمان من القاهرة، يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية بامتياز وتفوق، ليشغل مقعد هذه الدراسة التي أوفدته الجامعة ليملأ كرسيها، غير أنه ألفى الأبواب موصدة في وجهه، وأن حكومة الأقلية زاهدة في كل المواهب والاختصاصات إذا لم تكن من المشايعين لها في أفكارها الشاذة، بالرغم مما أنفقته الجامعة على الموفد من تكاليف الدراسة.
كان اختصاصه مطلوباً في الكثير من الجامعات، فاختار التعاقد مع جامعات المملكة العربية السعودية، وسرعان ما طرح في الوسط الجامعي موضوع الثقافة الإسلامية، لتكون مادة مقررة في جميع كليات الجامعات السعودية، يدرسها الطبيب والمهندس والصيدلي وجميع الكليات العلمية، والحقوقي والأديب والمؤرخ والاقتصادي، فوجد اقتراحه قبولاً، وأخذ طريقه للتنفيذ.
عكف الدكتور عبد الكريم على هذا الموضوع، واختار بحوثه ومواده، وأصدر فيه مؤلفات دخلت في المناهج المقررة، يتقدم فيها جميع طلاب الجامعات إلى الامتحان كباقي المواد ذات الاختصاص سواء بسواء، ومنذ ذلك الحين، وبعد حوالي أربعين سنة ما زالت كتب الدكتور عبد الكريم عثمان مراجع للدراسة في فلسفة الغزالي، وفي الفكر المعتزلي، وفي الثقافة الإسلامية، رحمه الله وأجزل له المثوبة.


الرحيل المبكر
في منتصف الستينيات من القرن الماضي، هبطت طائرة في مطار دمشق كان على متنها الأخ عبد الكريم عثمان، فأبلغه موظف الأمن أن قراراً صدر عن الدوائر المختصة يمنع أربعة مواطنين من العودة إلى سورية، وهم:
عبد الكريم عثمان، ومصطفى الصيرفي، ونعسان عرواني، وعدنان سعد الدين، وقال الموظف: كل ما أستطيع أن أساعدك به، أن أترك لك وقتاً كافياً لاختيار الطائرة التي ستغادر بها إلى حيث تريد، فاختار طائرة متجهة إلى بيروت، وعندما وصلتُ إلى لبنان، أخبرني عبد الكريم بقرار المنع، فوجدنا في لبنان الملاذ الذي كنا نمضي إجازات الصيف في ربوعه، ونلتقي على أرضه بالإخوان من جميع المدن السورية، ومع الإخوة في لبنان الذين كثيراً ما كانوا يوجهون إلينا الدعوة إلى مقراتهم ومخيماتهم لنسهم في إلقاء الكلمات وتوجيه أبناء الجماعة الإسلامية في لبنان.
في مطلع السبعينيات حضر الأخ عبد الكريم إلى بيروت، فأنكرت ما رأيته فيه من أثر المرض البادي في صفحات وجهه وفي محياه، وعندما ألح عليه المرض راجع الطبيب المختص في مستشفى الجامعة الأمريكية الدكتور حداد، فطمأنه بادئ ذي بدء .بعد إجراء الفحوص الطبية اللازمة، ثم طلب منه بعد فترة قصيرة إعادة الفحص بإخراج قزعة من كبده، ففاجأه أن أيامه محدودة، وعليه القيام بتصفية أموره سريعاً، فهُرع إلى الكاتب بالعدل لاستخراج تفويض لأهله في شؤونه المالية والأسرية، ثم تدهورت صحته بوقت قصير، ولم يعد قادراً على الكلام، فكانت كلماته لا تكاد تسمع إلا همساً، عرضنا عليه العلاج في أي بلد يريد، لنرفع من معنوياته وحالته النفسية، وخيرناه بالذهاب إلى موسكو أو واشنطن أو أوربا، فاختار الذهاب إلى النمسا لوجود شقيق زوجته صلاح الحلاق في فينا للدراسة بها، فلم يلبث أن عاد منها بعد أن أكد له الأطباء استفحال المرض، فقد كانت حالته تنبئ عن اقتراب الأجل، فسعى له أصحابه وأحبابه بالسفر إلى منزل عائلته في مدينة حماة، وما هي إلا أيام حتى فارق الحياة، وانتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً.
لقد كانت وفاة عبد الكريم صدمة مؤلمة للإخوان جميعاً، ولاسيما لرفقاء دربه ومسيرته الدعوية، وخسارة للجماعة التي كان عبد الكريم عثمان - أبو علاء - من ألمع شبابها وأكبر دعاتها، فشيعته الجموع الحاشدة، وحملت جنازته على الأكف في 1972/9/9 بحضور عدد من أبناء المحافظات السورية الأخرى.
احتشدت الجموع على قبر الفقيد، فألقى الشيخ سعيد حوّى - رحمه الله - كعادته - كلمة مؤثرة، هيجت الأحزان، وعصرت قلوب المشيعين، ولامست أكبادهم، كما ألقى الشيخ عبد الله علوان رحمه الله كلمة باسم إخوان حلب، فسالت الدموع، وانسكبت العبرات حزناً على فراق زين الشباب، وفخر الرجال، وكان للأخ عبد المنعم نيربية - أبي عرفان - قصيدة نظمها في رثاء الداعية، إلا أن الأخ الذي يغلب على طبعه الحياء والانطواء أمسك عن إلقائها لظروف شخصية وأمنية، بانتظار الساعة المناسبة لنشرها، فجاء الأوان في هذا الملحق عن الفقيد في المجلد الثاني عن الإخوان المسلمين في سورية الغالية.
وهذه قصيدة الرثاء، وقد جاء فيها:

في التياع المُكلّمِ المفجوعِ
بتُّ أبكي حبيبَ هذي الجُموعِ
عَلَمٌ شامخٌ تلألأ فيه
مَعدنُ الخيرِ والرشاد البديعِ
مؤمنٌ ثابتُ الجنانِ.. ذكيٌ
ألمعيٌ.. إلى العُلا في نُزوعِ
وخطيبٌ يَسبيكَ سِحرُ بيانٍ
نحوَ مبنى تبيانِهِ المسموعِ
والمعاني موصولةٌ بمَعين
هو في ذروةِ البيانِ الرفيعِ
فيلسوفٌ ما زاغَ فيه فؤادٌ
عن صراطِ اللهِ البصيرِ السميعِ
خاضَ بحرَ الآدابِ خوضَ جَسورٍ
لا على اللهِ بل على الترقيعِ
سَرقاتُ المستغربينَ الحَيارى
لم تُضلله وهي صِنوُ الخُنوع
إنّ مَن صاحَبَ (الغزاليَّ) يَجني
من ثمارِ الفكر العميقِ الضليعِ
كيف تُغويهِ فلسفاتُ حَيارى
سقطوا في مزالقِ التشنيعِ؟!
إيهِ (عبدَ الكريمِ) نبراسَ جيلٍ
مؤمنٍ صادقٍ مُنيبٍ مُطيعِ
عُدتَ من (مصرَ) حاملاً لوسامٍ
جامعيٍّ في قمةِ الترفيعِ
ويحَ قومٍ لم يُكرموا فيكَ عِلما
وخلالاً تزهو كزهر الربيعِ
خوّفتهم مواهبٌ فيكَ عظمى
فنَفَوها تَحَكّماً في القَطيعِ
كيف يَرضَونَ أن تصدَّ شباباً
عن طريقِ الإلحادِ والتضييعِ؟!
كيف يَرضونَ أن تُزاحمَ رَهطا
وعدواً وابنِ اليسارِ الشيوعي؟
فلتُسافر إلى (الرياضِ) مُعاراً
وحرامٌ عليكَ مرأى الرُّبوعِ
(أحرامٌ على بلابلنا الدّو
حُ حَلالٌ) للبومِ في تشجيعِ؟
فالكريمُ الأصيلُ يُسجنُ أو يُنفى
وذو الموبقاتِ قبلَ الجَميعِ
وقريباً من منزلِ الوحي جاهَد
تَ بعزمٍ في خدمةِ التشريعِ
تَبذلُ العِلمَ في ظِلالِ اختصاصٍ
تَعبدُ اللهَ في لِباسِ الخَشوعِ
شَهِدَ العارفونَ أنَكَ قد كنتَ
كريمَ الأخلاقِ مثلَ الشُّموعِ
حينَ تُعطي من نورِها بسخاءٍ
بينما الجسمُ آخذٌ في الرّجوعِ
لَهفَ نفسي (أبا علاءٍ) على
الفِكرِ شهيدِ الداءِ العُضالِ المُريعِ
أحرقَتْكَ الآلامُ تغزو ببطءٍ
كبداً قد أُصيبَ بينَ الضلوعِ
فاجأتنا الأخبارُ بالشرِّ تَتْرى
فأسِفنا على الذُّبولِ السريعِ
لهفَ نفسي على الدّعاةِ كِباراً
كمْ مَشينا نَحُفُّهْم بالدموعِ!
كم بدورٍ سَنيةٍ قد فَقَدنا
وأولو الغَيّ في ازديادٍ مَنيعِ
رَبِّ عوِّضْ عنهم بأشبالِ دينٍ
سوفَ يَفدونَ دينَهم بالنجيعِ
رَبِّ والطُفْ بالمسلمينَ اليتامى
رَبّ رُحماكَ بالوليدِ الرضيعِ
رَبِّ ألهِم آل الفقيدِ اصطباراً
رَبّ أسكنهُ في جِوار الشفيعِ


حماة . الجمعة 30 رجب 1392هـ - 8-9-1972م.
رحم الله الفقيد الغالي، وأسكنه فسيح جناته، وواسع مغفرته، وجمعنا به في مستقر رحمته، تحت لواء المصطفى صلى الله عليه وسلم وآل بيته وصحبه، ومن سبقنا إلى رحاب الحنان المنّان الرحمن من أمثال الشهيد الإمام حسن البنا وكبير الدعاة مصطفى السباعي، وشيخ العارفين محمد الحامد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.







قديم 2010-12-31, 04:23 AM   #17
المراقب الـــــــعــــــــــام
الصورة الرمزية صقر الحالمه

صقر الحالمه غير متواجد حالياً
بيانات اضافيه
 تاريخ التسجيل: 26 - 5 - 2008
 رقم العضوية : 3791
 مشاركاتي : 107,264
 أخر زيارة : 2014-10-31 (08:02 PM)
 بمـــعــدل : 45.66 يوميا
 زيارات الملف الشخصي : 13644
 فترة الأقامة : 2349 يوم
 معدل التقييم : صقر الحالمه جديدصقر الحالمه جديد
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي الشيخ "محمود المشوح" (أبو طريف)









عبد العزيز المشوح/المركز الإعلامي
(الناس رجلان "رجل نام في النور" ورجل "استيقظ في الظلام")
ولعل الشطر الثاني من هذه الحكمة، ما ينطبق على عمّنا الشيخ الجليل محمود عمر المشوح (أبو طريف) رحمه الله.


1ـ بيئته:
لقد عاش الشيخ في بلدة بسيطة تتكئ على نهر الفرات، ملقية رجليها بمائه العذب، تغتسل وتتبرد من لفح حرارة الشمس الآتية من بادية الشام، وتستند بصدرها ورأسها إلى قلعة الرحبة (رحبة مالك بن طوق) تتنسم منها عبق التاريخ؛ الذي مرت عليه مئات السنين منذ عهد الرومان إلى هارون الرشيد، الذي كان يمر بجانبها وهو عائد إلى مصيفه في الرقة، تحت ظلال الأشجار السامقة، فلا يرى من أشعتها الحارقة إلا خيوطاً تتسلل من بين الأغصان في غفلةٍ من أوراقها وأزهارها، لتقع بين يدي الخليفة براقةً لامعةً "كما نثرت فوق العروس الدراه". ثم ليعود مع مياه الفرات المسرعة في انحدارها، متعانقة مياه دجلة حيث تتربع عاصمته العريقة بغداد، فيتطلع إلى ملك يُجبى إليه خراجه حيثما أمطر السحاب، نعم، عاش شيخنا كذلك.. وعاش صغيراً، ينطلق بين مسجد العائلة (مسجد المشوّح) الملاصق لبيت والده، والمطل على هذا النهر العظيم يستمع إلى خُطب والده الشيخ (عمر المشوّح) وإلى دروسه، ثم ليتأمل مياه النهر متدفقةً هادرةً تعلو وترتفع حتى تحاذي سور المسجد، وخاصة إبَّان الفيضان.. فلا يقبل أن تكون همته أقلَّ من همة هذا النهر العظيم، ثم لينظر من حوله فلا يرى إلا قبائل متناحرة، وعشائر متقاتلة. فتجتمع في نفسه معاني الإصلاح، والقيادة والرأي الحصيف فيأبى إلا أن يكون عالمها[1] الفذَّ، وقائدها المخلص، وزعيمها الذي يُلجأ إليه في الفتوى العرفية والشرعية ـ واستمع إليه يقول:


2ـ نشأته وحياته:
"لقد ولدت ونشأت في منطقة الميادين... البلدة الصغيرة على شاطئ الفرات العظيم، وأكملت دراستي الابتدائية في مدرستها الوحيدة آنذاك ـ ثم انتقلت إلى الكلية الشرعية في دمشق، فقضيت فيها عامين ونصف العام طالباً مجداً نشيطاً، بالرغم من أنني لم أكن أرغب في هذا اللون من الدراسة ـ لأنني كنت أحب أن أتخصص في دراسة الأدب العربي ولكن وفاة والدي في منتصف عام 1945م ورغبة من حولي في أن أخلفه في منصب الإفتاء فرض علي الانقطاع عن الدراسة ـ وعملت معلماً في المدرسة الابتدائية في بلدتي لمدة عام واحد، وفي منتصف عام 1946م عينت مفتياً في منطقة الميادين خلفاً لوالدي". رحمه الله.
عمره سبعة عشر عاماً وهو يتقلد منصب الإفتاء، فقد ولد عام 1929م ـ واستلم الإفتاء عام 1946م في بلد تتنازعه الخلافات القبلية، والنزعات العشائرية، حياة هذا البلد مع الأرض وزراعتها، وعيشه مع الرعي والتجارة، حياة بسيطة.. ولكنها مليئة بالأسئلة، والخلافات.. تحتدم وقد تصطدم.. ليعود بها المآل إلى شيخنا الجليل ابن السبعة عشر ـ يفتي فيها، ويحل مشاكلها ـ ويخرج الجميع سواء كانوا غاضبين أو راضين، ولكنهم واثقون محبون.
كان ذلك يتطلب منه أن يكون سابقاً لعصره. نابغاً في علمه، همته تناطح الثريا، وعزمه لا يفتر ولا يلين، واستمع إليه يقول "منذ بلغت السادسة عشرة من عمري لم أجلس من أحد مجلس التلميذ من الأستاذ، ولم أتلق تعليماً منهجياً، ولم أحصل على أية درجة علمية عاليه، ولكني واجهت مسؤوليات الإفتاء بما تحتاج إليه من علوم معمقه ومتشبعة، وأرجو أن أكون قد أديت أمانة المنصب على نحو مقبول، ولقد ساعدتني بلدتي الطيبة بهدوئها النادر، وناسها الذين غمروني بحبهم وثقتهم على أن أصنع لنفسي المناخ العلمي الذي هيأ لي أن أتعلم الكثير في وقت قصير ٍجداً، ولقد منَّ الله علي بحافظة قوية وذهن لماح كان أمضى سلاحٍ واجهت به مسؤولياتي العلمية."


