شبكة ابوشمس لوحة تحكم العضو تسجيل عضوية جديده   البحث في المنتدى


الشركة اليمنية لخدمات الويب


العودة   منتديات ابوشمس > >

دراسات وبحوث ادارة ومحاسبة واحصاء يختص في البحوث والدراسات في المجالات الادارية والمحاسبية والاحصاء

Tags: , ,

 
قديم 2010-12-10, 05:05 PM   #1
الـمــديـر الـعــــام
شمعة تحترق لتضئ لكم الطريق
الصورة الرمزية !!abushams!!

!!abushams!! غير متواجد حالياً
بيانات اضافيه
 تاريخ التسجيل: 12 - 4 - 2007
 رقم العضوية : 1
 مشاركاتي : 41,543
 أخر زيارة : 2014-08-08 (11:41 PM)
 بمـــعــدل : 15.38 يوميا
 زيارات الملف الشخصي : 13588
 فترة الأقامة : 2700 يوم
 معدل التقييم : !!abushams!! جديد
 الدولة : قلب حبيبي
 الجنس ~ : Male
لوني المفضل : Green
افتراضي فقه الحوالة والقيود المصرفية



-


الحوالة والقيود المصرفية


الحوالات المصرفية .. البحث عن التكييف الفقهي
- عثمان ظهير من الرياض
تعد عقود التحويل المصرفي واحدة من أهم العمليات المصرفية وأوسعها انتشاراً، عملية نقل النقود أو أرصدة الحسابات من حساب إلى حساب أو من بنك إلى بنك أو من بلد لآخر، وما يستتبع ذلك من تحويل العملة المحلية بالأجنبية أو الأجنبية بأجنبية أخرى.
وأوضح عبد العزيز السلامة أن الحوالة عملية مصرفية بناءً على طلب المُصدِر، يتم فيها نقل نقود أو رصيد من حسابٍ إلى حساب آخر للآمر نفسه أو لمستفيد آخر، في المصرف نفسه، أو في مصرف آخر، وما يتبع ذلك من تحويل العملة إلى عملة أخرى، أو أمر دفع يصدره وسيط بقصد تنفيذ أمر الدفع الوارد.
وأضاف أن الحوالة المصرفية تنقسم إلى قسمين: الأول الحوالة الصادرة وهي خطابات تسمى أوامر دفع يصدرها المصرف بطلب من عميله إلى مصرف آخر قد يكون فرعاً للمصرف، وقد يكون مصرفاً آخر مستقلاً؛ ليدفع ذلك المصرف المحول إليه مبلغاً معيناً من النقود إلى شخص مسمى. وأشار إلى أن المصرف يتقاضى على الحوالة الصادرة من الآمر مصاريف إجراء العملية عن طريق وسائل الهاتف أو التلكس أو نظام سريع، وعمولة مقابل تنفيذ العملية، والفارق بين العملتيْن، فيما إذا تضمَّن التحويل شراء عملة أجنبية، وذلك في التحويل الخارجي المطلوب. والنوع الثاني الحوالة الواردة، وهي التي يستقبلها المصرف من مصرف آخر أو من فرع آخر للمصرف نفسه لدفع مبلغ معين من النقود إلى شخص مسمى.

وتختلف المصارف في معاملتها للحوالة الواردة، إلاَّ أنها بشكل عام تقوم بتنفيذها حال ورودها، ويُراعِي المصرف عند تنفيذ الحوالات الواردة الدقة في التنفيذ طبقاً للبيانات من المراسل، والسرعة كي لا يكون هناك تأخير في التنفيذ يكون من شأنه تعريض المستفيد لخسارة ناتجة عن تغير أسعار الصرف أو بفوات وقت حاجته إلى قيمة الحوالة.
وتابع: إن أقوال المعاصرين في التكييف الفقهي للحوالة المصرفية (التحويل الدائن) تعددت فيها فمنهم من يرى تكييف خدمة التحويل على أساس عقد الحوالة، ويعتمد هذا الرأي القائل على أن العميل الآمر بالتحويل دائن للبنك بمبلغ الحوالة والمستفيد من الحوالة دائن للآمر فيحيل هذا الأخير المستفيد على البنك المأمور بالتحويل فيصبح البنك بموجب هذه الحوالة مديناً للمستفيد، فيما يرى آخرون تخريجها على أساس السفتجة ويستندون في ذلك إلى أن الشخص الذي جاء بالنقد وأعطاه المصرف يعد مقرضاً، والرسالة التي يقوم المصرف بإرسالها إلى وكيله عبر وسائل الاتصال الحديثة تعد سفتجة، ثم إن المقترض (المحوِّل) يسلم ذلك القرض بنفسه إذا كان يريد الانتقال، أو نائبه إذا لم ينتقل.
وتابع أن فريق ثالث يرى تكييف خدمة التحويل على أساس الوكالة، ويعتمد هذا الرأي على أن العميل الآمر بمثابة الموكل والبنك بمثابة الوكيل الذي يقوم بتنفيذ عملية التحويل لصالح الشخص المستفيد. عن طريق فرعه أو أي بنك آخر، وعليه فلا يصح تكييف خدمة التحويل المصرفي على أساس عقد الوكالة الشرعية، فيما ذهب الفريق الرابع إلى تكييف خدمة التحويل المصرفي على أساس عقد الإجارة الشرعية على اعتبار أن الشخص الذي جاء بالنقد يحمله وسلمه للمصرف أو اقتطعه من حسابه في المصرف وأراد تحويله إلى مكان آخر فإنه يعد مستأجراً للمصرف على نقل نقوده إلى المكان الذي يرغب إيصالها إليه، والمصرف يتخذ الوسيلة التي ينفذ بها هذا العقد، ومن الوسائل التي تحقق للمصرف مقصده برسائل نظام (سويفت) ونظام (سريع). وليس شرطاً أن يكون النقل حسياً، فتعاون المصرف مع جهة أخرى أو قيامه بفتح فروع له في بلدان متعددة من الوسائل التي تمكنه من الوفاء بهذا العقد، والمصرف في مثل ذلك مثله مثل الأجير المشترك الذي يتقبل عدة أعمال لأناس كثيرين
ويقوم بعمل ما يريدون، والمهم في هذا النوع من الإجارة، هو تحقق المنفعة لأنها المقصودة، فإذا تحققت حصل المقصود واستحق الأجير الأجرة.
وأشار إلى ترجيح القول الرابع إنها إجارة هو الأقرب لطبيعة عقد الحوالة المصرفية وإذا نظرنا إلى العلاقة بين طرفي عقد الحوالة المصرفية - الآمر بالتحويل والمصرف - نجدها مبنية على المعاوضة، فالمصرف يلتزم للآمر بالتحويل بإيصال المبلغ المحوَّل إلى المستفيد عن طريق فروعه، أو عن طريق مراسليه من المصارف الأخرى، وهذه منفعة يبذلها المصرف، مشيراً الآمر بالتحويل يلتزم بدفع عمولة المصرف وتكاليفه، وعليه فإن الحوالة المصرفية عقد معاوضة يتم فيه مبادلة مال بمنفعة، وما يتقاضاه المصرف من عمولة فهو أجرة مقابل تنفيذه لما تعاقد عليه وليس في تقاضيه لها وجه شبهة.
وأوضح أن الصرف يدخل في الحوالة المصرفية إذا كانت بنقد مغاير للنقد المراد تسلمه في البلد الآخر، أما إذا كانت بنقد مغاير للنقد المراد تسلمه في البلد الآخر فهذا النوع من التحويل يجتمع فيه الصرف والإجارة. ولا يخفى أن للصرف في حالة اختلاف العوضين جنسا شرطا هو التقابض في مجلس العقد وقد تقرر لدي المجامع الفقهية والهيئات العلمية أن كل عملة ورقية جنس يجوز المصارفة بينها وبين غيرها من عملات الدول الأخرى مطلقا إذا كان يدا بيد لقوله صلى الله عليه وسلم: فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. وعليه إذا كان طالب التحويل راغبا في تحويل عملة أخرى غير التي عنده , فيجب عليه قبل التحويل إجراء مصارفة ناجزة مع البنك بين العملة التي يملكها والعملة التي يرغب حوالتها بسعر الصرف الحاضر يوم إجراء الحوالة, ويعد إقباضه العملة التي عنده إلى المصرف المحول حسيا أو حكميا (بالاقتطاع من حسابه الجاري لديه) عقب ذلك وتسلمه سند الحوالة بالعملة الأخرى المستحقة بدلها تقابضا لبدلي الصرف, حيث إن قبض السند كقبض مضمونه عرفا, فيكون الصرف قد استوفي شريطته الشرعية وهي التقابض بين البدلين في المجلس.
من جهته، قال الدكتور مستعين علي عبد الحميد: إن الحوالة المصرفية وسيلة تؤدي إلى سداد مبالغ نقدية للبنك مقابل تسديد مقابلها في جهة أخرى. وتتم بوسائل عديدة أهمها الحوالة بالمعنى الضيق ولعله المقصود هنا، ومنها بالمعنى الواسع الشيكات المصرفية والشيكات مقبولة الدفع ووسائل أخرى تشمل الكمبيالات والشيكات السياحية والاعتمادات المستندية والبطاقات الائتمانية ونحوها، وهي وسائل يمكن القول إنها جميعا بدائل للحوالة بالمعنى الضيق وهذه الوسائل تتم غالبا عن طريق استعمال الصرف الأجنبي.
وأضاف أن من أبرز إيجابيات الحوالة: تسهيل تحويل الأموال من مكان لآخر ومن شخص لآخر دون تكلفة تذكر. وقد لاقت هذه الخدمة وما تزال رواجا كبيرا لما لها من دور فاعل في تحقيق الأمن والاطمئنان للعملاء، ولما لها من ميزة قلة التكلفة على الأطراف المستفيدة منها، وخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه المعاملات التجارية وغير التجارية، وازداد تشابك المصالح بين الأفراد والمؤسسات والمنظمات والحكومات ونحوها، إلى جانب كونها وسيلة مشروعة ونافعة وفيها مصلحة ليس في الشريعة ما يمنعها.
وأشار إلى أن أثرها الاقتصادي كبيراً جدا، كونها تغني عن حمل أو الاحتفاظ بمبالغ كبيرة من النقد وعن المخاطر المترتبة على ذلك، مع توفير إمكانية الشراء بواسطتها من داخل وخارج البلاد في حدود المبالغ المرسلة بها، وكونها وسيلة مقبولة واسعة الانتشار في التبادل المحلي والأجنبي.فهي باختصار تعد وسيطا عالميا للمبادلة وكأداة وفاء بالمدفوعات المحلية والدولية. وأشار إلى أنه لا توجد سلبيات تذكر للحوالة، وإذا كان من سلبيات تذكر في هذا المجال فهي في أمور وملابسات ليس للحوالة في حد ذاتها دخل فيها، ولعلها تأتي من جانبين الأول: من الطرائق والأساليب غير المشروعة وغير النظامية التي يتم التعامل بها في مجال التحويل، مثل غسيل الأموال ودعم الإرهاب والتهريب ونحوها، ويدخل في ذلك الطرق التي تتبعها البنوك في التعامل في الحوالات المصرفية . والثاني: ربما يتمثل في أثرها غير المرغوب فيه على ميزان مدفوعات الدولة.
وحتى نتصور الآثار الاقتصادية الهائلة للحوالات إذا علمنا أن فروع المصارف المحلية تنهمك في مبيعات العملات الأجنبية خلال نشاطها اليومي في شكل حوالات وشيكات واعتمادات الخ، ومتوسط الإصدارات الشهرية للحوالات والشيكات فقط (خلاف الاعتمادات) تعادل في المصرف المحلي الواحد في المملكة ما يقرب من نصف مليون معاملة (نحو 20 ألف معاملة في اليوم الواحد للمصرف الواحد تقريبا). وبناء على بعض الإحصاءات والتقديرات فإن الحجم المالي لهذا الكم من التحويلات عبر المصارف المحلية جميعا يقرب من 700 مليار ريال في العام الواحد. هذه الحوالات تشتمل على بعض المفردات ذات الأثر السلبي في ميزان المدفوعات وهي تحويلات العمالة الوافدة والاستيراد والسياحة والسفر وهجرة الرساميل.
وتابع: الحوالة سواء أكانت داخلية أو خارجية جائزة شرعا، ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان المبلغ المحول سيقبض بالعملة التي يتسلمها البنك من طالب التحويل في المكان الذي فيه المستفيد منها، وهذه الحالة التي تعرف عند الفقهاء بالسفتجة،
وهي معاملة جائزة ولا شبهة فيها ولا تردد في صحتها وجوازها. أو كان المبلغ المحول سيقبض بعملة أخرى في بلد آخر محول إليه، مثل من يدفع للبنك مبلغا من الريالات السعودية ليقبض بدلا منه دولارات في أمريكا أو ليرات في تركيا مثلا.
ففي الحالة الأخيرة تتركب المعاملة من عقدين:
مصارفة بين نوعي النقود وتحويل. ومتى دخل عنصر المصارفة في المعاملة وجب التقابض بين بدلي الصرف في مجلس العقد نفسه.
والصعوبة التي قد تعترض هذا التقابض الواجب شرعا تتمثل في أن المبلغ قد يكون ضخما (عدة ملايين مثلا) فيصعب العد والنقد ومن ثم القبض في محل الصرف.
ويمكن حل الإشكال عن طريق إصدار شيك بالعملة الأخرى مسحوب على مراسل البنك في الخارج،
فيكون الشيك قد أدى وظيفتي المصارفة والتحويل، تماما كما تؤدى الحوالة حين يتسلم طالب التحويل إشعار التحويل الذي يثبت أن المصارفة قد تمت ليقوم البنك بإجراءات التحويل.
ولما كانت الحوالات المصرفية وبدائلها إنما تسحب في المعتاد على المصارف التجارية يتبين أهمية الدور الأساسي الذي تلعبه الأرصدة الخارجية لهذه المصارف في شرعية هذه المعاملة.
ذلك أن هذه المصارف تغطي أرصدتها المسحوب عليها تلك الحوالات والشيكات (وحتى الاعتمادات) بعد تجمعيها من الفروع اعتمادا على أن الشيكات تأخذ في المتوسط نحو 45 يوما لتمر عبر أنظمة المقاصة قبل أن تحسم من حساب كل بنك. وهذا الإجراء يعني أن البنك التجاري عند إصدار الحوالات والشيكات يبيع ما لا يملك ويربح فيما لا يضمن .
وقرارات الهيئات الشرعية والمجامع الفقهية التي أجازت أن يكون القيد في الحساب والشيك المصرفي المقبول الدفع قبضا حكميا اشترطت أن يكون على رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها، وأن يكون هذا الرصيد محجوزا. وهو قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في رجب 1409 /1410هـ
المصدر صحيفة الاقتصادية