3ـ صفاته:
أما صفاته الخَلْقية: فكان نحيفاً، طويلاً، أبيض البشرة، لحيح الوجه، عيناه سوداوين تميلان إلى البروز قليلاً في أنفه أَنَفَ، جللَّ الشيب رأسه منذ شبابه، تلمح علائم الذكاء على محياه طليق اللسان، هادئ الحركة، متئد المشية، إذا مشى فنظره إلى الأرض أو ربما كانت نظراته مسرحاً لخياله وأفكاره، لا يلتفت يمنة ولا يسرة.

ـ وأما صفاته المعنوية:
فقد كان هادئ الطبع، واسع الصدر، حليماً، عاقلاً، جاداً في ما يعمل يلاطف جلساءه ويمازحهم، إذا تكلم فكأنما يغرف من بحر بهدوء وروية لا يتكلم إلا أن يُسأل، وإذا أجاب أجاب باختصار، أما إذا خطب فلا تكاد تسمع كلماته عند الابتداء، ثم يرتفع صوته رويداً رويداً فكأنه البحر هائجاً، والرعد مزلزلاً ـ ولعل فيما قال ابن المقنع عن صديقه شيئاً مما فيه: "تراه ضعيفاً مستضعفاً حتى إذا جد الجد فهو الليث عادياً".
كان كالريح المرسلة في كرمه ـ لا يبخل على أضيافة بما عنده ـ ولا يخرجون يوم الجمعة من بعد خطبته إلا وقد طُعموا، ما بقلبه أوثق مما في يده، إذا مَرَّ في السوق يصرف الذي في جيبه ثم يرجع خالي الوفاض. وإذ ا رأى كتباً استعرت نار الشراء في نفسه حتى يبذل كل ما عنده وربما استدان فوقها.. كم ظَنَّ أطفاله عند ما يأتي من السفر أن بيده عُلب الحلوى حتى إذا ما فتحوها وجدوها كتباً" وصدق القائل:
لا يعرف الدرهم الصياح صُرتَّه لكن يمر عليها وهو منطلق
وكان شجاعاً لا يعرف في الله لومة لائم، في الستينات عندما كان حزب البعث في أشد قوته وجبروته أصدر مدير التعليم في المحافظة أمراً بمنع الحجاب لمن تدخل كلية المعلمين، وفي يوم الجمعة وعلى المنبر وقف ليقول: "لقد أصدر هذا الوغد قراراً بمنع المتحجبات من دخول الكلية وإن لم يتراجع لأُرسلنَّ له من يبعج بطنه" ويوم كان الصِدام بين السلطة "والإخوان المسلمين" على أشده في الثمانينيات" استدعاه أعلى رأس في هرم السلطة، وأرغى وأزبدَ وتهدد وتوعد. فقال له بكل جرأة: "إن التاريخ والواقع لا يؤيدان موقفك، فقد فعل (غيرك) أكثر من ذلك (عبد الناصر) فأعدم وقتل وسجن وشرد، وبعد ثمانية عشر عاماً عادت هذه البذرة للنماء والارتفاع، لأن التربة تلائمها، والجو يساعدها فالأولى أن تُحقن الدماء ويتعايش الجميع لبناء هذا البلد ورفعته".


4ـ همته وعصاميته:
كان ذا همة عالية، وعزيمة صلبة، ونفسٍ أبية ويصدق فيها قول الشاعر:
إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمه ونَكبَّ عن ذكر العواقب جانبا
حمل المسؤولية شاباً، وهل أكبر من ذلك مسؤولية؟ أن يقعد مقعد المفتين، صاحب القول الفصل، والحُكم العدل. والرأي المسدد، والحجة الدامغة، تطلب هذا منه أن يشمر عن ساعد الجد وأن يهجر النوم وينبذ الراحة، فكان يسهر ليله على مصباح تلك الأيام (لمبة نمرة أربعة على الكاز) حتى الفجر، ثم ينام قليلاً ليواجه السائلين والشاكين، وأصحاب القضايا والخلاف. حتى الظهر، وربما جاء من أقلق راحته خلال القيلولة، ليعود بعد العصر إلى نشاطه العلمي، ثم يأتي المساء ليسهر عنده كبار السن يتنادمون ويتحاورون في أمر البلد ومشاكله، حتى إذا انصرفوا عاد إلى ديدنه ورجع إلى عادته، كان قارئاً نهماً، وعقلاً حافظاً، وقلباً زكياً، ولساناً طلقاً، وهمةً تناطح السحاب؛ وربما انتهت قراءة ما بحوزَته من الكتب، فإنه يعود إلى المعاجم يُقلّبها ويستخرج دفينها، ويصنف كنوزها فقد ذكر: أنه في فصل شتاءٍ قارس أعاد قراءة "القاموس المحيط" عدة مرات وهو يستخرج الكلمات، من العامي الفصيح، أو الكلمات ذات الإيقاع الموسيقي أو الكلمات الوحشية الغريبة وهكذا...، وكان يقول: إنه يستعيد الفقه كل عام مرة، ولم تكن قراءته قاصرة على كتب الفقه والتفسير والحديث فهو يقرأ في الأدب وفنون اللغة وأساليبها، والسياسة، والاجتماع وأفكار الشرق والغرب.
يدعمه في كل ذلك ذكاءٌ وقادٌ، وحافظةٌ عجيبةٌ، حتى إني سمعت من بعض أساتذتي في دمشق وكانوا معه في المعهد الشرعي: "أنهم كانوا يتبارون في حفظ القصيدة ذات الخمسين بيتاً فيحفظها من المرة الثالثة، ولو سمعت خُطَبَهُ وهو يأتي بالكلام بنصوصه وحذافيره" لأخذت منك الدهشة والعجب كُلَّ مأخذ.


5ـ حياته الفكرية:
أينما رأيته رأيت معه الكتاب: جالساً أو ماشياً، وحتى نائماً تجد بجانبه الكتاب، لا يملُّ المطالعة، ولا يتعب من القراءة، ويصدق فيه ما قال الشاعر: "أنا من بدَّل بالكتب الصحابا".
"وخير جليس في الأنام كتاب" فالكتاب رفيقه في السفر والحضر، في الصحة والمرض، قال لي أحد أصهاره (وأنا واحد منهم) أتيته بصندوق كبير من الكتب. فقرأه في أسبوع. التقيت معه ومع أحد الدعاة المشهورين، رحم الله الجميع، فقال له الشيخ الداعية: ما رأيك يا أبا طريف في كتبي؟ فقال له لم أقرأها.. فجاءه في اليوم التالي بها، وبعد أسبوع أعاد عليه السؤال، فكان جوابه: إنك يا شيخ سعيد لا تثق بقارئِك، فأنت تُعيد الفكرة أكثر من مرة، ثم إن طريقتك في التأليف غريبة، فأنت تنقل الكتاب الكامل وتضعه ضمن كتبك ـ فضحك الشيخ، وقال: هذا صحيحٌ وبرر منهجه في ذلك.
وكان جريئاً في طرح أفكاره، وفي التراجع عنها إن وجدها غير صحيحة فهو يقول: "لقد أخذت العهد على نفسي، منذ وعيت، ومنذ شددت عليَّ إزاري ـ وما أظن أحداً من الذين لابسوني وعايشوني يختلف على هذه النقطة ـ أن أكون مع الحقيقة باستمرار، ولو أدى ذلك أن تنفرد هذه السالفة.. لا يمكن أن أكون إلا مع قناعاتي أرضيَ الناس أم غضبوا، أما أن أعمل ضد قناعاتي فلا، ثم لا، ـ وليتكم تسمعون كيف تخـرج من فمــه هـذه اللاءات الغاضبة ـ "لا يمكن أن يكون ذلك، لأنني حين أفعل ذلك أتجرد من رجولتي، ومن شرفي ومن ديني بالذات" ويوصل الناس إلى القناعة فيقول :"إن الله لم يقبل من أحد تقليد أحد وإنما طالب الكل بأن يتمتعوا بمزايا الإنسان، وخصال الرجال، وأن ينظروا إلى الأمور نظر الحر المتحرر". ويعلق أحد تلامذته: "هذه هي الحال التي قربتنا إليه، وقربته منا.. كنا حين نلتقي نتحاور ونختلف، وكان يحلو له أن يسمعنا، ونحن نخوض بحرِّية في أفكارنا.. وكان يرد علينا بندِّية لا تشعرنا بصغرنا، ولا يبدو لنا أنه يتواضع أمامنا، لكنه كان صارماً قاطعاً مع خصومه."
ولعلَّ مثالاً من خطبه عن العلم التي أخذت منه وقتاً طويلاً خلال عام 1980م يريك مكانة الرجل وعميق فهمه: "فقد أعطى صورةً عن العلم في الإسلام وعن مفهوم العالم ما لم يسبق إليه ولا يدركه فيه بعده أحد.. لقد توصل إلى أن العلم الذي هو أعلى مرتبة من الجهاد..عملاً وشرحاً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "من طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع". وتوصل إلى أن العالم لا يكون عالماً حتى يعمل بالذي يعلم وحتى يُعلِّم الناس. وأن العالم اكتسب منزلته، وأخذ وصفه هذا من خدمته للناس الذين يعاشرهم، وتوصل إلى أن العلم في الإسلام جاءت الدعوة إليه مطلقة فهو طلب الحقيقة وقال: "أنا لا أستطيع أن أطلب الحقيقة إذا لم أركض وراءها في كل مجال وفي كل ميدان".
عاب على القوى والأفكار أن بعضها يَردُّ بعضاً لمجرد العداوة.. وأنها تُنفِّر وتختلق أكاذيب وترهات ما أنزل الله بها من سلطان بحق بعضها.. وهذا صد الحقيقة.. وميدان العلم في الإسلام تَنَزَه عن هذه الصغائر، وارتفع فوقها، وقال: "أنا لا أستطيع أن أتصور العالم المسلم يرد الفكر الليبرالي، أو الفكر الماركسي، أو يرفض الحضـارة الإنسانية التي تراكمت عبر سبـعة آلاف سنة: "لا أستطيع أن أتصور مسلماً يقف موقفاً من هذا القبيل.. لماذا؟؟ لأن هذا الموقف سيؤدي بنا إلى أن تتشكل في أذهاننا عن الحقائق التي هي موضوعات؛ أوهام وتصورات زائفة ما أنزل الله بها من سلطان، وبهذا نقع في الظلم الذي نهى الله عنه وبهذا نبخس الناس أشياءهم والله عز وجل يقول "ولا تبخسوا الناس أشياءهم".
وعمر رضي الله عنه يقول: "إنما تُنقَض عُرى الإسلام إذا نشأ في الإسـلام من لا يعـرف الجاهلية". وأنا أُلحُّ على هذه النقطة ولأي سبب؟! لأنه أصبح في هذا الزمن المُر، من الأمور التي يتحلى بها كثير من المنتسبين إلى الإسلام، والمنتسبين إلى العلم أصبح من الأمور المألوفة أن تذكر أمامه الناتج العلمي الحديث فيرى ذلك مجرد زيغ وفسوق.. أعوذ بالله، وأجارنا الله. وما أشبه ذلك.
"كُلَّ موضوع يصلح للإدراك هو موضوع من موضوعات العلم، والمسلم مطالب به والحض على العلم جاء مطلقاً، لم يأت مقيداً قال لنا الإسلام: تعلموا العلم بإطلاق..."
ومن خلال تأكيده على إطلاقية العلم وشموليته كمزية للإسلام لم يتوقف عند معرفة علوم القدماء. ولا يجوز التوقف عندهم: "لأننا على أبواب تحولات جذرية في واقع مجتمعاتنا ـ نحن المسلمين ـ ونحن على أبواب مآزق حضارية خطيرة على المستوى العالمي والإنساني ولا يجوز أن نتصور أن ما عندنا في الكتب الصفراء يكفي.. غلط.. هذا غلط إن الكتب الصفراء على العين والرأس ولكنها كتب أفرزتها عقول عاشت في فترات تاريخية معينة، شهدت تحديات محددة استجابت لها استجابة محددة فهي محكومة بظروفها محكومة بإطارها التاريخي.
اهتمام الناس اليوم.. آلام الناس اليوم.. العَمَاء الذي يقاسيه الناس اليوم، من الضلال الكبير ومن الخطأ الفادح أن نتصور أن المسلمين يمكن أن ينفذوا فيه نفاذاً صحيحاً إذا هم طرقوا أبواب الأقدمين، هذا غلط.. إنَّ لكل عصرٍ مشكلات ذات الطعم الخاص، ذات الوصف الخاص، لا يجوز أن نُحجَّم مشكلات اليوم بالأطر السابقة، هذا فشل، هذا فرار من معاناة أكلاف العلم ومقاساة شدائد الطلب، إن لنا اهتماماتنا الخاصة بنا، وكل جيل، حتى في العصر الواحد، كل جيل تختلف نوعية المشاكل في نظره عنها في نظر الآخرين الذين يعيشون في نفس المحيط، وفي نفس المكان، العلم يجب أن يبقى كما وصفه الله تعالى.. وكما حدده النبي صلى الله على وسلم ـ "في إطاره العام: لا محظور؛ وسلاح التحليل والتحريم يجب أن يبطل في ميدان العلم.. ".
وضرب مثلاً قال: "لاحظْ: نحن نتسول الخبرة العسكرية وفن التسليح، ونتسول المنجزات الصناعية بفروعها المختلفة.. هل فكَّر أحدٌ من العلماء الذين يملؤون أركان الأرض بالفتاوى عن جواز المجلات التي تنشر الصور أو عدم جوازها.. هل فكر أحد من هؤلاء أن يقول لنا ما هو حكم الإسلام في أمة المسلمين.. التي تعجز عن صنع إبرة، أيجرؤ أن يقول لنا إن الأمة كلها صغيرها وكبيرها عالمها وجاهلها واقعة في الإثم وواقعة في الحرج بسبب عدم سد النقص الماثل في هذه القطاعات في حياة الناس، إنَّ حكم الإسلام هنا واضح وواضح وضوحاً لا لبس فيه؛ يحرم علينا نحن المسلمين أن تكون حياتنا مفتقرة إلى الخبرة التي تأتينا من الآخرين وحيثما وجد النقص يجب سده "من خطبة في بداية العام الهجري 1401 هـ" هذه بعض آرائه الجريئة والتي لا يخشى من إعلانها.


6ـ حياته السياسية:
لقد تطورت أفكاره مع رسوخ علمه، وعميق تجربته، فقد أغرته الأفكار القومية في بداية شبابه، والبلاد تخرج من نير الاستعمار الفرنسي، وحركات التحرر تنطلق في العالم العربي وتزهـو بحريتها وعـروبتها، ولكـنَّه سرعـان ما تركـها لمـا رأى فيهـا مـن محـدودية، وحـزبية، وعنصرية، وبُعدٍ عن الدين القويم ليئرز إلى إسلامه وعقيدته فكان المسئول عن "الإخوان المسلمين" في بلده "الميادين" في أوائل الخمسينيات، يجوب منطقة الفرات مع إخوانه بعمامته البيضاء الأنيقة، وجبته الكاسية الفضفاضة يخطب هنا ويحاضر هناك ويدَّرس في الفقه، والحديث، والتفسير، ثم يقف في خطبه على المنبر، من الأحزاب الأخرى موقف المفند والمندد بكل جرأة وشجاعة، حتى إذا قامت الوحدة بين مصر وسوريا وانحلَّت الأحزاب بقي صوتُه مجلجلاً على المنابر.. وعندما حدث الانفصال بين مصر وسوريا عاد ليهاجم الانفصاليين وليمجد الوحدة، وليس الرؤساء، ويطالب الجميع بأن الوحدة وسيلة المسلمين إلى جمع كلمتهم وظهور قوتهم أمام أعدائهم، ثم جاء حزب البعث ليحاصره، ويضغط عليه ويسجنه فما وهت منه عزيمة ولا فترت منه قوة، ولا خفت منه صوت، ولا انكتم منه رأي، فلما حدثت نكسة 1967م كان هو وإخوانه في السجون، فأفرجت السلطات عنهم خوفاً من أن تضرب السجون، ولتظهر السلطة بمظهر داعية الوحدة الوطنية والمدافعة عن الأمة والوطن ضد "إسرائيل" وأعوانها، وكان يقول مازحاً: "إن موشي دايان هو الذي أخرجنا من السجن". وفور خروجه من السجن بدأ سلسلة من الخطب يحلل فيها أسباب النكسة، وأحوال الأمة ويهاجم فيها أصحاب الآراء المنحرفة، والأفكار اليسارية، والعلمانية ليصل إلى منهجية الإسلام في الحكم، وعدله في المجتمع، وخلاص هذه الأمة من هزيمتها بالتمسك به والسير على سننه. وكان المسجد وما حوله يكتظ بالمصلين المُحبطين لما حل بالأمة من انكسار وخذلان، راجعين إلى ربهم، عائدين إلى دينهم، لُتحيي خُطبُ الشيخِ فيهم الأمل، وتبعث فيهم الحياة.
وهكذا بقي ـ كما هو ـ واقفاً في وجه الطغيان، جاهراً بالحق، معلناً النكير، لا يبالي بظلم السلطان وجبروته. "أما السلطان فحدِّث ولا حرجْ لقد تلـقى ُكلَّ هـذه الضروب من المحاصرة، والمتابعة والتضييق راضياً، واستقبلها محتسباً، بلا شكاة ولا تبرم، إنه الحلم الذي استوعب فيه الغضب، والإباء الذي قـابل فيه الإغـراء، والصـبر الـذي داوى به الـجـزع، والشجاعة التي ذللت الصعاب، والرضى الذي كان سكينة وبلسماً وارتياحاً".
وقد ذكر في أحد خطبه "أن رئيس الدولة لا مانع عنده أن يمدَّ يده لأمريكا إذا مدت يدها إليه فقال معلقاً "إن اليد التي تمتد إلى أمريكا سنقطعها" لا يعرف الخـوف إلى قلـبه سبيـلاً، وخلال أحداث (السلطة في سوريا مع الإخوان المسلمين) كان يُخطِّئْ بعـض الأفكار، وينادي بالتعقل، ويلجم الشباب عن التهور رغم أنه كان يتابع حركاتهم، ويتبعهم إلى الصحراء ليتفقدهم ويلبي حاجاتهم، فقلبه معهم ولكنَّ فكره ولسانه لا يرضى بكثير من تصرفاتهم، وعندما انتهت المحنة (وإن لم تنته بعد) كان كثير من هؤلاء الشباب يتذاكرون أحاديثه، وأقـواله وأفكـاره، فيعترفون بصحتـها وبمواقفهم الخـاطئة تجاهها ومن أقواله:
"أنا لست من الصنف الذي يتهرب من المسؤولية؛ مسؤولية الأب ومسؤولية الموقف، وأنا جاهز للمناقشة، ويسرنا أن نكون مخطئين ويسرنا جداً أن يكونوا مصيبين، فماذا نبغي إلا الإصلاح لهذه الأمة، وإلا فلاح هذه الأمة. هذا هو الشأن الذي نشأنا عليه، وعشنا من أجله ونرجو الله أن نموت عليه".
وقد مُنع من الخطابة عام 1985م وجلس في بيته مختاراً السجن الذاتي بعد أن أقعده المرض، وهو يحمل هموم الأمة "وهو بذلك يعتبر نفسه على طريق صديق قراءته وعمره ورفيق دربه أبي العلاء المعري.. فذاك رهين المحابس الثلاثة "النفس والبيت والبصر" وأبو طريف رهين المحبسين "البيت والنفس" وكان يقول الله يسترنا من الثالثة.. رحمه الله.
ولعل الذي ذكرته شيئاً بسيطاً من حياته السياسية التي كانت مليئة بالصدام والنقاش واحتراق الأعصاب، وتعدد السجون، وتضييق الخناق، والمنع والحرمان حتى ختمت بالمرض العضال والانتقال إلى جوار ربه راضياً مرضياً.


7ـ حياته الاجتماعية:
تربى في بيت علم وتقوى، والده كان مفتياً وجده كان عالماً جاء من العراق، ولا يزال لأقاربه وأبناء عمومته مكانه علمية ودينية في عانة والرمادي في العراق (وهم يعـرفون ببيت السيد هديب) فأقام في الميادين على نهر الفرات وبنى فيها مسجداً تُؤدى فيه الصلاة، وتقام فيه الدروس وكانت العائلة على صغرها مرجعاً في الفتوى الشرعية والعرفية، الجميع يحترمهم والكل يقدرهم فلا يكون اجتماع إلا وهو في مقدمته ولا وساطة إلا وهو في أولها، ولا إصلاح إلا وهو على رأسه، الكل يطيعه ويحترمه ويسمع رأيه فقد جمع الفِرق المتناحرة، وحل الخلافات المعقدة، وقرَّب الآراء المتباينة، وعاش لأمته ومجتمعه ودعوته ولعل من المناسب أن نذكر له بعض الآراء في الأحوال الاجتماعية: فقد خطب في الخمسينيات خطبة في دير الزور: ذكر فيها أنه بصفته مفتياً للمنطقة يطالب الأغنياء أن يؤدوا حقوق الفقراء، فإن لم يفعلوا فيحق للفقراء أن يأخذوا حقوقهم عنوة، وكان نتيجة ذلك أن خرجت مظاهرة تجوب البلد تطالب بحقها من أموال الأغنياء.
وقد وقف يوماً على المنبر ليطالب أهل البلد أن يجتمعوا لصلاة العيد خارج البلد في مصلى واحد كما كان يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي يوم آخر وقف ليطالب أهل البلد بجمع صدقة الفطر في صندوق واحد توزع على البيوتات الفقيرة كلٌ حسب حاجته فتشمل الفرحة الجميع ولا تذهب هذه الأموال بدداً.
وكم من مرة وقف ليندد بحالات الفساد الاجتماعي، والتقاتل العشائري وليعلنها حملة شعواء على كل قاتل أو مفسد أو متعدٍ على الحرمات والأنفس.
ولكم وقف أمام الجميع أوقات الانتخابات البلدية أو النيابة ليعلن رأيه بصراحة "إننا كعائلة لا نعطي أصواتنا إلا لمن يلتزم هذا الدين ويعاهد على ذلك".
ولقد كان بيته مجمع الناس وملتقاهم في السراء والضراء والأعياد والمناسبات وحتى في الأيام العادية لسائلٍ أو شاكٍ أو مظلوم أو محتاج.
رحمك الله يا أبا طريف وجعل ذلك في ميزان أعمالك.


8ـ تطور أفكاره وقراءاته:
"الذين سمعوا لفقيدنا العزيز وأصغوا إلى آرائه لأول وهلة قالوا متسرعين: إن الرجل غارق في التراث وحده إلى أذنيه، متمسك بها إلى حد التعصب؛ لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن الرجل يقرأ المكتبة العربية كتاباً واحداً فهو يقرأ كتاب التفسير والحديث والفقه، إلى جانب كتب اللغة والشعر والمعاجم على حد سواء بل يضيف إليها ما غاب عن كثير من علمائنا ومشايخنا من الفكر العربي؛ بشقيه الاشتراكي والرأسمالي ويتكلم في هذا الفكر وكأنه واحد من منظريه حيث يسرد مقولاتهم بأمانة وإتقان ثم يكشف ما فيها من ثغرات، وعثرات غير متجاهل ما فيها من صواب وفائدة، ساعده في ذلك ذكاء وقاد، وحافظةٌ واعية، وأدبٌ ومصابرة، حتى لا تراه إلا منكباً على كتاب أو حاملاً له بلا ملال أو كلال، فإذا علمت ذلك ذهب عجبك لأسلوبه القوي الرصين ومفردات لغته العالية المتدفقة في سهولة وانسياب بلا تكلف أو تردد أو التواء".
ولعل في كلامه ما يوضح الصورة حيث يشرح أسلوبه في تناول المشكلات والقضايا المعقدة يقول رحمه الله: "وبطبعي حين أتكلم، إن لم أتكلم على حادثة عينية مقصودة، فأنا أتجاوز بكلامي دائماً إطار الواقع بل إنني في الغالب أتجاهل الواقع، لأتكلم في إطار علمي لأشَّخص قضاياه، أحرص في كل مسيرتي بينكم على أن تكون واضحة غير ملتبسة، فأنا غالباً حين أتحدث.. أتحدث للمستقبل بنسبة 90% وأتحدث للحاضر بنسبة 10% فقط لسبب بسيط هو أننا نعيش أياماً لها ما بعدها عَلِمَ ذلك من عَلِمْ... وجَهِلَ ذلك من جَهِلْ... إن الذي نعيشه اليوم سيترك آثاره على مدى سنين طويلة مقبلة، ومهمة الإنسان المفكر أن يؤطر للمستقبل أن يحاول تطويق الأحداث أن يستوعب الحدث قبل أن يولد، وإلا لم يكن قائداً ولن يكون مرشداً ولن يكون أهلاً لأن يستحق شرف الكلام إلى الناس وللذين لا يفهمون ما أقول.. أذكر لهم أنني لست يائساً كما أنني لست غاضباً....إن الحقيقة أقوى من الجميع وكما تعلمون فقد توصلنا قبل قليل إلى أن العلم في الإسلام هو طلب الحقيقة".
ومن اعتداده بنفسه وثقته بآرائه وأفكاره مبرراً ذلك: "لكن الشيء الذي يدعوني لتحرير الكلام حقاً وصدقاً هو أنني إذا أتكلم فإنني أنطلق من موقع أمتي وشعبي، ولا يجوز أن يكون الأمر خلاف هذا "...
ولذلك كان يواجه مواقف الآخرين بقوله: "مرات كثيرة وقفت وحدي ضد القطيع كله.. ضد التيار السائد لا أبالي ولا أسأل نفسي عن النتيجة التي يمكن أن تكون طالما أعرف أن الأرض التي أقف عليها صلبة فأنا بفضل الله على بينة من أمري وثقة بأن الناس سيفيئون إلى المواقع التي أنا فيها بالذات".
ولعلي أضرب مثالاً يبين جرأته وصراحته وعلمه من مسالة ثار حولها الجدل وتباينت الآراء ألا وهي ولاية الفقيه: هذه المواجهة على المنبر تطرق إليها في عرض مسألة ثارت يومها الآراء حول ولاية الفقيه وكان قد ندد بولاية الفقيه وأكد أنه لا يمكن أن يوافق ولا لحظة على مفهوم ولاية الفقيه وشرح ذلك بقوله: "على الأقل لسبب مصلحي وهو أن الفقهاء عندنا هاربون من القرون الوسطى... هاربون من عصور التخلف والجهالة.. ويعيشون اليوم بين الناس بأثواب تلك القرون... عالمهم غير عالم اليوم... إدراكهم غير إدراك الناس... مفاهيمهم غير مفاهيم الناس اهتماماتهم غير اهتمامات الناس، هذا السبب المصلحي القريب الذرائعي على الأقل يمنعني من الموافقة على إعطاء الفقيه والعالم أي دور..." وبسبب هذا الموقف من الفقـهاء قال: " لقد قلت كلاماً عارضاً عن الفقهاء في معرض الحديث عن ولاية الفقيه فسَّره بعض الناس تهجماً على الفقيه ثم قال: لو أن الناس عرفوا الفقهاء من هم لعرفوا أن فقهاء اليوم لا علاقة لهم به.. لأن الفقه شيء غير ما يعرفون وغير ما يقرأ في بطون الكتب.. الفقه هو العلم مضموماً إلى السلوك مضموماً إليه التحرك الإيجابي على أعلى الوتائر من أجـل نصر الحقيقة، أما الفقه اليوم فإنه يسير في الركاب.. وتبحث في مشرق الأرض ومغربها فلا تجد فقيها قادراً على الإدلاء بآرائه ومواقفه، ومواكبة العصر الذي يعيش فيه.. هذه هي الحقيقة ومع ذلك لم يكن في ذهني أن أهجو الفقه والفقهاء وإنما كان في ذهني أن أستنهض الهمم إلى ضرورة أن يتعلم الناس، وإلى ضرورة أن يدرس الناس أبعاد هذا العلم".
وكثيراً ما كان يراجع أفكاره وينتقد نفسه ويذكر تأملاته وآماله. وهذه شهادة صهره وابن عمه وأحد الملاصقين له "وهنا لابد من وقفة مع الرجل في مراجعاته لآرائه، وتجديد نظراته كلما رأى فيها نقصاً أو لمس فيها جنفاً سواء جاء ذلك من غيره، أو من تأملاته الذاتية، وهذا هو الأغلب في تلك المراجعات ذلك أن من حوله لا يستدركون إلا في النادر، ولا يلاحظون إلا لماما لما يسمعون من فكر مدهش، وأسلوب أخاذ وقول بليغ وحجة ناهضة لكنه هو الذي يجدد دائما ويتخلى عن مقولات كثيرة أطلقها في أوقات ثم رآها بعد ذلك لا تصلح لما فيـه من حال، ولمِا أغناها من معرفة متجددة وسعة إطلاع دائمة مستمرة وأذكر هنا واقعتين سمعتهما منه وشهدتهما معه.. "الأولى": أني ذكرت له يوماً أن بعض الإخوان قد فرغوا تسجيلات خطب الجمعة في موضوع تفسير القرآن حسب ترتيب المصحف، وله في هذه الخطب تسجيلان أحدهما حسب الترتيب المعروف في الكتاب الكريم وهو القديم، والثاني حسب النزول وهو الأحدث فرد علي: رحمه الله باطمئنان وتمكن: "إن هذه الآراء التي وردت في كلامي قد تجاوزتها منذ زمن وأعدت النظر في معظمها ولو تهيأ لي الوقت والمناسبة لقدمت مراجعة كاملة لها لذا فأنا أتمنى على الشباب ألا ينشروا شيئاً منها" وعندئذ توقفنا عن ذلك المشروع وليتنا لم نفعل. والواقعة الثانية: في هذه البابة وقد حدثني بها في لقاءٍ معه بعد غياب طويل قال: لقد كتبت مجموعة ممتازة في نظريات الحركة للعمل الإسلامي المعاصر وقَّعَّدْتُ أسساً فكرية متينةً لعلها تفيد في انطلاقةٍ إسلاميةٍ سليمةٍ لكنني وبعد أمور ترامت أخبارهـا مـن أوسـاط تَدَّعي، ولا تعمل، وتقول ولا تفعل، وتشوِّهُ ولا تستقيم رأيت، تأجيلها ثم رميت بها إلى النار وأنا أنظر إليها بأسىً وحسرة".
ونبَّه إلى أن الأشرطة التي سجلها، يمكن أن يستخدمها من يشاء وكيف يشاء ولكنه أكد قائلاً: "لا أريد لأحد أن ينسب إلي ما جاء فيها من آراء.. فآرائي لم يكتمل بناؤها كنت أعمل على إثارة الساحة وإثارة الأرض بانتظار بذرها؛ فكرةٌ تأتي من هنا وأخرى تأتي من هناك ووعدت أن أجرد الحصيلة في المستقبل لنصنف ونستخرج قواعد الحركة وأنا أعرف أن في هذه الدنيا أناس يأتون إلى الشيء الكامل فينتقصونه فما بالك في الشيء الذي لم يكتمل بعد. إنَّ الأفكار التي طرحتها جزء من فكرتي النهائية التي لم تطرح بعد (من خطبة له في تفسير سورة البروج 22 نيسان 1977م).
ولعل آراء الشيخ رحمه الله كانت تثير حفيظة كثيرٍ من الحسدة والحاقدين أو أنه لا يجد لها صدى في نفوس مستمعيه فلا تحرك ساكناً، ولا تثير راكداً، أو أنها أكبر هموماً، أو أعلى مقاماً مما يفكر به الآخرون، فيكتم الشيخ صدره على سرٍ دفين، وألم مرير وفجيعةٍ كبيرة.
لقد خطب في الناس وقال ما يكفي لإحياء الحجر وبعث الحياة فيه، ولكنه صمت المقابر من حوله أوحش دربه، والهراء الكثير من حوله جعله يصمت ويراقب، وهو لا يحتمل هذا الهراء لأنه يعرف أن السالكين على درب الحياة لا بد أن يعرفوا أن الأمر ليس لهواً بل هو جِدٌّ، وأن عاقبة العبث بثقافة الأمة وبعقولها وبنفوسها وبتاريخها وبماضيهـا وبحاضرهـا عـاقبة مخـوفـة، فأمارات الحقد الدفين التي لا تهدأ مدته، والمكر السوقي المبتذل الذي لا يجلب إلا الغثيان داءان ابتليت بهما الأمة ولم يعد للشرفاء إلا العودة إلى مواقفهم وحصونهم للمراقبة بصمت.... ".