التخريج الفقهي للقيد المصرفي


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد : _
فهذه دراسة فقهية للقيد المصرفي كانت ضمن رسالة دكتوراه قدمتها عام 1419هـ للمعهد العالي للقضاء في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وقد رأيت إفرادها بالنشر لما يلي : -
1- إن القيد المصرفي عمدة البنوك في كثير من أعمالها حتى أصبح التعامل به مفضلاً على القبض الحقيقي للأموال .
2- إن التجارة الدولية في الأموال تعتمد على هذا النوع من العمليات البنكية .
وبما أن القبض الحقيقي عمدة عدد من المعاملات الشرعية من حيث الصحة والضمان , وغيرها فإن الحاجة داعية إلى البحث في حقيقة هذه العملية البنكية شرعاً , وهل تقوم مقام القبض الحقيقي أم لا , حتى يكون المسلم على بينة من أمره في هذا النوع من المعاملات فيعتمد الأخذ بما دل عليه الدليل .
وهذه الدراسة هي الجزء الأول من سلسلة دراسات فقهية في معاملات مالية معاصرة .
أسأل الله عز وجل أن يجعل العمل خالصاً لوجهه وأن ينفع به صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
تمهيد في تعريف القيد المصرفي , و الأثر الناتج عنه : -
يمكن تعريف القيد المصرفي بأنه : إجراء كتابي يقوم به البنك في سجلاته يثبت به استحقاق شخص معين لمبلغ محدد من المال في ذمة البنك .
الأثر الناتج عن هذا التقييد : _
لا يتم بهذا التقييد نقل حسي للنقود , ولكن يترتب عليه ثبوت ملكية الشخص المستفيد - حكماً - للمبلغ المقيد في سجلات البنك .
ويحصل هذا الأثر الحكمي من تاريخ قيد المبلغ المعين في حساب المستفيد , وقد أصبح هذا عرفاً بنكياً معمولاً به في العديد من البلدان .
وبموجب هذا الإجراء المصرفي فإن الشخص المستفيد يستطيع أن يتصرف بالمبلغ المقيد له في سجلات البنك تصرفاً كاملاً , فله أن يسحب كل المبلغ من البنك أو بعضه أو يحيل عليه , أو يصارف به في أي وقت يختاره ما لم يكن عليه قيود خاصة .
ويعد المبلغ المقيد في سجلات البنك وديعة مصرفية للمستفيد , وعرف الناس في ودائعهم لدى المصارف أنهم يعدونها في متناول أيديهم حكماً , وهي طريقة يفضلها كثير من الناس في هذا العصر إذا اطمئنوا إلى ملاءة البنك .
هل يعد القيد المصرفي قبضاً في صرف العملات الورقية بعضها ببعض ؟
صورة المسألة : - إذا تقدم شخص لمصرف ما بعملة [ ريالات مثلاً ] وطلب صرفها بدولارات , فتم عقد الصرف بين الطرفين , وقبض المصرف ريالات - أو كانت في ذمته وديعة مصرفية لطالب الصرف - ولكنه [ المصرف] لم يسلم الدولارات للعميل , وإنما قيدها له في حسابه المصرفي عنده , فهل يكفي هذا التقييد , ويقوم مقام القبض الحقيقي أم لا ؟
اختلف الفقهاء في هذا العصر على قولين : -
القول الأول : إن القيد المصرفي في قبض حكمي , فيقوم مقام القبض الحقيقي , وإلى هذا ذهب الكثير من الباحثين في هذا العصر , وبه أخذ أكثرية أعضاء المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي , ومجمع الفقه الإسلامي في منظمة المؤتمر الإسلامي .
القول الثاني : إن القيد المصرفي ليس قبضاً حكمياً , ولا يقوم مقام القبض الحقيقي وهذا رأي الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله -.
حجج أصحاب القول الأول : -
احتج أصحاب القول الأول بما يأتي : -
1- إن في القيد المصرفي تعييناً لحق المستفيد , والتعيين هو المقصود بالقبض.
مناقشة هذه الحجة :-
تناقش هذه الحجة من وجهين : -
الوجه الأول : إن قولكم إن المقصود بالقبض هو التعيين غير مسلم , لأن القبض أخص من التعيين من حيث الحس , وهو المؤكد عليه بالأحاديث , ولا يصح تفسير الأخص بالأعم .
الوجه الثاني : إن الفقهاء الذين ذهبوا إلى تفسير القبض بالتعيين صرحوا باشتراط التقابض في الصرف خاصة , لأن فائدة التعيين هي معرفة عين المعقود عليه بذاته وهذا لا يفيد شيئاً فيما تتماثل آحاده .
2- إن القبض مرده إلى العرف , والعرف في هذا العصر يعد القيد المصرفي قبضاً حكميا .
مناقشة هذه الحجة : -
نناقش هذه الحجة بأنه لا شك في اعتبار العرف في كثير من الأحكام الشرعية لكن الشارع عين كيفية التقابض في الصرف فقال :( يداً بيد ) ولم يتركه مطلقاً , وما ثبت بالنص لا يغيره العرف .
3- قياس التقييد المصرفي على جواز اقتضاء الدنانير من الدراهم التي في الذمة كما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنه وأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بالجواز .
مناقشة هذا الدليل : -
يناقش هذا الدليل من وجهين: -
الوجه الأول : إنه قياس مع الفرق , فإن العوض الذي كان ابن عمر - رضي الله عنه - يستبدل به نوعاً آخر من الأثمان مستقر في ذمة الطرف الآخر فهو مقبوض أصلاً , ثم إن ابن عمر يقبض العوض البديل , فيتم بهذا التقابض من الطرفين في مجلس العقد , بخلاف القيد المصرفي فليس فيه قبض إلا من جهة البنك , أما العميل فلم يقبض قبضاً حسياً وليس في ذمته مال للبنك يمكن أن يكون عوضاً عن النقد الذي دفعه للبنك .
الوجه الثاني : إن ابن عمر - رضي الله عنه - صارف نقداً في الذمة بعوض آخر قبضة في مجلس العقد أما ما يجريه البنك فهو مصارفة نقد حاضر بعوض يستقر في ذمة البنك ديناً للعميل , فهو عكس ما كان يفعله ابن عمر .
أدلة أصحاب القول الثاني :-
يستدل للقول الثاني بما يأتي : -
1- إن الأحاديث - المبينة لكيفية التعامل بالأموال الربوية - نصت في الصرف على التقابض الحقيقي حساً لقوله صلى الله عليه وسلم : ( يداً بيد ) والتقييد المصرفي لا يتحقق فيه التقابض الحسي فلا اعتبار به .
2- إن التقييد المصرفي لا يعدو كونه إثبات استحقاق المستفيد للمبلغ المقيد في سجلات البنك .
مناقشة هذه الحجة : -
نناقش هذه الحجة بأن التقييد المصرفي ليس إثبات استحقاق فقط - في جميع الأحوال - وإنما هو نقل حكمي للمبلغ المقيد من ذمة البنك العامة إلى حساب المستفيد . لذلك سميت (نقوداً قيدية ) .
الجواب عن هذه المناقشة : -
يجاب عن هذه المناقشة بأن المبلغ المقيد لا زال في حوزة البنك حساً فلم يحصل حيازة للعوض - والحالة هذه - من قبل المستفيد.
الموازنة والترجيح : -
لم يسلم أي دليل للقول الأول من مناقشة - مضى إيرادها في موضعها - اما أدلة القول الثاني فإن لها وجهاً قوياً .
وكلا القولين متفقان على أن القيد المصرفي ليس قبضاً حسياً للمبلغ المقيد , ولكن القول الأول يعول على أنه يحصل بالتقيد المصرفي قبض حكمي ..., فهل يمكن أن يعد هذا الإجراء قبضاً حكمياً .
قبل الحكم في ذلك لا بد من النظر في أمرين : -
الأول : الأصل في عقد الصرف من حيث التقابض ... يداً بيد , وما ألحق به .
الثاني : حصر الآثار الحاصلة بالقبض الحقيقي وماذا يحصل منها بالتقييد المصرفي .
فأما الأمر الأول وهو النظر في الأصل في عقد الصرف , وما ألحق به فالكلام فيه في مسائل ثلاث : -
1- الأصل في الصرف تقابض العوضيين يداً بيد تقبض حسي - قبل التفرق من مجلس العقد - وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم - على ذلك - بقوله :(( يداً بيد )) , (( عيناً بعين )) أي نفس العوض المعقود عليه .
2- ألحق بالقبض في مجلس العقد ما كان مستقراً في الذمة من قبل , إما بقبض متقدم أو كان مترتب في الذمة حكماً , كما إذا كان عوضاً عن مبيع , كما في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - في اقتضاء الدراهم من الدنانير , والدنانير من الدراهم ممن ترتبت في ذمته .
3- اتفاق فقهاء المذاهب الأربعة على قيام قبض الوكيل مقام قبض العاقد , - في الصرف - إذا قبض الوكيل قبل تفرق العاقدين من مجلس العقد .
والقبض في الحالة الثانية والثالثة , هو بمعنى المناولة باليد في مجلس العقد , وعند التأمل فيهما يتضح لنا معنى التقابض (( يداً بيد )) لا يلزم منه أن يكون بيد الأصيل , ولو كان هو العاقد , ولا يلزم - دائماً- إحضار كلا البديلين في مجلس العقد , وإنما يكفي إحضار أحدهما إذا كان الآخر مستقراً في ذمة أحد طرفي العقد , مع حضور كل منهما في مجلس العقد .
وأما الأمر الثاني وهو حصر الآثار الحاصلة بالقبض الحقيقي ثم النظر فيما يحصل منها بالقيد المصرفي فهو كما يلي :
إن ما يحصل من آثار حسية وحكمية بالقبض الحقيقي يمكن حصرها في ثلاثة أمور هي : -
1- خروج المال [العوض النقدي ] بعينه من حوزة صاحبه الأصلي إلى اليد الحسية أو الحكمية للطرف الآخر للعقد
2- تمكن قابض العوض النقدي من التصرف فيه تصرفاً مطاقاً .
3- انتهاء الصلة العقدية بين طرفي العقد .
والقيد المصرفي يحصل به الأثر الثاني والثالث كاملاً , فالتصرف المطلق يحصل به دون قيد متى تم إجراؤه ولم يكن على حساب المستفيد قيود تمنع من التصرف فيه , أما الصلة العقدية بين طرفي العقد فهي تنتهي بالقيد المصرفي .
وأما الأثر الأول فلا يحصل بعملية التقييد المصرفي , ولكن إذا كان القيد في حساب المستفيد فالحساب وعاء حكمي لصاحبه , وعند الحنابلة : عن وعاء القابض كـ يده -في إحدى الروايات- فما عبر به مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي من كون القيد في حساب للمستفيد هو الراجح في نظري .
أما إذا لم يكن للمستفيد حساب في البنك فأرى أن القيد المصرفي في سجلات البنك لا يمكن اعتباره قبضاً حكمياً ,إلا إذا وكل المستفيد شخصاً معيناً في البنك يقبض المبلغ وتم ذلك فعلاً قبل مفارقة العميل للبنك . أو يعطي البنك المستفيد شيك مصدق بالمبلغ المقيد له في سجلات البنك .
وبهذا يتبين أن رجحان كون القيد المصرفي قبضاً حكمياً مقيد بشروط لا بد من تحققها وهي : -
1- أن يتم التقييد قبل مفارقة أحد طرفي العقد للآخر , ولا يغتفر في ذلك أي مدة بعد تفرق طرفي العقد .
2- أن يتم التقييد في حساب العميل لدى المصرف , أو يعطي البنك المستفيد شيكاً مصدقاً بالمبلغ المقيد له , أو يوكل المستفيد أحد موظفي البنك في القبض الحسي على أن يقبض الوكيل قبل مفارقة العميل البنك .
3- أن يكون في حوزة البنك من النقد بقدر المبلغ المقيد في حساب العميل .
4- أن يتمكن المستفيد من التصرف المطلق بالمبلغ فور تمام هذا الإجراء .
5- أن يكون المبلغ المقيد في الحساب من الأوراق النقدية وليس ذهباً ولا فضة .
سبب اعتبار عدم القيد المصرفي قبضاً حكمياً في الذهب والفضة : _
بيع الذهب والفضة بالعملات الورقية المعاصرة هو من الصرف , لأنها كلها أثمان لكن إذا كان العوض الذي يراد الاكتفاء بتقييده عن قبضه حساً هو من الذهب أو الفضة فإن ذلك غير كافٍ عن قبضها عيناً , ولا يقوم مقامه فلا يصح الاكتفاء به لما يأتي : -
1- إن العقد على الذهب والفضة عقد على أعيان مقصودة لذاتها على أي حالة كانت : تبراً , أو حلياً , أو كانت دنانير , أو دراهم مضروبة , فقيمتها هي في نفس العين المعقود عليها , ولا تحصل آثار القبض إلا بقبض أعيانها , بخلاف النقود الورقية , فإن قيمتها اعتبارية , والمعول عليه هو القيمة الاسمية للورقة , ولذا فهي لا تختلف باختلاف ذواتها ولا فئاتها إذا كانت من عملة واحدة .
2- إن النقود الورقية يمكن استيفاؤها حقيقة - في هذا العصر - بطرق كثيرة , ومنها ما هو فوري - عندما يرغب المستفيد ذلك - كما إن النقد الورقي في البنوك متوفر أكثر من الذهب والفضة الذي يندر أن يكون موجود في كل فرع من فروع البنك , فيضطر المستفيد والحالة هذه إلى الانتظار فترة من الوقت حتى يمكن إحضار الذهب أو الفضة له , وهذا يؤدي إلى أن لا يتمكن من التصرف الفوري بما عقد عليه من الذهب أو الفضة , وهذا مخل باعتباره قبضاً حكمياً .
مسألة : هل يغتفر في التقييد المصرفي التأخير مدة معينة بعد مفارقة المستفيد للبنك ؟
جاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ما نصه : (... ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل , على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسليم الفعلي ... )
والذي أراه متفقاً مع مقتضى التقابض قبل التفرق من مجلس العقد الذي جاء في نصوص الأحاديث التأكيد عليه هو أن لا يغتفر في التقييد المصرفي أي مدة طالت أم قصرت , وأنه لابد أن يتم التقييد قبل مفارقة المستفيد للبنك , لأنه إذا كان لا يتسامح في القبض الحقيقي التأخير بعد التفرق ولو كان يسير فلأن يكون ذلك المنع في القبض الحكمي أولى , وأيضاً فإن منع المستفيد من التصرف في العملة المقيدة له خلال المدة المغتفرة يعود بالنقض على القول بأن التقييد المصرفي قبض حكمي يقوم مقام القبض في مجلس العقد بشروطه ؛ إذ كيف يعد قبضاً باتاً ثم يمنع أحد طرفي العقد من التصرف في العوض الذي قبضه حكماً ؟ فهذا - والحالة هذه - إما أنه تقييد لحريةالمستفيد من التصرف في ملكه , وهذا منع بغير حق فلا وجه للقول به , وإما أنه لم يحصل بهذا الإجراء أثر القبض على الفور فلا يصح أن يعد قبضاً باتاً , وهذا هو المتفق مع حقيقته في الصورة المعروضة فلا يصح الاكتفاء به في الصرف - والله أعلم-