9ـ تفسيره للقرآن واهتماماته الفكرية الأخرى:
لقد اهتم الشيخ رحمه الله كثيراً في شرح القرآن الكريم، وفصَّل في مقاصده وأسهب في تفسـيره، وكشف عن الكثير من لطائفه بخطبٍ طوال قضى بها ردحاً كبيراً من أيـام حيـاته، وله سلسلة من الخطب في موضوع القرآن الكريم على حسب ترتيب السور في المصحف، ثمَّ أتبعها بسلسلةٍ ثانيةٍ في التفسير بحسب نزول الآي الكريم لكن ليس لديه من المطبوعات سوى تعليقاتٍ قليلةٍ على هامش القرآن الكريم، وهو مطبوعٌ ومعروضٌ في الأسواق ودعه يحدثك عن ذلك يقول: "إن عشرتي للقرآن الكريم طويلة ٌجداً، فهو الرفيق الدائم والمحور الذي يدور حوله تفكيري كله، لقد درست التفاسير التي وقعت بين يدي وهي بالعشرات، وتنتمي إلى مختلف المذاهب والطوائف، وتعتمد في التفسير مناهج شتى، ولا أقول إنها لم تقع مني موقع والرضى، ففي كل منها علم لا يستغني الإنسان عنه، ولكن هذه التفاسير تحمل أمزجة مؤلفيها وصورة المناخ العقلي للعصر الذي كتبت فيه وكثير منها غطى فيه حشد العلوم المختلفة على الحقيقة القرآنية الناصعة...".
ويحدثنا عن مشروعه لتفسير القرآن الكريم حيث إنه لم يكتمل ولم ير النور فيقول: "والتفسير الذي أعمل فيه الآن وآمل أن أدفع به إلى المطبعة مع نهاية هذا العام إن شاء الله.. له هدفٌ محددٌ ويعتمد على منهجيةٍ واضحةٍ وبسيطة أما الهدف فهو أن أضع القارئ أمام الحقيقة القرآنية غير مثقلةٍ بأية شروح لا ضرورة تدعو إليها، أن أجعله يواجه النص الإلهي مواجهة العرب الذين خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن.. وهذا أحرى أن يترك فيهم من الأثر ما ترك في أسلافهم، هذا هو الهدف باختصار....".
ثم يحدثنا عن المنهج الذي اتبعه في ذلك: "وهذا الهدف هو الذي رسم حدود المنهج ويمكن تلخيصه فيما يلي:
"هذا القرآن نزل بلغة العرب وخوطبت به الأمة العربية قبل سائر الناس وجاء نظمهم الكريم على الأساليب المعهودة في مخاطبتهم نبيهم فمن أجل ذلك اعتمدت على حيوية اللغة العربية وقدرتها على الأداء المباشر وغير المباشر، ومن هنا رفضت أي تأويل لا يتسع لهُ لسان العرب ولا تأذن ُبه طرائقهم في البيان:
أ ـ لقد كان يَغْمضُ على بعض من سمع القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَهْم مواطن معينة من كتاب الله تعالى فكانوا يفزعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبين لهم ما يحتاجون إليه من بيان، ولهذا فقد التزمت ببيان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا صمت نسبته إليه، ذلك هو الفرض عليَّ، وعلى كل دارس للقرآن الكريم لأن الله تعالى وضع نبيه من كتابه موضع المُبَيَّن عن الله سبحانه وتعالى معنى ما أراد في تنزيـله وذلك في قـولـه تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم).
والقرآن حمَّال أوجه كما قال الإمام علي كرم الله وجهه في الجنة: "وليس من الأمانة العلمية أن نلتزم وجهاً واحداً ولا نرى غيره، إذا كان الكلام الإلهي يحتمل وجوها من التأويل لأن في هذا عدواناً على خصيصة من أهم خصائص الكتاب الكريم، وهي المرونة التي لا تشكل قيداً حديدياً على الفكر البشري ولذلك فقد حرصت على إبراز الوجوه المحتملة في التأول ضمن الحدود التي تسمح بها أساليب هذه اللغة الشريفة...".
ب ـ قلما تجد تفسيراً لا يحرص مؤلفه على أن يحشد فيه كل ما تصل إليه يده من المسائل العلمية وبعض المفسرين أسرف على نفسه في هذا وأسـرف على قـرائه إسرافـاً غير مستساغ، وليس مما يعلي من شأن القرآن أن يتطابق مع الحقائق العلمية وإن كان ذلك يزيد الذين اهتدوا هدى، لأن الكلام الإلهي هدايةٌ وإرشاد، والمعرفة العلـمية شأن بشـري بـحت، وهذه المعرفة العلمية ماضية في طريقها ـ سواء وجـد الـوحي الإلهـي أم لم يـوجد ـ والخلط بين الميدانين مسلك شديد الخطورة على الوحي والقلم جميعاً، وما مأزق شراح التوراة والإنجيل ببعيدة عن الأذهان، لذلك حافظت على محل الهيمنة القرآنية على التفكير البشري، وتجنبت الخوض في المسائل العلمية.
ج ـ وليس يذهب عني إن شاء الله تعالى أن سليقة اللغة اليوم قد تراجـعت تراجـعاً خـطيراً، وليست الشكوى من استعجام الألسنة دون الشكوى من استعجام العقول. وأنت تعلم أن كل سورة من سور القرآن الكريم لها شخصيتها المحدودة ذات الملامح الواضحة ـ وأن نظم القرآن يسير على نهجه الخاص، وأن جزئيات السورة تتلاقى على إبراز قضيةٍ، أو قضايا محددة، وهذا الإدراك الشامل للهدفية القرآنية يحتاج إلى معاناة شاقة، لذلك حرصت على أن أقدم لكل سورة بمقدمة مختصرة تشرح أغراضها وتحدد أهدافها، فذلك أحرى أن يجعل الإدراك المناسب لمعنى ما أراده الله في كتابه أيسر منالاً, تلك هي أهم الملامح التي يمتاز بها هذا التفسير. فإذا أعان الله تعالى، ومنَّ على ببلوغها إنني إذن لسعيد.". وربما يسعد هو رحمه الله وهو يتفيأُ ظلال القرآن وقد أنجز ولو جزءاً منه، أما نحن فلم نسعد بعد لأننا لم نرَ شيئاً مكتوباً، وإنما هذه الأشرطة التي بين أيدينا والتي تحتاج إلى من يكشف كنوزها، وينفض غبارها ويستخرج أفكارها لتسعد فيها أجيال من الشباب تتلهف للإطلاع عليها والاستفادة منها.
ولعلَّ هذا ما يقودنا إلى السؤال: لماذا لم يكتب الشيخ؟ لماذا لم يسجل هذه الأفكار النيرة في كتب تنتشر بين الناس وتستفيد منها الأجيال، رغم هذه المشاريع الضخمة والأماني العظام؟! والجواب تجده عند من لازمه واطَّلع على تفكيره وأسلوبه ومعاناته فهذا الأخ ريـاض إدرار يقول: (لقد أثار أبو طريف مسائل عديدة هامة في حياة الأمة وعالج نقاطاً كثيرة وكل ذلك كان على المنبر حيث مجمع ثقافته، ومنهج تفكيره وأسلوبه الجامع، وخلاصة فكره.. ومشكلة أبي طريف أنه لم يكتب ولو كتب لكان لكتبه شأن أيَّ شأن وهو يدرك أنه لو كتب لملأَ الـدنيا، وشغل الناس، ولكنه لم يفعل.. وأحب أن أنقل لكم لحظة من هذه اللحظات الإنسانية المعبرة عن المعاناة مما جعله يفكر بإعادة الحساب مرة بعد مرة.. مما جرى ويجري، كان ذلك في نهاية شرح سورة البروج عام (1977) في 22 نيسان قال: (بقي أن أتحدث إليكم حديثاً خاصاً أرجو قبل كل شيء أن تسمعوه وأرجو أن تفهموه أحب ألا يَستاء، ولا يتأثر أحد. أنا الآن أدلف نحو الخمسين من عمري.. عشت بينكم، ولكم فرضت على نفسي سلوكاً صارماً وطريقة لا يقدر عليها أحد وأقول هذا تحدثاً بنعمة الله وإذا حذفت كل شيء فلا أستطيع أن أحذف من حياتي السنوات العشرة الأخيرة، كانت لي آمال حدثتكم ببعضها، وطويت القسم الأكبر منها... مضينا في مسيرة كثيراً ما قلت لنفسي لعلك يا فلان لم تكن مُوفقاً في اختيار الساحة، ولا مُوفقاً في اختيار الأداة وكنت أخبر النفس، ومن جرب مثل تجربتي عرف الذي أعرف حين أقول لكم إن طريق الدعوة إلى الله زرع الداء في جسمي فيجب أن تعرفوا أن هذه حقيقة وما آسف.. ما آسف).
ولعل صهره وابن عمه (فاروق المشوح) أدرى في بيان عدم كتابته وتفسيره للعبارة التي أطلقها الأستاذ عبد الله الطنطاوي... حين وصفه (بأنه ظُلم حياً وظلم ميتاً) وأي ظلمٍ أعظمُ من أن تغيب هذه العبقرية الفريدة بلا تسجيل تقرأه الأجيال أو نشرٍ تستفيد منه الأمة لقد جاء الظلم على الرجل من أكثر من جهة، الجهة الأقرب من إخوانه الذين كانوا حوله وقريبين منه ممن لم يخدم تلك الأفكار المبدعة، وذلك بتسجيلها في وقتها، والرجوع إليـه في تحقيقـها والتثبت منها، والناحية الأخرى التي جاء منها الظلم؛ هي من جهته هو إذ كان رحمه الله شديد الوطأة على نفسه بما يمكن أن يسجل عليه من رأي أو يصدر عنه من قول أو فتوى إلا بعد مراجعة صارمة وتمحيص دقيق إذ كان كثير المراجعة لهذه الآراء فلا يقبل من القول مبتسراً، ولا من الرأي فجاً متهوراً". ويقول أيضاً "ولم يسلم من ضروب أخرى من الظلم وقعت عليه من الناس والبيئة والسلطان... فإذا كان المكان قد أعطاه فرصة التفرغ للعلم والمعرفة والتحصيل.. فقد حصره في دائرة بعيدة التأثير والنشر والذيوع، وإذا كان الناس قد قدرته وبوأته المكانة والمهابة والاحترام، فقد حرمته العطاء الواسع والاستفادة والخير العميم أما السلطان فحدث ولا حرج).
هذه نظرة الآخرين، أما نظرته هو فشيء آخر: "لقد لاحظت أثناء دراسـاتي المنهجية، والخاصة أن من الناس من لا يدقق فيما يكتب أو يقول كما ينبغي، وجاءت هذه الملاحظة في وقت مبكر جداً ذلك بأنني منذ البداية وبالرغم من أنني قارئ نهم، فأنا قارئ ناقد أفكر طويلاً فيما أقرأ وفيما أسمع وأنا أعلم أن الكلمة المكتوبة لها في أذهان الناشئة محل القداسة والبداهة التي تعلو على النقاش، وإذا وجد خطأ في الكلمة المكتوبة فسيعيش طويلاً في عقول الناشئة وسيحتاج إلى جهود مضنية لتصحيحه، من هنا نشأ لدي عبء من الكلمة المكتوبة غير المحددة ـ لأنها قد تجني على أجيال ـ وهذا أحد سببين جعلاني أحجم عن تقديم إنتاجي إلى الناس ـ أما السبب الثاني ـ فهو أني أصبت بضعف في العيون في سنٍ مبكرة، فاضطررت إلى أن ألقي الخطب، وأقرر الدروس دون الاستعانة بشيء مكتوب، واستمرت هذه الحالة عشرات السنين فكان من ذلك أن جار اللسان على القلم، وإنه لمن الهين أن أتحدث الساعتين أو أكثر دون خطأ عقلي أو لفظي، ولكني أحس بضيق شديد إن أنا اضطررت إلى كتابة صفحة واحدة.