أمثلة تطبيقية للقيد المصرفي في المعاملات المعاصرة وحكمها
المثال الأول : بيع العملات بعضها ببعض في مراكز المعاملات المالية الدولية والاكتفاء بالتقييد المصرفي المتبادل .
المثال الثاني : شراء الذهب والفضة ... وقيد ثمنه مصرفياً بواسطة أجهزة ( نقاظ البيع ) .
المثال الأول : بيع العملات بعضها ببعض في مراكز المعاملات المالية الدولية والاكتفاء بالتقييد المصرفي المتبادل : - هذه الطريقة للتجارة في العملات الأجنبية تقوم بها بعض المصارف العالمية , وهي تعامل متعدد الأطراف في الصرف الأجنبي , وقد يطلق عليها اصطلاح الترجيح أو المراجحة , ( وهي في نطاق الصرف تنطوي على شراء عملات أجنبية من سوق [ لندن في سوق آخر [نيويورك] مثلاً بهدف ربح فرق السعر بين المركزين إذا وجد ذلك الفرق , وتتم العملية على أساس السعر الحاضر وتقيد الحقوق دفترياً ...) .
التخريج الفقهي لهذا النوع من التعامل : -
هذه الطريقة لتجارة العملات لا يحصل بها تقابض حسي من أي طرف فيها , وإنما يكتفي بالتقييد المصرفي للعوضين كليهما وهي تشبه عملية بيع الدين بالدين عند من لا يعتبر التقييد المصرفي قبضاً حكمياً , وذكر بعض الباحثين أن هذه الطريقة ضاق نطاقها بسبب القيود التي تفرضها بعض الدول على الصرف .
الحكم الفقهي الشرعي للتعامل بها : -
قال بعض الباحثين بجوازها ( باعتبار أنها أعمال صرف حاضر مع التقابض الحسابي المتبادل ).
والذي يظهر لي أنها غير جائزة لما يأتي : -
1- إن التعامل بهذه الطريقة يؤدي إلى أن يتخلى كل من طرفي العقد عن صفته من الأصالة بنفسه إلى الوكالة عن صاحبه [ الطرف الآخر في العقد ] , والأصل أن يقبض كل طرف - البدل الذي عاوض عليه - لنفسه من الطرف الآخر , وههنا يكون كل من طرفي العقد قد قبض من نفسه للطرف الثاني في العقد ومثل هذا الوصف لطرفي العقد لو حصل وهما حاضران في مكان واحد لم يصح فكيف يصح وهما غائبان عن بعضهما ؟
2- إن هذا من الحيل على ترك التقابض , ولو كان سائغاً لأرشد إليه الشارع , فإن هذا لا يكلف شيئاً سوى ان يوكل كل من طرفي العقد صاحبه في قبض ما بيده له .
3- إن الأصل في التقابض ان ينتقل العوض عن حوزة صاحبه على الآخر حساً وأثراً , ولا يعدل عن ذلك إلا في أحوال مقيسة على ذلك بضوابط لا تتوفر في هذا النوع من التعامل .
4- إن هذا النوع من التعامل مبني على المجازفة , وربما استقر في ذمة كل من البنكين مبالغ طائلة بعملات متنوعة - بهذه الطريقة - ولا يوجد لدى البنك كثير منها , فيؤدي على شغل ذمة كل منهما بحق الآخر دون قدرة على التسليم الحقيقي والله أعلم .
المصدر موقع علماء الشريعة




مدى مشروعية حوالة الدَّين (دراسة فقهية مقارنة) أ.د/ فتحي عثمان الفقي





مدى مشروعية حوالة الدَّين
(دراسة فقهية مقارنة)
أ.د/ فتحي عثمان الفقي


السفتجة مفتاح من مفاتيح فهم الربا في الإسلام


(الجديد في فقه السفتجة).
رفيق يونس المصري
"مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي ـ جامعة الملك عبد العزيز ـ جدة"
مقدمة
قد يحدث أحيانًا أنك ترفع حجرًا، فتقع على كنز ثمين، والسفتجة في الفقه الإسلامي واحدة من الذخائر التي قلما يُنتبه إليها، وإلى مدى ما تميط اللثام عنه من أفكار ومبادئ ولطائف فقهية، تعين على فهم بعض ما اختُلف فيه واشتُبه، ولا تخفى أهميتها على مستوى التعامل بين الأفراد، أو بين المصارف وغيرها، كما سيتبين من خلال البحث الآتي:
معنى السفتجة
يمكن تعريف السفتجة بأن أحدهم يُقرض آخر مالاً في مكان، ليوفيه المقترضُ (أو نائبُه) إلى المقرض نفسه (أو نائبِه) في مكان آخر. وهذا يعني باختصار إن المقترض يسدد القرض في غير البلدة التي اقترض فيها، وبعبارة أخرى فإن مكان الوفاء يختلف عن مكان القرض.
السفتجة نوعان: سفتجة دين وسفتجة قرض
وقد تنشأ السفتجة عن دين، كما في البيع المؤجل (النسيئة أو السلم) أو الإجارة (وهي بيع المنافع)، وقد تنشأ عن قرض، وهو الأصل، كما في التعريف. ولما كانت الزيادة في البيع جائزة في مقابل الأجل عند جمهور الفقهاء، فإن السفتجة الدَّيْنية جائزة كذلك بلا خلاف، وإن كان الوفاء في البلد الآخر مشروطًا من البائع، وكانت فيه مؤنة (تكلفة) على المشتري.
أما السفتجة القرضية: (الناشئة عن قرض)، فلا خلاف أنها جائزة إن كان الوفاء في البلد الآخر غير مشروط، بل كان على سبيل المعروف، فهذا يكون من باب حسن القضاء، وأشبه بالحوالة التي أمرنا بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ قال: (مَطلُ الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدُكم على مليء فليتبع) رواه الجماعة. وفي لفظ لأحمد وابن أبي شيبة (ومن أُحيل على مليء فليحتل) والمطل: التأخر في وفاء الدين بغير عذر. والغني هو القادر على الدفع، فعليه دفع القرض حالما يستطيع، لأن القرض عند جمهور الفقهاء حالّ، أي يستحق الدفع بمجرد طلب المقرض أو ميسرة المقترض.
أما المدين في الديون المؤجلة، كالبيوع، فعليه الدفع في الأجل ( = الاستحقاق) متى كان قادرًا، وإلا اعتبر مماطلاً ظالمًا. وقوله: "فليحتل" أي: فليقبل حوالة المدين، إرفاقًا به، وتيسيرًا للوفاء.
أما إذا كان الوفاء في السفتجة القرضية مشروطًا في البلد الآخر، فقد اختلف الفقهاء في جوازها. فمنعها الشافعية والظاهرية وأباحها الإمامية وبعض الشافعية، كما أباحها المالكية إذا دعت الضرورة، وكانت منفعتها مما يُتسامح به عادة ولا يُعتدُّ، وأباحها كذلك الحنابلة([1]). وبحثي هنا يدور على هذا النوع من السفتجة موضع النزاع، لنرى هل هي جائزة بحق، وما ضابط الجواز فيها؟
مقصود السفتجة (القرض والسفتجة)
وهكذا فالسفتجة (القَرْضية) قرض كغيره من القروض، غايته الإرفاق بالمقترض، أي مقصوده الأصلي نفع المقترض ومواساته، غير أن فيه منفعة إضافية (في السفتجة) تعتبر هي نفسها من جهة إرفاقًا آخر بالمقترض، حيث قبل المقرض طلبه بالوفاء في البلد الآخر، ومن جهة أخرى نفعًا للمقرض من حيث توفير كراءً (أجرة) نقل المال من بلد إلى بلد، والحصول على أمن الطريق، لأن المقترض ضامن لوفاء القرض في البلد الآخر. فلو أراد المقرض نقل المال مع شخص إلى بلد آخر لكان عليه أن يدفع كراء النقل، وأن يتحمل أخطار الطريق، لأن نقل المال يتم أمانةً لا ضمانةً، فلو هلك بدون تعدٍ من الناقل لهلك عليه.
ومن المعلوم أن ضمان المال المُحوَّل من بلد إلى بلد آخر أمر مهم في نظر المقرض، وتزداد أهميته كلما زاد المبلغ، لأن حجم المخاطرة يزداد فإنه يتعرض لأخطار الطريق، كالضياع والتلف والسرقة، وما إلى ذلك.
أما كراء الحمل (أو النقل) فهو أمر يسير في حالة المال الذي تكبر قيمتُه ويسهل حملُه، كنقود الذهب والفضة، أو النقود الورقية. أما إذا كان القرض سلعةً مثلية أخرى، أو أي شيء آخر مما يجوز إقراضه، كالقمح والشعير والتمر والملح، والحيوان (على بعض الآراء والنصوص) فإن الكراء يصبح ذا بال، كلما ثقلت السلعةُ وزادت المسافة.
ومن هذا يتبين بوضوح أن المنفعة التي يمكن أن يحققها المقرض من السفتجة تتمثل في منفعتين:
1- كراء الحمل، وهذا معنى ما ورد في بعض الآثار في استنكار السفتجة: فأين كراء الحمل؟ أو: أين الحمل؟([2])
2- ضمان المال، وهذا معنى قول عمر بن الخطاب مستنكرًا أو كارهًا: كيف بالضمان؟ فكيف لك بالضمان فيما بين ذلك؟ يقصد فيما بين بلد القرض وبلد الوفاء، حيث يكون المال مضمونًا على المقترض.([3])
حالات السفتجة
يمكن أن نتصور في السفتجة الحالات التالية:
1- لا يشترط في السفتجة أن تكون قرضًا غايته التضمينُ، تضمينُ المقرض للمقترض مال القرض، أي من أجل سقوط خطر الطريق، بل ربما تكون قرضًا غايته إرفاق بعد إرفاق، حتى أن المقرض ربما يضطر إلى إعادة مال الوفاء إلى بلد القرض، فيتحمل بذلك الكراء والضمان. وهذا معنى قول بعض الفقهاء في السفتجة: "ليس فيها أخذ زيادة، ولا جرُّ نفع، بل قد تكون أضر". ويبدو أن أصحاب الموسوعة الفقهية الكويتية لم يفطنوا إلى هذا المعنى (انظر الحوالة ص 211 الحاشية 5) ففي هذه الحالة من حالات السفتجة نجد أن المنفعة متمحِّضة للمقترض.
وهذه الحالة جائزة بلا خلاف، بل مستحبة لأن منفعة القرض الأصلية، ومنفعة السفتجة الإضافية تصُبان في اتجاه واحد: منفعة المقترض. وهذا تعزيزٌ لمقصود عقد القرض. وكأن في المعاملة ههنا عقدين اجتمعا معًا: عقد القرض وعقد الهبة. وفي كليهما معنى الصدقة على المقترض والإرفاق به. وهذا الاجتماع جائز لأن العقدين غير متنافرين، وليس في ذلك ذريعة إلى حرام.
2- وقد تكون السفتجة إقراضًا غاية المقرض منه تضمين المقترض، فيدفع المال إليه قرضًا، لا أمانة، ليستفيد به سقوط الأجر وسقوط خطر الطريق، في نقل المال من بلد إلى آخر، ففي هذه الحالة منفعة السفتجة متمحضة للمقرض، وقلت: السفتجة لا القرض، لأنني أعني المنفعة الإضافية، أما منفعة القرض الأصلية فهي للمقترض. وهذه الحالة لا تجوز لأن منفعة القرض للمقترض قوبلت بمنفعة السفتجة للمقرض، فكانت بذلك من باب الربا المحرم.
3- وقد تكون السفتجة لمنفعة الطرفين، منفعة للمقترض فوق منفعة القرض الأصلية، إذ يسدد القرض في البلد الآخر بناء على رغبته في وفاء القرض من ماله الموجود في هذا البلد، وهذه المنفعة للمقترض صادفت منفعة للمقرض، تمثلت في نقل المال من بلد إلى آخر، مجانًا ومضمونًا، فهذه الحالة هي موضع النزاع بين الفقهاء، وسأكشف لك بعد قليل إن جوازها أظهر. والله أعلم.
السفتجة والحوالة
الحوالة تقع عندما يطالب أحدهم مدينه، فيحيله هذا على مدين له مليء أي قادر على الدفع، غير جاحد للدين. وقد تقدم الحديث الشريف بأمر الدائن بقبولها، فالمحيل هو المدين. (هذا عند الجمهور أما عند الحنفية فلا يشترط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل)، والمحال هو الدائن، والمحال عليه هو مدين المدين، والمحال به هو الدين المطلوب.
ومن المناسب هنا أن نبين بعض الفروق بين الحوالة والسفتجة:
1- الحوالة فيها نقل الدين من ذمة إلى ذمة، من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، مع ما يترتب على ذلك من زوال ضمانات الدين المحال به في المحل الأول، وعدم استفادة المحال من ضمانات الدين في المحل الثاني، ما لم يشترط ضمانات جديدة. أما السفتجة فهي قرض يسدد في بلد آخر. ففي حين أن المقصود بالحوالة هو الإيفاء (إيفاء المحال عليه) والاستيفاء (استيفاء المحال)، نجد أن المقصود بالسفتجة هو القرض، ونقله إلى بلد آخر. فإذا وقعت الحوالة بين دينين كانت مُقَاصَّة، يعني أن المحال عليه يوفي ما بذمته للمحيل، من طريق توفية ما بذمة المحيل للمحال.
وبعبارة أخرى، فإن الاعتبار في الحوالة للشخص الآخر، وفي السفتجة للبلد الأخر، فإذا وفى القرض إلى شخص آخر فهي حوالة، وإذا وفاه في بلد آخر فهي سفتجة، وإذا وفاه إلى شخص آخر في بلد آخر فهي حوالة وسفتجة.
ومن هنا أرى وجهًا قويًا لجمهور الفقهاء الذين يُدخلون السفتجة في باب القرض، لا في باب الحوالة.