10 ـ كتاباته الأخرى:
ورغم معرفتنا للأسباب التي منعته من الكتابة، سواء ما عبر به عن نفسه أو ما قاله الآخرون عنه، وما اختصره بقوله البليغ "أن اللسان جار على القـلم" فقـد كـان لعلـمه بقية من أثر، وأثارةٍ من علم، وربما في رسالةِ المازني للعقاد: "أين لا أين تولى قلمي، أكلته النار نار الألم؛ كله..!! كلا لقد أبقت هباء" "ولعل من هذا الهباء ـ وهو ليس بهباء ـ ما يحدثنا عنه فيقول:
"وهذا لا يعني أنني لم أكتب شيئاً، فقد كتبت الكثير، ولكن نصيب النار مما كتبت كان كثيراً أيضاً، وحتى الأعمال الجاهزة لا أستطيع أن أعلن عنها لأني عادة أفقد اهتمامي بالعمل بمجرد الفراغ منه، وعلى ذلك فلست أدري متى يكون طعمة للنيران... لقد نشرت لي عدة قصائد ومقالات في مجلة الثقافة التي كان يصدرها في دير الزور الأستاذ جلال السيد، كما نشرت لي قصائد ومقالات قليلة في صحف دمشق وبيروت، فهذا أنا، وليس من العدل أن يغلب مني ما لست به بأهل، والله يسامح الذين يظنون بي ما ليس في."
ولعل فيما يقوله صهره وابن عمه واللصيق فيه، ما يوضح جوانب أخرى جاءت بعد حديثه السابق ولم يعلن عنها في حينها: "لقد قدم الشيخ الجليل للحركة الإسلامية أكثر من دراسة ومشروع للعمل الإسلامي يعرفها إخوانه القريبون منه، والمتصلون به وكثيرٌ من قادة الحركة الإسلامية، ولا ينس هؤلاء وأولئك مسودة المشروع المعروف "منهاج الثورة الإسلامية في سورية" الذي أرسله بداية الثمانينات ومع بوادر الحركة ونشاطاتها في تلك المرحلة، حيث ظهرت نسخة المنهاج بطبعته المعروفة والمعروضة لدى الإخوان."
وقد أجاب عن سؤال لمراسل مجلة النهضة الكويتية: صدر لك مؤخراً (شرح غريب القرآن) لماذا انتهجت هذا المنحى الصغير، ولم تصدر عملا كبيراً؟ فأجاب:
"شرح غريب القرآن الكريم الذي صدر لم يكن ضمن اهتماماتي، ولكنه كان تلبية لرغبة الأخ الناشر وهو الذي وضع له هذا العنوان، وهو أدرى بحاجة سوق الكتاب ولكن الشيء المؤكد أن أعمالاً من هذا القبيل تؤدي لقارئ القرآن خدمة جليلة، فالكثير من ألفاظ القرآن الكريم يصعب فهمه على القارئ، فإذا وجد إلى جانب الآية شرحاً لغريبها فقد كُفِيَ مؤونة الرجوع إلى كتب التفسير أو معاجم اللغة وهذا الشرح الموجز يمتاز؛ بكونه أعطى لمفردات القرآن معانيها المرادة بها، في المواطن التي وردت بها فمن المعلوم أن القرآن الكريم أعطى بعض المفردات من مدلولات شرعية، لم تكن لها أصل في الموضوع اللغوي، ومن المعلوم أن المفردات تأخذ مدلولات إضافية من خلال السياق الذي وردت وقد حرصت على أن أنص على ذلك في هذا الشرح، وأرجو أن أكون قد وفقت إلى ما أردت".
وعن اهتماماته ومشاريعه يجيب: "أنا بطبيعة الحال معني بالأدب العربي، وكان هو زادي في أول النشأة ولدي الآن اهتمامات أدبية لا أحب الإعلان عنها فدعها تعلن هي عن نفسها بإذن الله، أما الشعر فقد قرضته في وقت مبكر ونشرت قسماً منه، ولكني هجرت الشعر تماماً منذ عام 1962م فلم أكتب منه شيئاً لأنني اكتشفت أن الأغراض الشعرية التي يمكن أن أبدع فيها لا تتلاءم مع الأهداف التي رسمتها لنفسي، وأنا الآن معنيٌ بالتراث بصورة خاصة، فلقد يحز في نفسي أن يظل هذا التراث الفني حبيس دور الكتب، ولست أدري كيف تكتمل شخصية الأمة إذا لم تقع يدها على تراثها كاملاً، وبين يدي مخطوطات أعمل على تحقيقها توطئة لنشرها، منها: شرح صحيح البخاري لابن الملّقن، وشرح مختصر صحيح مسلم للـقرشي، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهيد.. وغيرها وأرجو أن يعينني الله على ذلك".
أما عن رأيه في الشعر الحديث فهو يقول: (الشعر الحديث تسمية تقع على لونين من العمل الأدبي، الشعر المنثور، والشعر الحر؛ أما الشعر المنثور فأنا استبعده من دائرة الشعر؛ لأنه نثرٌ وليس أكثر، وأما الشعر الحر فأنا أقرأ منه ما كتبه رواده، من أمثال.. نازك الملائكة.. والسياب.. وفدوى طوقان.. ونزار قباني.. واجد مشقة كبيرة في الكثير مما اقرأ لهم، ولكني ألاحظ أن الكثيرين منهم يسقطون في إغراء النثرية، لقد حافظ هؤلاء الرواد على موسيقى التفعيلة، وهذا هو الأساس في الشعر، مضافاً إليه حسن التعامل مع اللفظ، وتحميله أقصى طاقة شعرية ممكنة، ولا بأس على الشـعر العمودي من الشعر الحديث.. إذ يبدو إن الشعر العمودي ألصق بالطبيعة العربية من سواه من أفانين القول، والشعر العربي عرف التنوع في أزهى عصوره، والرباعية، والدوبيت، حافظـاً على القافية بصـورة جزئية، وشعر الموشحات أهدر وحدة الوزن في أبيات القصيدة الواحدة كما تجاوز مسألة القافية، ويبقى الشعر الحديث من أرق أفانيين الأدب إذا تهيأت له أسباب الإجادة... ".

ولعلي أختم بنصيحة للشباب:
"إن على شبابنا العربي المسلم أن يدرك بصورة عميقة جداً، أنه يحمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأَبَيْنَ أن يحمَلْنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، وعليه أن يدرك بنفس العمق أنه يحمل على كاهله وفي أعماقه مواريث قرون من التخلف، والتشتت، وسوء الظن، ووهن الروابط الاجتماعية، وضياع الهدف الذي وُجد هذا الإنسان العربي المسلم من أجل بلوغه، فواجبه المُلِّح أن يعمل بكل قواه على كسر طوق التخلف وتصحيح المسار الحضاري الإنساني، هذه مسؤولية ضخمة قد يبعث الرعب في القلب مجرد التفكير بها، ولكنها يسيرة على من يسرها الله له".
وليس غريباً أن يهتم الشيخ بالشباب، فقد كان رحمه الله ـ مقصد الشباب من جميع الأنحاء في المنطقة وغيرها من المحافظات السورية لحضور خطبه وسماع أرائه والاستفادة من علمه.


11ـ مرضه ووفاته:
لقد تحمل الشيخ من الهموم والآلام ما أثقل كاهله وأوهن جسده، فتكالب عليه الداء واصطلحت عليه الأمراض، وكان هَمُّ الدعوة أكبرها، وأثقلها على نفسه، كما قال: "إن طريق الدعوة إلى الله زرع الداء في جسمي". فقضى السنوات الأخيرة من عمره لا يخرج من بيته وفي مساء السبت الثالث والعشرين من شوال 1420هــ الموافق 29 كانون الثاني 2000م ـ وقد كان هادئ البال رضيَّ النفس، طلق الوجه ـ خرجت روحه إلى بارئها راضية مرضيه "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" ولقد كان موكب جنازته في بلدة الميادين، يوماً مشهوداً لم تعرف المنطقة في تاريخها مثله.
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضةٌ غداةَ ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ
رحمك الله ـ أبا طريف ـ في الأولين، ورحمك في الآخرين، وأسكنك جنة النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
وصدق القائل:
ولقد عُرفت وما عُرفت حقيقةً ولقد جُهلت وما جُهلت خمولا


12ـ رثاؤه:
رجع الجميع بعد دفنك حزانى، ثكلى، باكين، بكاه بلده، وبكاه إخوانه، وبكاه منبره، وبكاه مصحفه، وبكاه الفرات: فهذا هو ابن عمه الدكتور وليد المشوح يقول:


مـا للفرات إذا حدثته انتحبا
ما للشواطئ تشكو النهرَ لوعتها
مال للميادين تبدو اليوم واجمةً
وأرسل الآه دمعاً يحرق الغَربا
كأنها افتقدت أماً لها أو أبـا
كأنما الدهرُ أعياها بما سلـبا

وهذا ابن عمه الأخر وصهره فارق المشوح يقول:

أي روح ذلك الشيخُ مثـالَ العلـماءْ
لم يهادن باطلاً لم يلن إلا لحـق في انحناءْ
عاش فقراً؛ عِـزةُ العلم بفقرٍ في إبـاءْ
عاش قهراً موكبُ الحـق يثيُر الجـبناءْ
عاش ظلماً، جيلنا ـ نحن دعاة الله ـ رباه البلاءْ
حسبه في هذه الدنيا بلاءٌ ومـع اللهِ اللقاءْ

قصائد كثيرة هي التي قيلت في موكب الحزن والألم والحسرة ولعلنا نختم بخاطرة حفيدته (نسيبة المشوح) "أيها الراحل عذراً":
"يا سيدي ربما لا يعرفك كثير ممن لم يروك ولكن حسبك أن تعرفك منابر ومآذن هززتها فتساقطت رطباً جنياً، وحسبك أن تعرفك آياتٌ وسورٌ كانت في شفاهك نشيداً سماوياً.. تفسيراً ًينقلنا إلى هناك.. إلى سدرة المنتهى.. إلى حيث يجتمع رواد قافلة قادمة من مسارب التاريخ وسائرة إلى الأعالي.. وحسبك أن تعرفك صحائف طويتَ فيها جُلَّ أيامك.. يا سيدي.. يا لؤلؤة في عقد انفرط فلم تتساقط حباته، وإنما تطايرت تُرصَّع السماء بالحنينْ وترصعنا بالأنينْ.. وحسبك أن يعرفك ظالمون قتلتَ الأمنَ في حناياهم فأصبحوا يرونك وأنت رهين حجرتك... ناراً تحرق باطلهم.. شهاباً يمزق كيدهم فخافوك وأنت الأعزل كما لو كنت جيشاً مدججاً باللهيب.. وهل جيشٌ مدجج باللهيب أقوى من قلبٍ مدجج بالإيمان واليقين...؟!
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى أَنَّ الثرى يعلو على الأطواد


المراجع :
1ـ مجلة (النهضة الكويتية)، مقابلة صحفية بمناسبة صدور (غريب القرآن)
2- محاضرة الأستاذ (رياض درار) ـ "حياة وفكر لم تكتمل" / لم تسمح السلطات بإلقائها.
3- (الشيخ محمود المشوح في الذكرى الرابعة لوفاته). وأيضاً مقال عن حياته بمناسبة وفاته. (فاروق المشوح).
4- (الشيخ محمود المشوح مع العلماء الراحلين)، مجلة المجتمع الكويتية/ "عبد العزيز المشوح في رثائه".
5- مع مراثي أخرى متعددة.







قديم 2010-12-31, 04:24 AM   #18
المراقب الـــــــعــــــــــام
الصورة الرمزية صقر الحالمه

صقر الحالمه غير متواجد حالياً
بيانات اضافيه
 تاريخ التسجيل: 26 - 5 - 2008
 رقم العضوية : 3791
 مشاركاتي : 107,264
 أخر زيارة : 2014-10-31 (08:02 PM)
 بمـــعــدل : 45.66 يوميا
 زيارات الملف الشخصي : 13644
 فترة الأقامة : 2349 يوم
 معدل التقييم : صقر الحالمه جديدصقر الحالمه جديد
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي العالم المجاهد الشهيد: محمد خير زيتوني







العالم المجاهد الشهيد: محمد خير زيتوني




عبد الله الطنطاوي*/المركز الإعلامي
نشأته:
ولد الشيخ محمد خير زيتوني في حي أقيول بحلب الشهباء، عام 1948م، لأبوين صالحين تقيَّين، بلغ من صلاحهما حرصُهما الشديد على المال الحلال، فلا يغذّيان أنفسهما وأولادهما إلا من المال الحلال، وقد زرعا هذا في نفوس الأولاد، فشبُّوا عليه، وكان محمد خير أحرص الجميع عليه. وشيء آخر كانا يحرصان عليه، هو مَلء البيت بتلاوة القرآن الكريم، في الصباح والمساء، الأمر الذي حبّب القرآن العظيم إلى نفس محمد خير، فعكف عليه حتى حفظه على يد أبيه الشيخ عبد القادر زيتوني وهو فتى!.
في هذه البيئة الصغيرة الصالحة نشأ الفتى محمد خير على حبّ الله ورسوله والإسلام.

تعليمه:
دخل الفتى المدرسة، كسائر فتيان حيّه، وأنهى فيها المرحلتين: الابتدائية والإعدادية. ولحبّه وحبّ أبويه الإسلام، ترك المدرسة النظامية الرسمية، ودخل المدرسة الشعبانية الشرعية، ليدرس العلوم الشرعية والعربية على أيدي عدد من كبار علماء حلب، وفي طليعتهم العلامة الشيخ عبد الله سراج الدين "رحمه الله"، والعلامة الشيخ أحمد القلاش، وسواهما من العلماء العاملين الداعين إلى الله على بصيرة. وكان الفتى محمد خير متفوّقاً في دراسته وسلوكه وأخلاقه، فأحبّه مشايخه، واستمرّت الصِلات الطيبة بين التلميذ وبين أساتذته العلماء، إلى أيامه الأخيرة في حلب؛ فقد رأوه مكبّاً على علوم الدين وعلوم اللغة العربية، يرتاد مجالس العلم والعلماء، والمكتبات العامة والخاصة، يطالع كتب الفقه والتفسير والحديث، ويسأل سؤال طالب العلم الذي يرغب في العلم ليتقوّى به على طاعة الله، وخدمة الإسلام والمسلمين، وليس لحمل شهادة تكون مطيّة لوظيفة يعتاش منها هو وأسرته، كأكثر خريجي المعاهد والجامعات.
ثم انتسب إلى كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر، وتخرّج فيها عام 1977م.