2- الحوالة عقد إرفاق محض، لا يجوز فيها للمحال المقرض أن يتقاضى أجرًا عليها من المحيل المقترض، وإلا كان ذلك ذريعة إلى الربا. لكني أكره له أن يحيله وهو قادر على الوفاء، حيث لا عذر له في تسبيب المتاعب له، إلا إذا تطوع المحال صراحة، لكونه أقدر من المحيل على استخلاص حقه من المحال عليه. وأستحب له أن يحتال ( = يقبل الحوالة) إذا كانت على من هو أفضل من المدين المحيل، لما في ذلك من مساعدة المدين المحيل، وتيسير الوفاء، واجتناب النزاع بينهما (ولا يهم إن وقعت الحوالة عند استحقاق الدين أو قبله).
أما السفتجة فيمكن أن تكون المنفعة الإضافية فيها إرفاقًا محضًا بالمقترض، كما يمكن أيضًا أن تكون مشتركة بين المقرض والمقترض. ولا تجوز إن كانت المنفعة خاصة بالمقرض فقط، حيث تترتب مؤنة على المقترض لتحقيق منفعة المقرض، كما بينا.
3- الحوالة عند الفقهاء قد تكون حوالة دين أو حوالة قرض. أما السفتجة فهي عندهم سفتجة قرض فقط، كما مرّ في التعريف. وقد عدَّيناها إلى الدَين مجازًا لتقريبها من السفتجة القانونية تقريبًا لا يعتريه حرام، ولأن الدين شبيه القرض، إلا أن الأول مؤجل، والثاني حالّ (عند الجمهور)، وإن أجاز بعض الفقهاء تأجيله.
4- في الحوالة معنى التوثق، لأن المحال عليه يكون في الغالب أملاً من المحيل، وذا سمة ائتمانية أفضل، ولأن براءة ذمة المحيل متوقفة على سلامة الدين من التَّوىَ (= الهلاك والضياع نتيجة عجز المحال عن الوصول إلى حقه من طريق المحال عليه).
والتوثق غير موجود بهذا المعنى في السفتجة.
5- في الحوالة ثلاثة أطراف: مُحيل (هو المدين) ومُحال (هو الدائن) ومحال عليه (هو الذي يوفي الدين) أما السفتجة فهي علاقة ثنائية بين المقرض والمقترض، أو من ينوب عنهما، والنائب لا يعتبر شخصًا ثالثًا.
وقد تجتمع السفتجة والحوالة، عندما يقوم مدين المقترض (لا وكيله) بالوفاء في البلد الآخر.
السفتجة بين الفقه والقانون
السفتجة في الاصطلاح القانوني (وقد تدعى كمبيالة، أو بوليصة، أو سند سحب، بالفرنسية (Traite) أو (Lettre de Change) قد يكون بلد وفائها هو بلد سحبها، وتسمى بالانجليزية عندئذ (Draft) وقد يختلف البلدان، فيكون بلد الوفاء غير بلد السحب، فتسمى عندئذ (Bill of Exchange) كما أن المستفيد قد يكون هو الدائن نفسه، وقد يكون شخصًا ثالثًا.
والسفتجة القانونية تكاد تتطابق من حيث الأصل مع السفتجة الفقهية، ولا سيما بالصورة التي ذكرها ابن عابدين في حاشيته 4/295، حيث يمكن أن تكون بين موضع وآخر في البلد الواحد، ولا يشترط أن تكون بين بلدين مختلفين، اللهم إلا في حالة واحدة: عندما يكون مكان الوفاء نفس مكان القرض، ويكون المستفيدُ هو الدائن نفسه، وهذا وارد في القوانين والأنظمة الوضعية (انظر على سبيل المثال المادتين 3 و 4 من نظام الأوراق التجارية السعودي). فنكون هنا أمام قرض عادي مثبَّت بهذه الوثيقة، ولا يثار فيه موضوع خطر الطريق البتة، وهو العنصر الأساسي موضع النزاع في السفتجة الفقهية.
بعض النصوص الفقهية
1- جاء في المغني لابن قدامة:
نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يُجز، لأن معناه اشتراط القضاء في بلد آخر، وروي عنه جوازها، لكونها مصلحة لهما جميعًا.
وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فيأخذونها منه، فسُئل عن ذلك ابن عباس فلم ير به بأسًا. وروي عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه سُئل عن مثل هذا فلم ير به بأسًا. وممن لم ير به بأسًا ابن سيرين([4]) والنخعي. رواه كله سعيد.
وذكر القاضي أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد أخرى، ليربح خطر الطريق، والصحيح جوازه، لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحدٍ منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها، ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه، ولا في معنى المنصوص، فوجب إبقاؤه على الإباحة (المغني 4/354).
2- وجاء في فتاوى ابن تيمية:
"سئل عما إذا أقرض رجلُ رجلاً دراهم، ليستوفيها منه في بلد آخر فهل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب: إذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقرضُ غرضه حمل الدراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه، ويكتب له "سفتجة" أي ورقة إلى بلد المقترض، فهذا يصح في أحد قولي العلماء.
وقيل: نهي عنه، لأنه قرض جَرَّ منفعة، والقرض إذا جر منفعة كان ربا. والصحيح الجواز لأن المقرض (في الأصل: المقترض، وهو خطأ) رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد. وقد انتفع المقترض أيضًا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما يَنفعهم ويُصلحهم، وإنما ينهى عما يضَّرهم([5])
3- ولابن القيم نص مشابه جدًا لما ورد في رسالة القياس لشيخه. قال: "وإن كان المقرض قد ينتفع أيضًا بالقرض، كما في مسألة السفتجة، ولهذا كرهها من كرهها، والصحيح أنها لا تُكره، لأن المنفعة لا تخصُّ المقرض، بل ينتفعان بها جميعًا" (إعلام الموقعين 1/391).
وبدهيُّ أنه يعني بذلك القرض المشروط وفاؤه في بلد آخر إلى المقرض نفسه أو إلى غيره، فلو لم يكن مشروطًا لما كرهه أحد، لأنه يكون من باب حسن القضاء، إذا كان الوفاء في البلد الآخر لصالح المقرض، ومن باب الإرفاق، إذا كان الوفاء في البلد الآخر لصالح المقترض.
استدلال جديد على جواز السفتجة
ومن جملة ما يمكن أن يستدلَّ به على إباحة السفتجة، ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي:
عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق. فلما قفلا مرَّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرَّحب بهما وسهَّل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلتُ. ثم قال: بلى، هاهنا مالٌ من مال الله أريدُ أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربحُ لكما، فقالا: ودِدنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأُربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكُلُّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما. أدِّيا المال وربحه. فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا. لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدِّياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا! فقال عمر: قد جعلته قِراضًا. فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحِه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربحِ المال([6]).
ويلاحظ هنا أن أبا موسى الأشعري تراضى مع ابني عمر على السفتجة، وأن عمر بن الخطاب نازع في الموضوع لشُبهتين خارجتين عن مسألة السفتجة، وهما أن المال مالٌ عام، وأن المقترض ابنا أمير المؤمنين.
ولا أعلم أحدًا سبقني إلى الاستدلال بهذا الأثر في باب السفتجة. وإني أقول هذا لكي يتأمل معي العلماء فيه، لا أن يسلموا به تسليمهم بالقديم، وإن كنت لا أرضى بهذا التسليم إلا عن اقتناع بالحجة والدليل.
والمعلوم أن الفقهاء كانوا يُوردون هذا الأثر في باب القراض (= المضاربة). ولعلَّ السبب في عدم الالتفات إليه كثيرًا هو أنه أشكل فهمُه على كل من نظر فيه نظر تأمل.
قال الطحاوي في "اختلاف العلماء": يحتمل أن يكون عمر شاطرهُما فيه، كما شاطر عُماله أموالهم (ر: أوجز المسالك 11/405، ونَيل الأوطار 5/300) ولعل مآل هذا القولِ قريبٌ من قول ابن تيمية الذي سيأتي، وانظر فتاواه 30/327.
وقال البيهقي: تأول الترمذيُّ هذه القصة بأنه سألهما لبره الواجب عليهما أن يجعلاه كله للمسلمين، فلم يُجيباه (عبد الله بالسكوت، وعبيد الله بالكلام). فلما طلب النصف أجاباه عن طيبِ أنفسهما. وبمثل ذلك قال الدهلوي في إزالة الخفاء عن المزني (انظر أوجز المسالك 11/404).
وذهب ابن تيمية إلى أنهما اتجرا فيه بغير استحقاق (التجارة بمال الغير أو بالوديعة. انظر فتاوى ابن تيمية 30/130) "اتجر في مال يظنُّه لنفسه، فبان أنه لغيره" الفتاوى 30/129، فجعله مضاربة (الفتاوى 30/87). قال في الفتاوى 29/102: "طلب عمر جميع الربح، لأنه رأى ذلك كالغصْب، حيث أقرضهما ولم يقرض غيرهما من المسلمين، والمال (أي العام) مشترك، وأحد الشركاء إذا اتجر في المال المشترك بدون إذن الآخر، فهو كالغاصب في نصيب الشريك". اهـ وانظر الفتاوى 30/323 (باب الغصب). على أن ما يُضعف قول ابن تيمية عندي إذا ما أخذت به هو أنني أميل إلى أن نماء الحرامِ حرامٌ، لا أن نصفه حرام فقط، وهذا أقطع للحرام وأحسمُ لدابره، والله أعلم (قارن بالفتاوى 30/139).