في تيّار الحياة:
بعد أن تخرّج في الكلية الشرعية (الشعبانية) عمل الشيخ محمد خير إماماً في مساجد حلب، وليس في مسجد واحد، كسائر الأئمة. والسبب في ذلك، أن الشيخ محمد خير ما كان ليرضى أن يكون موظّفاً لدى الأوقاف كسائر الموظفين، يغيّب الشموس، ليقبض الفلوس. كان يريد أن يكون (إماماً) للناس، وأن يعيد للمسجد رسالته ووظيفته في هذه الحياة، كما أرادها الإسلام، وطبّقها الرسول القائد صلى الله عليه وسلم، فكان الشيخ الشاب محمد خير يصلّي بالناس صلاة تتميز من صلاة كثير من الأئمة، بالخشوع في تلاوته المعبّرة عن المعنى المراد، وليست كأيّ تلاوة تصحّ بها الصلاة فحسب… كانت تلاوته متميّزة في شدّتها ورقّتها، وفي وقفاتها، وفي وصل الآيات بعضها مع بعض، وكذلك كان الخشوع في الوقوف والركوع والقيام والسجود، وفي التكبير والسلام…
وبعد الصلاة صِلات… صلة مع هذا الفتى الذي توسّم فيه الخير، وذاك الشاب… يجيب على أسئلة المستفتين من الكبار والصغار، ويجلس معهم، ويصحبهم إلى بيته، ويكرمهم بلا تكلف، ويزورهم في بيوتهم، ويتعرّف إلى الآباء والإخوة، ينصحهم، ويدعوهم إلى أن يعمروا بيوت الله، بصوته المشحون بالحنان، وبابتسامته العذبة التي لا يفارق طيْفُها مُحَيَّاه الطلْق، ويلقي كليمات قصيرات بعد بعض الصلوات، ولكنها ذات معنى، وفيها روح، وليست مجرد كلمات ترمي بها الريح في مكان سحيق… فيجتمع عليه الناس في الحيّ الذي يصلّي إماماً بمسجده، والعيون المتجسسة التي تحصي على الناس أنفاسهم تتابعه، والمخالب تكتب التقارير عن خطورة هذا الشيخ على الحيّ الذي يصلي فيه! وتقترح نقله إلى مسجد آخر، فيُنقل الشيخ، وقد أسس خليّة قبل أن يغادر الحيّ، وأحكم الصلة ببعض الشباب والرجال ليتابعوا ما بدؤوه معه…
وهكذا كان الشيخ الشاب يتنقّل من مسجد إلى آخر، وكان يستفيد من تجاربه في المسجد الذي سبق أن عمل فيه، حتى تراكمت لديه الخبرات الدعوية، وهو ما يزال في ريعان الشباب، وأفاد منها عملنا المسجدي.
وفي عام 1965 تفتّق ذهن الشيخ عن أسلوب طريف في الدعوة إلى الله. إن أهل المساجد صالحون بجملتهم، وينالهم حظهم من دروس الشيوخ وخطبهم… لكن أهل "السينمات" بعيدون عن هذا. أفلا ينبغي أن نغشاهم في أماكنهم؟! ولكن كيف ندخل السينما، ونشارك في التفرّج على "أفلامها"، ومعظم ذلك فسق؟!
قرر الشيخ أن يدخل إلى السينما قبيل انتهاء "الفلم" من الباب المعدّ للخروج، وحيث يفتح الباب في الدقائق الأخيرة من عرض الفيلم. ويصعد إلى المسرح فور إشعال الأضواء، ويفاجأ الناس بشيخ ينادي فيهم: أيها الناس، يا جنود محمد، يا أحباب الله… ثم يعِظُهم موعظة قصيرة مؤثّرة… وحين يشعر أنه ملَك قلوبهم، يدعوهم إلى التوجّه إلى المسجد الأقرب… وتستجيب له الجماهير.
ويحسّ أصحاب دور السينما بالخطر، بسبب ضياع زبائنهم، وتتولى السلطات مهمة "الحفاظ على الناس من الهداية" فتعتقل الشيخ…

في الجندية:
سيق الشيخ الشاب إلى خدمة العلم كسائر الشبان، ولكنه لم يكن مثلهم، بل كان الداعية الذي لا يفكر إلا بالأسلوب الأمثل للاتصال بالناس، ودعوتهم إلى هذا الدين العظيم الذي وهب له حياته، وآلى على نفسه أن تكون نفسُه الفداءَ له، وأن يكون وقته وراحته وماله وكلُّ إمكاناته مسخّرةً له، مبذولةً في سخاء من أجله.
وساءت حركتُه الضباطَ (إياهم) وخاصة قائد اللواء 132 العقيد المأفون: محيي الدين خليل الذي كان يتلقّى التقارير عنه خاصة، وعن العسكريين الآخرين عامّة، فهدّده وتوعّده بالسجن وما في السجن من (مبهجات) النظام، ولكنّ الشيخ المجنّد الداعية لم يكفّ عما انتدب نفسه إليه، ودخل السجن، وكان داعية في السجن، وتأثّر به عدد من العساكر، فنقلوه إلى قطعة أخرى، وإلى سجن آخر، والمجنّد الداعية ماضٍ في طريقه، ودائرة المتأثرين به تزداد اتساعاً. وكلما ضيّقوا عليه، وجد المخارج لنشاطه، وكان الله يوفّقه فيما هو فيه، لما علم من إخلاصه وصدقه في جهاده، وصبره ومصابرته على أعدائه… كان توفيق الله حليفه حيثما حلّ وارتحل.

في مصر:
ذكرنا أنه انتسب إلى الأزهر الشريف، وكان يذهب إلى مصر مرّة كل عام، ويبدو أن نفسه كانت تتوق إلى البلاد التي ظهر فيها حسن البنا ودعوته المباركة، التي كان ينتمي إليها، ويحبّها، ويفتديها بكل شيء… كان يحنّ للإمام الشهيد، وللسيّد القطب الشهيد، ولتلاميذهما، وخاصة الذين ذاقوا ألوان العذاب في سجون الفراعين الصغار، فكان يفتش عنهم، ويجلس إليهم، ويستمع منهم، ويغذي فكرة الجهاد والاستشهاد من تضحياتهم، فزار السيدة المجاهدة الجليلة زينب الغزالي، وسمع منها الكثير، وبنى علاقة حميمة مع الخطيب المتميّز الداعية عبد الحميد كشك، رحمه الله رحمة واسعة. وكان يحضر خطبة الجمعة لديه في مسجد (دير الملاك) في القاهرة، وبعد الصلاة يذهب إلى غرفته، ويصيح وهو واقف في الباب:
- السلام عليكم ورحمة الله.
فيهتف الشيخ الكشك:
- أهلاً بالشيخ محمد السوري. تفضلْ!
ويتزود الشيخ محمد خير من علم الشيخ، ومن روحه وتجاربه، ما يجعله يعود إلى حلب بزادٍ روحيّ هائلٍ، تمثّل في دعائه المستمرّ بأن يرزقه الله الشهادة في سبيله وأن يجعله أهلاً لها… كان يقول:
- يا رب… أنت تعلم أني نويت الشهادة في سبيلك، فلا تحرِمْني منها يا كريم.
وهناك في مصر، تعرّف إلى العديد من الإخوان خريجي سجون فرعون مصر، وزار مع بعضهم، قبر الإمام الشهيد رحمه الله تعالى، كما صحبه أحد أساتذته في الأزهر، وهو أستاذ وأخ جليل، صحبه إلى حلوان، ومن بعيدٍ أشار له بإصبعه إلى منزل الشهيد سيد قطب، رحمه الله رحمة واسعة، ومع أن الدكتور أوصى محمد خير ألا يقف أو يفعل ما يلفت نظر المخبرين، ولكن هيهات… كيف يستطيع الشيخ محمد خير أن يرى منزل شيخه وأستاذه الذي حبّب إليه الجهاد والبذل والاستشهاد، يرى منزل سيد قطب، كما يرى سائر المنازل الأخرى…
ترقرقت الدموع في العيون، واهتزت المشاعر، ووجف القلب، وتَمْتَمَتْ الشفاهُ بالدعاء، وعاد إلى حلب ليصف لإخوانه الصغار والكبار تلك اللحظات الرهيبة، أمام قبر الإمام الشهيد، وعند منزل الأستاذ الشهيد.

أبرز صفاته:
كان - رحمه الله – قويَّ البنية، أميَل إلى الطول، أبيض أشقر، وجهه المحلّى بلحيته الشقراء، كقرص الشهد، وعيناه الزرقاوان عينا عُقاب، نشيط، تغلب عليه الحركة، فلا يكاد يهدأ في المسجد والرحلات وحيث كان.
لباسه نظيف، تغلب عليه البساطة وعدم التكلّف.
وطعامه يسير، ومن الموجود. إذا زار أحد إخوانه سأله:
- ما عندك اليوم من الطعام.
وإذا زرتَه سألك:
- ما رأيك بأكْلة مجدّرة ؟
- ما رأيك بمحشي يطيّر العقل؟
كان كريماً، ويداعب ضيفه، ولا يتكلّف له. تسمعه وهو يقدّم الطعام، أو يدعوك إلى الفطور أو الغداء أو العشاء عنده… تسمعه يقول: وما أنا من المتكلفين.
والدعابة طبع فيه، وهي دعابة مهذّبة جداً… إذا زاره أخ حليق قال له، وطيفُ ابتسامةٍ عذبة يزيّن شفتيه:
- أطال الله لحيتك.
وكان الشيخ يتحدّث باللغة العربية الفصيحة أو بلهجة عامية مفصّحة، يأمر أهله وأولاده بها، وينصح بها إخوانه ويعدّها من شعائر الإسلام، وقد أمرنا بها الإمام الشهيد في وصيته الثالثة من وصاياه العشر.
كان خدوماً لإخوانه، في المسجد، والبيت، والرحلات خاصة، وكم كان الشبان والفتيان يفرحون عندما يذهبون معه في رحلة، فيها سباحة وسياحة فكرية ودعوية… كان يعمل ويتعب في تلك الرحلات أكثر من أي أخ فيها.
وكان متسامحاً، وَصولاً متواضعاً، ذكيّاً، فطناً، فهيماً، ذا ذوق رفيع، ونفس صافية نقيّة شفّافة، وحاضر البديهة، لا تفارق الابتسامة شفتيه، يحاول التعرُّف إلى من يلقاه من الناس، ويحاول تقديم ما يستطيع من خدمات وتسهيل أمور، فهو يلبّي كلّ طلبٍ فيه رضا الله وخدمةُ الدعوة، مهما كلّفه من جهد ومال ومشقّة… يسترخص كل شيء في سبيل الله، ولإخوانه ودعوته.
همومُ الأمة هي همومه يتفطّر قلبه لمصاب أخ، أو رؤية منكر، وتبلغ به السعادة مداها عند زوال ما نزل… يحاول تضميد الجراح، وإيقاف النزيف، وتخفيف حدّة الآلام والأحزان الملمّة بأبناء الدعوة والإسلام.
وكان التزامه بالإسلام أروع التزام، يطبّق مبادئه وتعاليمه وسننه تطبيقاً عملياً… قولاً وفعلاً، وكان سلوكه منبثقاً من فكره المنهجي الملتزم.
كان يجمع بين صفتين كريميتين، كأعلى مستوىً يمكن أن يتحلّى به تقيّ، وهما الذلّة على المؤمنين، والعزّة على الكافرين. وإذا وجِد من يتحلّى بإحدى الصفتين فإن التحلّي بهما جميعاً يعدُّ من المزايا النادرة.
وكان شجاعاً، مقداماً، ونذكر هنا حادثتين من مجموع حوادث كلها تبرهن على شجاعته الفائقة. أما الأولى فكانت في مصر، عندما كان طالباً في الأزهر، فقد تقدّم عدد من إخواننا السوريين الذين يدرسون في الأزهر، بمذكرة إلى اتحاد المحامين العرب في القاهرة شرحوا فيها الأوضاع المتردّية للحرّيّات، وما صاحب الدستور العلماني الذي أراد حافظ أسد أن يفرضه على الشعب السوري، من مظاهرات سلمية احتجاجية قوبلت بالرصاص والدماء، وتحدّثت المذكّرة الطلابية عن التضييق على الحريّات العامة، وقهر المواطنين، واعتقال العلماء… وتفاعلَ المحامون مع المذكرة التي قدّمها الشيخ محمد خير، وعندما علم أحد مشايخ حلب، من المحسوبين على النظام، نصحه ونصح إخوانه بأن يسحبوها، لأنهم سيعودون إلى سورية، وسوف يتحملون مسؤوليتها، فأبى الشيخ محمد خير أن يسحبها، ووقف معه إخوانه، وأصرّوا على عدم سحبها، وقال الشيخ محمد خير لذلك الشيخ الناصح:
- هذه المذكرة أضعف الإيمان، ومن أقلّ الواجبات علينا.
وأما الحادثة الثانية فكانت مع الطاغية الجبان فايز النوري، رئيس ما يسمى "محكمة أمن الدولة" بدمشق، عندما حاكمه بادره بهذا السؤال الروتيني:
- هل أنت من الإخوان المسلمين ؟
فأجابه الشيخ محمد خير بقوة جريئة:
- إنه لشرف كبير أن أكون من الإخوان المسلمين.
وعرف الطاغية أي رجل أمامه، فحكم عليه بالإعدام.
وهذا ما كان يتطلع إليه الشيخ… أن يفوز بالشهادة في سبيل الله، فالله يصطفي الشهداء من الأبرار الأخيار. ولطالما تطلّع الشيخ إلى الشهادة، ودعا ربّه سرّاً وعلانية أن يرزقه الشهادة في سبيل الله.

قصص من داخل السجن:
هذه بعض قصصٍ رواها إخوة كانوا معتقلين مع الشيخ في اعتقاله الأخير الذي انتهى باستشهاده، رحمه الله. وهي قصص تدل على ذكائه، وتجرّده، وجرأته، وكرمه…
1- في بدايات الاعتقال أراد المحقق أن يربط بين الشيخ وبين الأخ محمد أيمن الخطيب (الذي استُشهد هو الآخر فيما بعد)، وذلك ليثبّت على الشيخ علاقة بالعمل العسكري.
المحقق: ما علاقتك بأيمن الخطيب؟!
الشيخ: بيني وبينه عداوة "كار".
المحقق (مستغرباً): كيف؟!
الشيخ: أنا شيخ المسجد، أؤمُّ الناس وأخطب فيهم وأدرّسهم… ثم هو يختطف مني شباب المسجد من أجل أن يقوم هو بتوجيههم وتربيتهم، وكأنه أدرى منّي بالتوجيه والتربية!.
2- وفي موقف آخر في التحقيق:
المحقق: أنت تحرّض الناس على السلطة، وتزعُم أنها سلطة غير شرعية، وأن طاعتها ليست واجبة عليهم…
الشيخ: انظُرْ! إن الله قد أخذ على أهل العلمِ الميثاقَ بأن يبيّنوا الحق ولا يكتموه. وإن واجبي الشرعي يحتّم عليّ أن أقوم بهذا الواجب إبراءً لذمّتي أمام الله.
3- وتلقى الشيخ ألواناً هائلة من التعذيب، تركت على ظهره وساقيه وقدميه آثار السياط، بل خلّفت جروحاً عميقة، ثم التهابات، ثم ندوباً ظاهرة وأخاديد مشوِّهةً.
وكان الشيخ - رحمه الله – يحرص على ستر ذلك كله، ولا يحدِّث أحداً بما تعرَّض له من التعذيب، خوف أن يذهب ذلك ببعض ثوابه!.
4- وكان في الشهور التي قضاها في سجن القلعة، وهي أكثر الشهور سعةً وانفراجاً، كان يعقد لإخوانه المعتقلين معه في المهجع دروساً ودوراتٍ في عدد من العلوم الإسلامية، وحلقات لحفظ كتاب الله تعالى وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم.
وبين حين وآخر كان والده الشيخ عبد القادر يرسل إليه بعض المال، لعلّه يخفف عن نفسه بهذا المال بعض الضيق. فماذا كان الشيخ محمد خير يفعل بهذا المال؟!
لقد كان يتفنّن بأساليب إنفاقه على إخوانه المعتقلين، فكان يشتري اللحم المشويّ من "مطعم" صغير في باحة السجن… ويطعم به إخوانه. أو كان يوزّع المال على من يراهم أشدّ حاجة من غيرهم، أو يوزِّعه مكافآت على حفظة القرآن الكريم، والحديث الشريف… والمهم أنه لا ينبغي أن يبيت ليلته، بعد تسلّمه المال من والده، قبل أن يوزّع هذا المال على إخوانه.