ولعل أقربهم إلى الصواب البيهقي والترمذي. ذلك أن أبا موسى الأشعري إنما أراد، والله أعلم، أن ينقل المال العام (مال الفيء، فتاوى ابن تيمية 30/323) من البصرة إلى المدينة، فلم ير عندئذ أمامه أفضل من ولدي عمر بن الخطاب، لا لأنهما ولدا أمير المؤمنين كما خشي عمر الإمام الورع، بل لصفات ذاتية فيهما، ولاسيما الصدق والأمانة والثقة. وقد رأى أبو موسى الصحابي الجليل أن نقل المال العام أمانة قد يترتب عليه تضييع للمال العام، فما المانع أن ينقله قرضًا مضمونًا (فكان على سبيل القرض الذي إذا ربح فيه المقترض كان الربح له، وإذا خسر فعليه، لا على سبيل الابضاع، كما توهم البعض حيث يكون الربح كله لرب المال، والخسارة عليه، ولا على سبيل القراض حيث الربح مشترك والخسارة على رب المال)،
ولاسيما إذا رضي بذلك ابنا عمر. وقد رضيا بذلك على سبيل المنفعة للطرفين، فالمال العام يكون محفوظًا مضمونًا، وهما ينتفعان به إذا تحقق لهما ربح من التجارة به، بحيث يسددان القرض في المدينة المنورة. وفيه دليل على جواز الإقراض للتجارة، وإن كان الإقراض في الأصل للإرفاق، لكن قد تكون رغبة المقرض مجرد المحافظة على المال بتضمين المقترض، ولاسيما في بعض الأحوال، مثل أن لا يكون الموظف العام (أو مدير المؤسسة العامة) مأذونًا في المتاجرة بالمال العام. وعلى هذا فإن المعاملة عُقِدت قرضًا، فإذا خسرا ضمنا المال، وإذا ربحا كان الربحُ لهما.
ولعل عمر، مع ذلك، خطر له أن أبا موسى ربما فعل ذلك تقربًا إلى أمير المؤمنين ومحاباةً لولديه، فطلب المال وربحه كله، لا على أن الربح حق للدولة، بل ترغيبًا لولديه بفعل ذلك، ولكنهما لم يقبلا إلا بنصف الربح، وإن كان الربح كله حقًا لهما. وقد ذكر ابن تيمية (الفتاوى 30/323) أن الربح كان كبيرًا، إذ بلغ المال 800 ألف درهم بعد أن كان 200 ألف درهم.
وعليه أرى أن هذا الأثر أقربُ لأن يستشهد به في باب السفتجة، ذلك أن العقد بعد أن تم قرضًا لا يجوز، بعد حصول المقترض على الربح، أن يتحول قراضًا. وهذا لا يمنع الاستشهاد به أيضًا في باب القراض، لأن فيه ما يدل على جواز القراض، وإن كان الغرض من ذكر القراض فيه لا يتعدى ما هو من مستلزماته، وهو مشاطرة الربح([7]).
هل السفتجة قرض يجر منفعة ربوية محرمة؟
لا ريب أن عددًا من الفقهاء المعتبرين قد أجازوا السفتجة، بعباراتٍ صرحت أن فيها "مصلحة لهما، من غير ضرر بواحد منهما" (المغني 4/354) و "كلاهما منتفع بهذا الاقتراض" (فتاوى ابن تيمية 29/530) وأن "المنفعة لا تخص المقرض، بل ينتفعان بها جميعًا" (إعلام الموقعين 1/391).
كما ورد في عبارات الفقهاء أنفسهم أن "الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضَّرة فيها، بل بمشروعيتها" (المغني 4/354) وأن "الشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم" (فتاوى ابن تيمية 29/530).
فأمام جواز السفتجة وأمام هذه العبارات التي علل بها الفقهاء هذا الجواز، يخشى أن يقرأ بعض المعاصرين ممن لا مراس لهم في فهم نصوص الفقهاء، وفهم مرادهم، فينطلق بالسفتجة وأحكامها، مستدلاً بها على جواز القرض الذي يجرُّ للمقرض منفعةً مشروطة، وعلى جواز أن تتحول بعض القروض من قروض إحسان وإرفاق إلى قروض منافع ومصالح، فيحرم الفائدة في الأولى دون الثانية. وبهذا تكون حجة جديدة لمن أراد أن يحرم الربا في عصرنا هذا، إذا كانت القروض ممنوحة لأغراض الاستهلاك الضروري، أو ممنوحة من الأغنياء القادرين إلى الفقراء المضطرين المعوزين، وأن يبيح الربا إذا كانت القروض ممنوحة لأغراض الاستهلاك الحاجي والترفي، أو ممنوحة من مقرضين إلى من هم أغنى منهم.
سنبين فيما يلي أن السفتجة أولاً لا تجر منفعة ربوية محرمة، ثم نبين فساد الاحتجاج بها لإحلال الربا.
أولاً: السفتجة لا تجر منفعة ربوية محرمة
المعلوم أن القرض هو أن تعطيه شيئًا ليرد إليك مثله في بلدك، وكل زيادة مشروطة في الكمّ أو في النوع تعتبر ربا محرمًا، وقد يلاحظ أن السفتجة فيها منفعة للمقرض، فإما أن تكون ربوية فلا تجوز، أو أن لا تكون ربوية فتجوز، ويجوز معها بعض القروض الأخرى المشابهة.
نجيب عن هذا فيما يلي:
سبق أن بينا أنه ليس كلُّ ما يطلق عليه سفتجة يكون جائزًا. إنما أجاز الفقهاء السفتجة بنظري في الحالات التالية:
* إذا كان الوفاء في البلد الآخر لمصلحة المقترض وبناء على طلبه، ففي هذا منفعة إضافية للمقترض: إرفاق بعد إرفاق، وهذا مستحب، لأن وضع المقترض يستدعي الإرفاق، ولأن مقصد السفتجة هنا لا يتنافى مع مقصد القرض، بل هما في اتجاه واحد.
* إذا كان الوفاء في البلد الآخر فيه منفعة لكل من المقرض والمقترض. المقرض يريد نقل المال (بمبلغ مماثل لمبلغ القرض أو أكثر) إلى البلد الآخر، والمقترض لديه مال في هذا البلد الآخر، يستطيع به أن يوفي القرض. وههنا احتمالان:
الاحتمال الأول: أن يكون المقترض قد استخدم القرض في بلد المقرض، سواء كان نقودًا أو طعامًا أو غير ذلك، فلم ينقل معه مبلغ القرض من بلد إلى بلد. ولو لم يستجب المقرض إلى طلبه بوفاء القرض في البلد الآخر لكان عليه أن ينقل مال الوفاء من هذا البلد الآخر حيث يكون ماله، إلى بلد المقرض، فيتكبد في ذلك أجرة النقل وخطر الطريق، وكذلك المقرض يستفيد من توفير أجرة النقل وتجنب خطر الطريق. فهنا يلاحظ أن المنفعة التي يحققها كل منهما واحدة، وهي عين المنفعة التي يحققها الآخر، أو أن مقصود أحدهما هو عينُ مقصود الآخر، ولولا الاتفاق على السفتجة لتكبد كل منهما الأجرة والخطر عن المسافة نفسها.
وهذا ما يشبه المقاصَّة (أو التقاص) بالفرنسية (Compenstion) وبالانجليزية (Clearing) المعروفة في المصارف. حيث توفر هذه المصارف عمليات تحويل النقود المتكررة. ويلاحظ أيضًا في هذه الحالة أن كلاً منهما حقق مطلوبة، ولم يتحمل أي منهما أي مؤنه. والتحقيق هنا أن هذه السفتجة يجب أن تكون جائزة عند كل الفقهاء. ومن ظن أنها حرام فقد تعجل وغلط، لأن الشريعة لا يعقل أن تطلب من الناس لتحقيق مقاصدها ومقاصدهم أن لا يصلوا إلى ذلك إلا بالمؤن والكلف والشكليات والتطويلات والحيل... بل إن هذه السفتجة ليس جائزة فحسب، بل هي مستحبة، كي لا أقول واجبة. لما فيها من حفظ المال وعدم تضييعه (فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال كما في الصحيحين وغيرهما) بلا سبب إلا الجهل والإسراف والبعد عن التعاون وبذل المال للوسطاء الطفيليين، فكل المقاصد تتحقق هنا. وبلا كلفة. فلماذا لا تجوز؟
الاحتمال الثاني: أن يأخذ المقترض المبلغ، من نقود أو طعام أو غيره، ويحمله معه إلى البلد الآخر، ثم يوفي القرض فيه بعد فترة. وهذا يعني أن المقترض لم يُنفق القرض في بلد المقرض، بل حمله كله أو بعضه إلى البلد الآخر، وهذا ما يرتب عليه مؤنة النقل وضمان الطريق. فهنا يلاحظ أن المقرض في الأصل يستطيع التمسك بوفاء القرض في بلده، أو مطالبة المقترض بتحمل ما أنفقه المقرض بالمعروف لإعادة المال المسدد من البلد الآخر إلى البلد الأول، فلما رضي بالوفاء في البلد الآخر، وكانت له مصلحة في ذلك، فإن هذه المؤن التي يتكلفها المقترض لا تؤثر على جواز السفتجة، لأن موضع النظر فيها هو نقل مال الوفاء لا نقل مال القرض. ذلك أن العبرة بأن المقترض يقترض القرض في بلد المقرض، وعليه أن يفيه أصلاً في البلد نفسه، فإذا أراد حمله إلى بلد آخر، ولم ير المقرض أي مانع،
بل ربما رأى في ذلك مصلحة له، فتتقابل بذلك المصلحتان أو المنفعتان: منفعة المقرض في الوفاء في البلد الآخر، ومنفعة المقترض في الوفاء في البلد الآخر، ونقل المبلغ أمر داخلي شخصي يخص المقترض نفسه، ولا علاقة له بالعلاقة الثنائية بينهما. فإذا كان عين المنفعة لأحدهما منفعة للآخر، تقابلت المنفعتان دون أن تؤثرا على أصل القرض الذي بقي بلا أية فائدة ربوية.
وهذا مثل المقترض يهدى المقرض شيئًا، فيقابله المقرض بهدية مماثلة، أو يرد إليه هديته (انظر فتاوى ابن تيمية 30/106). وبهذا يكون ما إضافته السفتجة على القرض هو معاوضة حسابية دقيقة لا ربح فيها لأحد الطرفين، ولو كان فيها ربح للمقرض لسلمنا أنه ربا، لأنه عندئذ يكون جمعًا بين بيع وسلف، وهو منهي عنه في الحديث الحسن الصحيح (انظر أصحاب السنن، والطبراني في الكبير، وأحمد في مسنده)