استشهاده:
اعتُقِل الشيخ محمد خير مع آلاف الإخوان عام 1979 وكان صابراً محتسباً، وبعد أن حوكِم تلك المحاكمة الصوريّة المهزلة في محكمة أمن الدولة، قادوه إلى سجن تدمر، ليلقى الألاقي مع إخوانه البررة الأحرار الأطهار.
وقد روى بعض الإخوة الناجين من مجازر سجن تدمر الرهيب، أنهم سمعوا الشيخ محمد خير يكبّر بصوته الجهوري قبل أن يصعد إلى حبل المشنقة. وهذه كانت عادة الإخوان، فقد كان الأخ يكبّر بصوتٍ قويٍّ عالٍ، وهو يصعد إلى حبل المشنقة، أو قبيل إطلاق الرصاص عليه.
رحم الله الأخ الشيخ محمد خير زيتوني، ورحم إخواننا الشهداء والمعتقلين جميعاً، فقد كان نموذجاً رفيعاً بين شباب الدعوة، مُلِىء إيماناً، وعلماً، وصبراً، وجهاداً …
وقد نال ما تمنّى إن شاء الله تعالى، وهو الآن – فيما نحسب، ولا نزكّي على الله أحداً، ولكننا نشهد بما علمنا من حاله – إنه الآن يرتع في رياض الجنة، في حوصلة طير أخضر إن شاء الله تعالى.
وشاهت الوجوه الغُبْر، ولا نامت أعين الجبناء.






قديم 2010-12-31, 04:25 AM   #19
المراقب الـــــــعــــــــــام
الصورة الرمزية صقر الحالمه

صقر الحالمه غير متواجد حالياً
بيانات اضافيه
 تاريخ التسجيل: 26 - 5 - 2008
 رقم العضوية : 3791
 مشاركاتي : 107,264
 أخر زيارة : 2014-10-31 (08:02 PM)
 بمـــعــدل : 45.66 يوميا
 زيارات الملف الشخصي : 13644
 فترة الأقامة : 2349 يوم
 معدل التقييم : صقر الحالمه جديدصقر الحالمه جديد
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي الأستاذ محمد المبارك "رحمه الله"









المركز الإعلامي
ولد الأستاذ محمد عبد القادر المبارك في دمشق عام 1912م، في حيٍّ قريب من الجامع الأموي، وكان لذلك القرب أثره فيه، حيث كان يتردد مع أقرانه إلى المسجد الأموي باستمرار للصلاة ولحضور الدروس الدينية التي كانت لها حلقات بعد الصلوات الخمس.
كان والده الشيخ عبد القادر المبارك عالماً مشهوراً في دمشق، حيث كان أعجوبة في حفظ مفردات اللغة وغريبها، وكان من أعضاء اللجنة التي أُلِّفَت في عهد الملك فيصل الأول لتعريب المصطلحات العسكرية، واختير عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق، وشارك في وضع كثيرٍ من المصطلحات، كلفظ "الهاتف" التي هي من وضعه بدل كلمة "تليفون". وكانت دار والده مقصداً للعلماء الوافدين من بلاد الشام والعرب كافة، وكان الأستاذ المبارك دائم الحضور لتلك اللقاءات والندوات مما وسّع آفاقه منذ الصغر.
درس الأستاذ محمد المبارك في المدارس النظامية الحكومية، وفي المدارس القديمة على الشيوخ وفي الحلقات. وكان من المتفوقين في دراسته، خاصّة في اللغة العربية والرياضيات واللغة الفرنسية. حصل على الشهادة الثانوية في القسم العلمي عام 1932. ولما كان متفوقاً في اللغة العربية فقد اختار دراستها في مدرسة الآداب العليا (كلية الآداب)، بالإضافة إلى دراسة الحقوق، وتخرج فيها عام 1935.
وكان خلال دراسته في المدارس النظامية يدرس في الصباح الباكر، وفي المساء وفي الإجازة الصيفية على شيخ علماء الشام في عصره الشيخ محمد بدر الدين الحسني، وكان من أوسع أهل زمانه اطلاعاً على العلوم الإسلامية القديمة بجميع فروعها من الحديث والتفسير حتى الرياضيات، وقد لازمه منذ نهاية دراسته الابتدائية حتى نهاية دراسته الجامعية، واستفاد كثيراً من علمه، وقرأ عليه النحو والصرف والتفسير ومصطلح الحديث والفرائض وأصول الفقه والكلام والبلاغة والحساب والجبر والهندسة.
بعد تَخَرُّج الأستاذ المبارك في الجامعة، تقدم إلى مسابقة بعثة للتخصص في الآداب في فرنسا، فنجح فيها، وكان ترتيبه الأول.
سافر الأستاذ المبارك إلى فرنسا، ودرس في معهد الدراسات الإسلامية التابع لجامعة السوربون فدرس في السنة الأولى الأدب العربي والثقافة الإسلامية، وخصص السنة الثانية بكاملها لدراسة الأدب الفرنسي، أما السنة الثالثة فخصصها لدراسة علم الاجتماع. يقول الأستاذ المبارك عن هذه الدراسة: (إنَّ هذه الدراسة وسَّعت آفاقي وأكسبتني بعض المزايا الفكرية، ولكنها لم تستطع أن تؤثِّر في معتقداتي ولا أن تغزو عقلي، بل أثارني جانبها السلبي وحفَّزني للردِّ عليها).
ولم تقتصر دراسة الأستاذ المبارك في فرنسا على ما يتلقاه في الجامعة، بل كان يحضر المنتديات والمحاضرات العامة، ويتردد على مختلف المعاهد العلمية، ويتصل بالمجتمع اتصال بحث وتعرف استعداداً لاستثمار هذه المعرفة في مجال الدعوة الإسلامية.
حصل الأستاذ المبارك بعد أن أنهى دراسته في فرنسا على شهادة الليسانس في الآداب من السوربون عام 1937م، ودبلوم في علم الاجتماع والأخلاق عام 1938م.
وخلال دراسته الجامعية في دمشق وفرنسا، كان للأستاذ المبارك نشاط دعوي قوي، فقد عمل ـ على سبيل المثال ـ عملاً جاداً في مقاومة إحلال التشريع الغربي الذي كانت فرنسا تسعى إلى إحلاله محلَّ التشريع الإسلامي عام 1935م، وفي باريس كان له نشاط مع رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ورتب حملة مع صديقه الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله للنص على (الإسلام) في الدستور السوري، وبعد عودته من فرنسا باشر العمل الدعوي مع أصدقاء له كانوا قد أسسوا في كلٍّ من حلب ودمشق جمعيات إسلامية نشطة تعمل في الدعوة الإسلامية. وكان هذا النشاط يتمّ إلى جانب العمل الوظيفي، فقد عمل مدرساً للغة العربية في المدرسة الثانوية بحلب لمدة سنتين.
وكان للأستاذ المبارك نشاط متواصل في إلقاء محاضرات عامة على مختلف المستويات، ولم يقتصر نشاطه على المدن، بل كثيراً ما كان يخرج مع فريق من الشباب إلى القرى للدعوة والتوعية. ثم تطور هذا النشاط حتى شمل المشاركة في أكثر المؤتمرات الإسلامية التي عُقدت في العالم الإسلامي.
وبعد جلاء القوات الفرنسية عن سورية عام 1945م، عُيِّن الأستاذ المبارك عضواً في اللجنة الفنية للتربية لوضع الخطط والمناهج التربوية والتعليمية ومفتشاً لمادتي اللغة العربية والدّين في سورية كلها، وقد أخذ منه هذا العمل كل وقته، وكان فيه تغيير جذري للمناهج السابقة، حيث بيّن فيها للجيل المسلم منذ صغره أنَّ الإسلام دين شامل يصلح لكل زمان ومكان.
وفي سنة 1946م أُقْصِيَ الأستاذ المبارك عن التفتيش، وذلك بسبب ما قام به من أنشطة إسلامية في المحافظات التي كان يزورها للتفتيش، وذلك بإلقاء المحاضرات العامة في أهم الموضوعات المتعلقة بالإسلام والتعريف بدعوته أو بالقضايا الإسلامية المعاصرة. هذا النشاط الإسلامي ضايق أعداء الله فأبعدوه عن عمله هذا، لكنه بقي عضواً في اللجنة الفنية التربوية لوضع الخطط والمناهج التربوية والتعليمية.
بقي الأستاذ المبارك في عمله هذا حتى عام 1947م، حيث شهدت سورية ـ في هذه الفترة ـ نشاطاً سياسياً كبيراً، وبدأت محاولات تشكيل مجلس نيابي، وفي الفترة هذه تأسست جماعة الإخوان المسلمين في سورية بقيادة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله، إذ شارك الأستاذ المبارك في تأسيسها، حيث كان الساعد الأيمن للسباعي، ومستشاره السياسي والتنظيمي والاجتماعي، وكان يتناوب مع الدكتور السباعي في إلقاء المحاضرات في المركز العام للجماعة، وكان يصحب السباعي في رحلاته وزياراته لمراكز الجماعة في سورية.
ومع محاولات تشكيل المجلس النيابي كما أسلفنا، رأى المفكرون المسلمون أن يخوضوا هذه الانتخابات ليكون للإسلام صوت مسموع في المجلس النيابي، فقدّم الأستاذ المبارك استقالته من الوظيفة ليقوم بترشيح نفسه عن مدينة دمشق، ونجح هو ونخبة من الإخوان في هذه الانتخابات. وبعد سنتين، وعلى إثر انقلابين عسكريين، انْتُخِب مجلس جديد بصفة مجلس تأسيسي لوضع الدستور في سورية، وقد نجح في هذا المجلس عدد من ممثلي جماعة الإخوان المسلمين، من بينهم الأستاذ المبارك، حيث تمّ تعيينه وزيراً للأشغال العامة ثمّ وزيراً للمواصلات ثمّ وزيراً للزراعة, وكان ممثلاً للجبهة الإسلامية في المجلس، واستمرَّ الأستاذ المبارك يُعبِّر عن الفكرة الإسلامية في مجلس النواب إلى أن انتهت مدة المجلس عام 1958م وكانت الوحدة بين مصر وسورية، ولم يعد ثمة مجال للتعبير الحر عن الأفكار فانصرف إلى العمل العلمي، ولم يشارك بعدها في العمل السياسي.
في عام 1954م أُسست كلية الشريعة في سورية بجهود الإخوان المسلمين وقائدهم السباعي، فشارك الأستاذ المبارك في وضع مناهجها، ودرَّس فيها كذلك مواد عدة. وبعد مرض السباعي الذي كان عميد الكلية، تسلَّم الأستاذ المبارك عَمَادة كلية الشريعة في عام 1964م إلى عام 1966م، حيث انتقل بعدها إلى جامعة أم درمان الإسلامية في السودان، وعمل فيها من سنة 1966م إلى سنة 1969م أستاذاً ومشاركاً في التخطيط ورئيساً لقسم الدراسات الإسلامية، ثم انتقل بعدها إلى السعودية بناءً على طلب من وزير المعارف السعودي، فعُيِّن أستاذاً ورئيساً لقسم الشريعة والدراسات الإسلامية في كلية الشريعة بمكة المكرمة، وبقي في هذا العمل أربع سنوات، ثم عُيِّن أستاذاً باحثاً ومستشاراً في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وكذلك في الجامعة الأردنية.
كان الأستاذ المبارك خلال حياته وعمله يهتم بمشكلات الأمة الإسلامية، ويحاول إيجاد الحلول لها فضلاً عن اهتمامه بأمور الفكر والعقيدة. وكانت له اتصالات مع كبار المستشرقين والأساتذة الأجانب المهتمين بالدراسات العربية والإسلامية، وكان أثره فيهم عميقاً وواضحاً. كما كان له صلات مع المفكرين الفرنسيين الذين تأثروا بالإسلام ثم اعتنقوه، منهم: موريس بيكار، وروجيه جارودي، وجال أوسترويد.
بقي الأستاذ المبارك يعمل في جامعة الملك عبد العزيز في جدة حتى وافته المنية في المدينة المنورة عام 1981م، ودفن في البقيع الطاهر.
باشر الأستاذ المبارك الكتابة وهو ما يزال طالباً، وترك عدداً من الكتب المطبوعة والمخطوطة. من كتبه المطبوعة: الأمة العربية في معركة تحقيق الذات، الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية، نحو إنسانية سعيدة، الأمة والعوامل المكونة له، نظام الإسلام (العقيدة والعبادة)، نظام الإسلام (الاقتصاد)، نظام الإسلام (الحكم والدولة)، ذاتية الإسلام، المشكلة الثقافية، من منهل الأدب الخالد، نحو وعي إسلامي، خصائص العربية، فقه اللغة.
رحم الله الأستاذ محمد عبد القادر المبارك رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة على ما قدَّم لأمته وجماعته، ورزقنا أمثاله من العلماء العاملين.





قديم 2010-12-31, 04:26 AM   #20
المراقب الـــــــعــــــــــام
الصورة الرمزية صقر الحالمه

صقر الحالمه غير متواجد حالياً
بيانات اضافيه
 تاريخ التسجيل: 26 - 5 - 2008
 رقم العضوية : 3791
 مشاركاتي : 107,264
 أخر زيارة : 2014-10-31 (08:02 PM)
 بمـــعــدل : 45.66 يوميا
 زيارات الملف الشخصي : 13644
 فترة الأقامة : 2349 يوم
 معدل التقييم : صقر الحالمه جديدصقر الحالمه جديد
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي العلامة الشيخ محمد الحامد (رحمه الله تعالى)







العلامة الشيخ محمد الحامد (رحمه الله تعالى)




المركز الإعلامي
الشيخ محمد الحامد من الرجال الذين تعتزّ بهم سورية، بل يعتزّ بهم المسلمون في كلِّ مكان. إنّه من الذين اجتمع فيهم من جوانب الفضل ما يندر أن يجتمع في إنسان، فقد جمع العلم والتقى، والزّهد والشّجاعة، والتّصوّف ومحاربة البدع، والفكر الثاقب، والعاطفة الجيّاشة، والهيبة والتواضع، والحياء والأدب الجمّ والفصاحة.
ولقد كان من القلائل الذين يقولون الحقّ لا يخافون في الله لومة لائم.
وكان ذا ورعٍ تسير بحكاياته الركبان!.
وكان ذا غيرةٍ على دين الله، وحِرْصٍ على نشر العلم وتنشئة الأجيال وتقويم السلوك، والنّصح لكلِّ مسلم.
من يعرفه يقول: إنَّه رجلٌ من السَّلف الصالح يعيش في هذا العصر.

* * *
ولد الشيخ محمد بن محمود الحامد سنة 1328 هـ (1910م) من أسرةٍ فقيرة.
ومنذ طفولته الأولى، وهو في السادسة من عمره توفي والده، ثمّ توفيت أمّه في السنة ذاتها فذاق مرارة اليتم والفقر، لاسيما وأنَّ الوقت كان أيام الحرب العالمية الأولى حيث الغلاء الفاحش، وانتشار المجاعة والأوبئة.
ويوم أن ذاق اليتم كان عمر أخيه الكبير بدر الدين خمسة عشر عاماً فحسب. أمّا أخوه الأصغر فهو عبد الغني.
ففي أجواء الفقر المدقع، واليُتْم القاسي كانت رحمة الله ترعى هذا الغلام وتهيّئه ليكون العالم العامل، التقيَّ المجاهد، فما أن أتمَّ الدراسة الابتدائية بتفوّقٍ باهر حتى التحق بالمدرسة الإعدادية، ثمَّ تركها ليدرس في دار العلوم الشرعية التي افتتحت آنئذ، في عام 1924، وكان إلى ذلك يحضر حلقات العلم في المساجد، بجدٍّ ودأبٍ عجيبين، حتى بلغ عدد الحلقات العلمية التي كان يحضرها تسع حلقاتٍ في اليوم!!.
وبعد أن أنهى دراسته في حماة تحوَّل إلى الثانوية الشرعية في حلب فكان ذا نبوغٍ لفَتَ أنظار علمائها، حتّى قال فيه أحدهم، وهو الشيخ أحمد الشمّاع: "بحرٌ لا تنزحه الدلاء".
وحبّبَ الله إليه طلب العلم فكان لا يقتصر على الكتب المدرسية المقرّرة بل يُقْبل بشغفٍ عظيمٍ على كتب العلم يحلُّ عويصها، ويتمثَّل معارفها، ولقد قال عن نفسه: "... وإني أحمدُ الله على توفيقه وتيسيره إيّاي للتّوسّع العلمي، ووضعه الشغف به في قلبي، حتى إني لأوثر العلم على اللذائذ المادية التي يقتتل الناس عليها. ولو أنّي خُيِّرتُ بين المُلْكِ والعلم لاخترت العلم على المُلْكِ والسلطان".
ثمَّ إنه سافر إلى مصر ليتلقّى التعليم الجامعي في الأزهر. ولقد استوحش في بداية الأمر لمّا رأى مظاهر الحياة الغربية هناك... ثمّ إنّه تعرّف على بعض أهل الفضل والصلاح فهدأت نفسه، وأقام صداقاتٍ حميمة، وعُرِفَ بين أصحابه وأقرانه باسم الشيخ الحموي.
وكان دخول الأزهر يحتاج إلى اجتياز امتحان. فلما اجتاز ذلك الامتحان قال له بعض الشيوخ: إنّك عالم، لا تحتاج إلى الدراسة فيه! (أي الأزهر).

الشيخ محمد الحامد والإمام حسن البنا
وفي مصر تعرفّ على الإمام حسن البنّا رحمه الله تعالى، وتحوّلت هذه المعرفة إلى علاقة حبيبة عالية بينهما، يتحدّث عنها الشيخ قائلاً:
"والذي أثّر في نفسي تأثيراً من نوعٍ خاص، وله يدٌ في تكويني الشخصي، سيدي وأخي في الله وأستاذي، الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله وأغدق عليه غيوث الإحسان والكرم، صَحِبْتُهُ في مصر سنين، وحديثي عنه لو بسطته، لكان طويل الذيل، ولكانت كلماته، قِطَعَاً مِن قلبي، وأفلاذاً من كبدي، وحُرَقَاً من حرارة روحي، ودموعاً منهلّة منسابة تشكِّل سيلاً من فاجع الألم وعظيم اللوعة.
ولكنني أكتفي بالإيجاز من الإطناب، وبالاختصار من التطويل، وقد بكيته كثيراً بعد استشهاده على نأي الدار وشط المزار، ولا أزال أذكره حتى ألقاه في زمر الصالحين إن شاء الله تعالى وتبارك.
إنّه أخي قبل إخوتي في النسب. ولما وافاني نبأ اغتياله قلتُ: إنَّ موت ولديّ -ولم يكن لديَّ غيرهما حينئذٍ- أهون عليّ من وفاة الأستاذ المرشد.
وكنتُ رأيتُ فيما يرى النائم ليلة قُتِل، ولا علم عندي بالذي حصل، رأيتُ أننا في معركةٍ مع اليهود، وقد بدأَ التقهقر في جُندنا، حتى إني لأمشي منحنياً لئلا يُصيبني رصاصهم، فاستيقظتُ واستعذتُ بالله من شرِّ هذه الرؤيا. وفي النهار ألقى عليّ بعض النّاس الخبر، فكان وقعه أشدّ من شديد، وكان تأويل رؤياي.
إنّي أقولها كلمةً حرّة ولا بأس بروايتها عنّي، أقول: إنَّ المسلمين لم يروا مثل حسن البنا من مئات السنين، في مجموع الصفات التي تحلّى بها، وخفقت أعلامها على رأسه الشريف، لا أُنكِرُ إرشاد المرشدين، وعلم العالِمين، ومعرفة العارفين، وبلاغة الخطباء والكاتبين، وقيادة القائدين، وتدبير المدبِّرين، وحنكة السائسين، لا أُنكر هذا كلَّه عليهم، من سابقين ولاحقين، لكن هذا التجمع لهذه المتفرقات من الكمالات، قلّما ظفر به أحد كالإمام الشهيد رحمه الله.
لقد عرفه النّاس وآمنوا بصدقه، وكنتُ واحداً من هؤلاء العارفين به، والذي أقوله فيه قولاً جامعاً: هو أنَّه كان بكلِّيَّته، بروحه وجسده، بقلبه وقالبه، بتصرفاته وتقلبه، كان لله، فكان الله له، واجتباه وجعله من سادات الشهداء والأبرار".

في حماة، بعد عودته من مصر
عاد الشيخ محمد الحامد من مصر في سن الخامسة والثلاثين، وتزوّج بعدها بفترة يسيرة أي في عام 1944، ليستلم مهام التدريس والخطابة في جامع السلطان في حماة بشكلٍ دائم، وكان قبلها يتردّد عليه، كلما عاد من مصر في الإجازات، كما تسلّم بعد رجوعه تدريس مادة التربية الإسلامية في "التجهيز الأولى" -كما كانت تسمَّى- ثمّ عُدِّل اسمها إلى "ثانوية ابن رشد" فمكث فيها مدرِّساً تخرَّجت على يديه الأجيال متتابعة حتى تقاعد عن التدريس الحكومي قبل وفاته بأقلّ من سنة.

مرحلة الإنتاج المستمر والعطاء المتجدّد
كانت المدّة التي قضاها بعد رجوعه من مصر حتّى توفي، هي الفترة الذّهبية في إنتاجه، وكان لها مظاهر ثلاثة:
أولها: ثباته في وجه مظاهر الإلحاد والعلمانية التي خلّفها المستعمر قبل رحيله.
ثانيها: كتاباته في شؤونٍ شتّى، بياناً لحكمٍ شرعي، ونصيحةً للأمّة، وجلاءً للحقيقة.
الثالث: تكوينه جيلاً جديداً مؤمناً واعياً جريئاً مستقيماً.

ثباته في وجه الإلحاد والعلمانية
لم يخرج المستعمر حتّى سلَّم زمام الأمور لمن يطمئنّ إلى أنّهم يُتابعون طريقه في محاربة الإسلام وأهله، سواء كانت حرباً معلنةً شعواء، أو كانت حرباً تتستّر وراء مظاهر خدّاعة، من مثل قولهم: إنّهم مسلمون ويعتزّون بالإسلام، في الوقت الذي يرفضون فيه سيادة شريعة الإسلام، ويُحاربون من يدعو إلى أن يكون القرآن دستور الأمة، وينشرون الفساد، ويُقرِّبون المفسدين.
ولقد كان حظّ حماة أن برز فيها المدّ الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، الذي اجتذب إليه الأقليات الطائفية التي تتركّز في بعض أرياف المحافظة، وقلّة من الفاسدين من أبناء المدينة... وكان أن أخذ الشيخ محمد الحامد -رحمه الله تعالى- على عاتقه مهمّة التصدّي للاشتراكيين، سواء فيما يتعلّق بالاحتكام إلى غير الله -وهو من أمور العقيدة- أو ما يتعلّق بالمذاهب الاقتصادية والاجتماعية المنبثقة عن هذا الاحتكام، أو ما يتعلّق بالمظاهر السلوكية والأخلاقية الهابطة.
وقد كانت وقفة الشيخ، رحمه الله، وقفةً عظيمة، لم يُعاضده فيها إلا القليل من علماء البلد، في الوقت الذي تعرّض فيه للكثير من الأذى والتهديدات، فما وَهَنَ لما أصابه في سبيل الله، وما ضَعُفَ وما استكان، بل كان يقول ما يعتقد أنّه الحقّ، على منبر المسجد، وفي قاعات التدريس، وفي المحافل العامة.
كان -رحمه الله- يحمل همَّ الإسلام والأمة الإسلامية في قلبه، فكلما رأى فتنة في الفكر، أو جهلاً بالأحكام الشرعية، أو شبهة علقت بالأذهان.. قام يتصدّى لها عبر مقالات صحفية ورسائل علمية.. فكتب عن المرأة، وعن المسكرات، وعن الغناء، وكتب بيانات مختلفة عن الإسلام ومصادره وكشف كثيراً من الشبهات... وقد جمع معظم هذه الرسائل في كتابه "ردود على أباطيل". على أنَّ أكبر بحثٍ وأهمَّه هو كتابه "نظرات في كتاب اشتراكية الإسلام" يردّ فيه على كتاب "اشتراكية الإسلام" للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله.
وقد يتبادر إلى الذهن أنَّ الشيخ رحمه الله نال من شخصية الدكتور السباعي واتهمه في علمه أو في دينه، أو شنّع عليه.. كلا، كلا. إنّه ما فتئ في مقدمة الكتاب وفي كلِّ فصلٍ من فصوله يُثني على الدكتور السباعي ويمتدحه، ويبيّن الإضاءات والتألّقات في الكتاب الذي يردّ عليه! ويبيّن إلى جانب ذلك الآراء التي يرى أن الصواب فيها قد جانبَ الدكتور السباعي.
إنَّه كتاب فريدٌ في بابه، سواء من حيث التمحيص العلمي، أو من حيث الموضوعية والتجرّد، أو من حيث الأدب الرفيع الذي يليق بأخوين عالمين كبيرين حبيبين يتحاوران.
وقد قابل الدكتور السباعي رحمه الله المقالات التي كتبها الشيخ الحامد (والتي جُمِعَتْ فيما بعد في الكتاب المذكور) بما يليق بها من احترامٍ وتقدير، فنشرها جميعاً في مجلته "حضارة الإسلام".

تربية جيل مؤمن
لقد كان الشيخ رحمه الله يعلم أنَّ إعداد الرّجال الذين يحملون الفكرة، ويَثْبُتون عليها، ويُنافحون عنها... هو الأساس الذي لا محيد عنه في انتصار الفكرة.. لذلك ما فتئ يبذل الجهود في تربية أبناء شعبه على الإيمان والوعي والصلاح والجهاد:
كان يدرِّس في ثانويات حماة، ويورّث الأجيال قيم الإسلام وتوجيهاته.
وكان يُعطي مساء كلِّ يوم (سوى ليلة الجمعة) درساً في جامع السلطان يتناوب بين تفسير القرآن الكريم والفقه والحديث (أو السيرة أو المواعظ والرقائق). وكانت دروسه بستاناً جَنِيَّ الثمار يخرج منه كلُّ تلميذ بفوائد روحية وعلمية وفكرية وسلوكية.. بما يُناسب حاله وحال الظروف العامة وموضوع الدرس.
وكان يُعطي صباح كلِّ يومٍ درساً في غرفة في "مسجد الجديد"، يحضر هذا الدرس بضعة تلاميذ -أو يزيدون- من طلاب العلم والعلماء، فيكون الدرس غنيَّاً بالبحث والتحقيق، واللفتات اللغوية والبلاغية.

مرض الشيخ ووفاته
يربط الشيخ محمود بن الشيخ محمد الحامد، بين أحداث حماة (سنة 1964م) وبين مرض والده بعدئذٍ ثم وفاته، فيقول ما خلاصته:
"كان لأحداث عام (1384هـ- 1964م) أثرٌ عظيم على صحة والدي. ابتدأت الحوادث باستفزازاتٍ وتحدياتٍ من بعض العلمانيين، تبعها ردُّ فعلٍ من الشباب المسلم، واعتصم فيها الشيخ مروان حديد وجمْعٌ من إخوانه في جامع السلطان.. ثمَّ طوَّقت القوات العسكرية المسجد وقصفته بالمدافع وهَدَمَتهُ فوق المصلّين وسقطت مئذنته واستشهد بعض من كان فيه، واعتقل كثيرون ثمَّ أفرج عن بعضهم، وحكم على بعضهم بالإعدام والسجن المؤبَّد. ثمَّ طلب رئيس البلاد آنذاك الفريق أمين الحافظ وساطة والدي لحلِّ المشكلة وتهدئة الحال، فتوجَّه والدي مع عددٍ من العلماء والوجهاء لمقابلة الرئيس، وألقى والدي كلمة، فيها موعظة، وفيها إثارة للنخوة والحميّة، فاستجاب الرئيس، وأصدر عفواً عاماً عن جميع المعتقلين، وأمر بإعادة بناء المسجد على حساب الجيش.. وانتهت المشكلة، ولم يمكث أحدٌ في السجن أكثر من شهرين!!.
لكنَّ المرض بدأ يدبُّ في جسم والدي ويستشري، فحدث معه تشمّعٌ في الكبد، وتفاقَمَ حتى كان يقيء الدم في نوباتٍ حادة.. وقد سارع بعض الإخوان للتبرع بالدم تعويضاً له عمّا يفقده، لكنَّ أجل الله إذا جاء لا يؤخّر.
كان مروان حديد واحداً من تلامذة والدي الذين أخذوا من توجيهاته الجانب الجهادي وغلّبوه على غيره، فضلاً عن تأثر مروان بجهاد الإخوان المسلمين في فلسطين.
فلما اعتصم مروان ومَن معه في المسجد وحدَثَ ما ذكرنا، تأثَّر والدي كثيراً، وبكى على هؤلاء الشباب الذين صاروا في السجون، وراح يدعو لهم بالفرج القريب، حتّى وفّقه الله واستجاب له.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد صحة والدي على ما يرام، ولمّا اشتدّ به المرض ذهب إلى لبنان للعلاج وأُجريت له عمليةٌ جراحية ثمَّ أُعيدَ إلى حماة فَمَكَثَ ثلاثة أيام ثمَّ فاضت روحه ليلة التاسع عشر من صفر بعد العشاء بثلث ساعة، وكان ذلك عام 1389هـ الموافق لمساء 5 من أيار 1969م."
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده، واغفر لنا له، وارفع مقامه عندك في أعلى عليين.





 

الكلمات الدلالية (Tags)
أثناء, المؤسّسات, الجماعة, السياسي, الشعب, السوريّ, الإخوان, النظام, الوطن, الوطنية

شباب التغيير rss aboshams froums جديد البرامج والانترنت والكمبيوتر وبرامج الصيانه والحماية rss abishams froums جديد الاناشيد الاسلامية الام بي ثري و mp3 جديد ساحة الجرافكس والتصميم والفوتوشوب والسويتش ماكس

الساعة الآن 03:55 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.