فهاهنا ينظر إلى المنفعة الإضافية للسفتجة، فإنها منفعة واحدة لكل من الطرفين، ولا عبرة بالمؤن التي يتحملها المقترض، لأنها ناشئة من رغبته في استخدام القرض في بلد آخر، فهذه مؤنه لا علاقة للمقرض بها، فقد يقرض أحدنا القرض، فيحمله المقترض إلى أرض أخرى أو ينفقه في أرضه، هذا شيء يتعلق به، والقرض حكمه الضمان إلى الوفاء سواء استخدم في بلد أو آخر، فالعبرة في الضمان للزمان لا للمكان، وسواء على المقرض أن ضمن وفاء المال في هذا البلد أو ذاك، المهم في ذلك هو منفعته من الوفاء: هل في هذا البلد أو ذاك. وربما فيه بعض المضرة على المقرض، من جراء انتقال المقترض والقرض بعيدًا عن عيون المقرض، مما يزيد في أخطار عدم السداد التي يتعرض إليها المقرض.
هذا التفصيل مكمل لما سبق أن ذكرناه تحت عنوان حالات السفتجة. وارجع هنالك إلى السفتجة متى تصبح محرمة.
ثم إنه قد يخطر على البال أن المقرض في القرض العاري عن السفتجة تكون له منفعة بتضمين المال للمقترض (قارن بالمحلى لابن حزم 8/87). غير أن هذه المنفعة ليست ربوية، لأنها ناشئة عن طبيعة القرض نفسه، كما أن ضمان المقترض ربما يكون غير قوي، ولاسيما إذا كان غير مليء أو غير موثوق (مماطل، أو جاحد) ولم يقترن القرضُ برهن أو كفالة، فبذلك تكون هذه المنفعة مهددة، واحتمالية، وقليلة الشأن، أما منفعة المقترض بالقرض فهي واضحة ومحققة، لأنه ينتفع به في أغراض الاستهلاك أو الاستثمار، وما اقترض إلا من أجل ذلك، وبهذا يكون رصيد المنفعة في القرض لصالح المقترض، ومن أجل ذلك كان ثواب الله للمقرضين.
وبهذا يتبين لك أن مجرد المنفعة، أية منفعة، لا يمكن المسارعة في الحكم عليها بأنها ربوية. هذا مع الانتباه إلى أنه ليس كل قرض مستحبًا، يثاب عليه صاحبه، فهناك قروض واجبة ومستحبة لا شك في نفعها وثوابها، لكن قد يصبح القرض مكروهًا إذا علم أنه سيستخدمه في إسراف، وحرامًا إذا علم أنه سيستخدمه في حرام: شرب خمر، أو لعب ميسر.. الخ.
ويبدو أن القرض لما كان ضمانه على المقترض، فليس من المقبول أن يدفع كذلك أجرًا للمقرض، لأن الأجر والضمان لا يجتمعان (على جهة واحدة) ولو أراد الأجر لكان عليه أن يضمن هو لا المقترض، وبذلك يتحول إلى القراض.
ثانيًا: لا تصلح السفتجة حجة لمن يبغي إباحة الربا في قروض التجارة والاستثمار والاستهلاك غير الضروري
من المعلوم أن عددًا من رجال الفقه أو الاقتصاد أو القانون المعاصرين حاولوا التفرقة بين نوعين من القروض: قروض الاستهلاك الممنوحة من الأغنياء إلى الفقراء والمضطرين، وقروض التجارة والاستثمار والاستهلاك غير الضروري، والتي قد تكون ممنوحة من أشخاص إلى من هم أغنى منهم، كالقروض إلى الشركات والتجار والدولة، فقالوا بأن الربا هو الزيادة في القروض الأولى، لأن المقترض فقير، ولا يمكن استغلال حاجته بفرض معدل فائدة عليه، بل الموقف يقتضي المساعدة والإحسان. أما قروض النوع الثاني فيباح فيها الفائدة، لأن وضع المقترض لا يمكن المقرض من استغلاله بفرض الفائدة والمتاجرة بحاجته.
وقد يخطر في بال بعض القراء هنا، ولاسيما في ضوء بعض العبارات الفقهية، إن ههنا اعترافًا لفقهاء كبار، بإمكان أن تكون القروض قروض منافع، لا مجرد قروض إحسان فقط!
لكن هذا الخاطر لا يستقر إذا ما عرفنا الأمرين التاليين:
1- بينا أن السفتجة قرض اقترن بمنفعة إضافية واحدة لكلا الطرفين، بمعنى أن المنفعة نفسها هي منفعة لكل من الطرفين. وهذه المنفعة ليست من قبيل المعاوضة البيعية التي يحقق فيها البائع ربحًا، بل هي معاوضة من نوع خاص، لا ربح فيها لطرف على آخر إطلاقًا، فهي بذلك تنسجم مع طبيعة القرض. فالقرض تبادل متماثلين، بخلاف البيع فإنه تبادل مختلفين،
والمنفعة الإضافية التي تحققها السفتجة لكلا الطرفين هي أيضًا عبارة عن تبادل متماثلين، منفعتين متماثلتين، بل المنفعة ذاتها لأحدهما هي منفعة للآخر، وليس هناك أعدل وأدق من هذه المعاوضة الحسابية الدقيقة التي لا يكون فيها أدنى ذريعة إلى المراباة، ولو كانت هذه الإضافة التي تضيفها السفتجة إلى القرض من قبيل المبايعة (= البيع) لما جازت، لورود النهي عن بيع وسلف، لأنه قد يتذرع بربح البيع للوصول إلى منفعة السلف.
أما منفعة السفتجة ههنا فالذرائع فيها مسدودة على وجه الدقة والإحكام. ومن هنا قال بعضهم: إنما سميت سفتجة لأحكام أمرها، فاللفظ فارسي معرب، أصله سفته، وهو الشيء المحكم (قارن حاشية ابن عابدين 4/295).
2- إن الذين ميزوا بين قروض الاستهلاك وقروض الإنتاج لا يستقيم لهم هذا التمييز في ضوء السفتجة. ذلك أن السفتجة جائزة حتى ولو كان القرض ممنوحًا للاستهلاك، فلو احتجوا بالسفتجة لوقعوا في التناقض، لأن منفعة السفتجة جائزة في كل القروض، وهم أرادوا أن يجعلوا المنفعة في قروض الاستهلاك ربوية، وفي قروض الإنتاج غير ربوية، أي غير محرمة.
3- لم ينقل إلينا في كتب الفقه. ولا غيرها أن قروضًا بفائدة استخدمت في أغراض الإنتاج على سبيل الجواز الشرعي، مع أن الحاجة الداعية إليها في عصرنا، داعية إليها في كل عصر. فلو كانت هنا فسحة أمام المرابين في قروض الإنتاج لعلمنا بها، مثلما علمنا بتطبيق القراض، ولكان من الممكن تطبيق كل من القرض والقراض في مجال التمويل الإنتاجي..
ولو وجد الفقهاء والعلماء من عصر الرسول ] صلى الله عليه وسلم [ حتى عصرنا هذا منفذًا شرعيًا لأباحوها، فإن إصرارهم على مَنْعِهَا دليل على عدم وجود أي دليل شرعي بالإباحة تستريح إليه نفوس العلماء المؤمنين. بل إن في أسباب نزول بعض آيات الربا ما يفيد أن عرب الجاهلية كانوا يقرضون قروضًا مؤجلة بزيادة مشروطة (انظر أحكام القرآن للجصاص 1/456 و 469، وتفسير الرازي 7/85 و 90).
والمعلوم أن القرض حالُّ عند جمهور الفقهاء (أجاز مالك والليث تأجيله)، أما البيع فيمكن أن يكون مؤجلاً، وإذا كان مؤجلاً وجب أن يكون الأجل معلومًا، وقد أرادوا بتأجيل القرض أن يزيدوا في بدل الوفاء لقاء الأجل، كما يحصل في البيع من الزيادة لقاء الأجل. ولكنهم منعوا من ذلك. ألا تذكر قوله تعالى في البقرة 275 "قالوا: إنما البيع مثل الربا"، فعاجلهم تعالى بالرد عليهم مباشرة بأنه سبحانه أحلَّ البيع وحرم الربا.
محاولة تصحيح بعض عبارات الفقهاء:
كل ما قرأته عند الفقهاء من عبارات في السفتجة سواء من حرمها منهم، أو أجازها، فيها إجمال، ولا يسهل فهمها، أو فيها بعض الاضطراب أو التناقض، ولا أظن أن سبب ذلك إلا السرعة في التعبير، والاستغناء بالحدس الصادق السليم عن كل عبارة دقيقة منمقة، ولكن هذه اللغة إن صلحت للمتمرسين بقراءة الفقه، فإنها لا تصلح للقراء الذين يريدون اليوم لغة العلم الدقيق البعيدة عن احتمالات التأويل.
فعلى سبيل المثال، قال ابن تيمية في الفتاوى 29/534، وهو نص لم نورده سابقًا:
"السفتجة هو أن يقرضه ببلد ليستوفى في بلد آخر، فيربح المقرض خطر الطريق، ومؤونة الحمل، ويربح المقترض منفعة الاقتراض".
وصواب العبارة، في ضوء ما تقدم من شروح وتوضيحات، أن يقول: "ويربح المقترض منفعة الوفاء في البلد الآخر". ذلك أن كلاً من الطرفين ينتفع من الوفاء في البلد الآخر، وهو ما تُضيفه السفتجة على القرض. وكلاهما يوفر مؤونة الحمل وأمن الطريق على الغالب، كما قدمنا. لذلك فحديثه عن منفعة الاقتراض فيه خلل، لأن هذه المنفعة يوفرها القرض لا السفتجة، ويقابلها ثواب الله للمقرض. وما تضيفه السفتجة هو من قبيل تبادل المنفعة. على أن عبارة ابن تيمية في الفتاوى نفسها في موضع آخر 29/530، و355، إنما هي في غاية الدقة والإيجاز. وما نقدي له ههنا إلا بفضل ما علمنيه هو نفسه، ذلك الإمام الكبير، الذي لم نر مثله بعده (ابن القيم على فضله يبقى تلميذه وناقل علمه)،
ولا ينكر فضلُه على كلِّ من أتى بعده حتى عصرنا هذا، سواء صرحوا بذلك أم لم يصرحوا، وسواء كانوا من أنصاره أو من خصومه، وإني لأنتفع بعلمه ما لا أنتفع بعلم غيره، وذلك لأنه إمام كبير في الفقه والحديث معًا، وفقهه مقارن، وكتبه مطبوعة وجيدة وهو أقرب فقيه إلى عصرنا يعتد بفقهه وتقواه. واثبات ذلك يخرج عن موضوعنا هنا، وله مقال آخر بإذن الله. ولا يغض هذا من فضل الأئمة الكبار الذين سبقوه رضي الله عنهم أجمعين.
واني لأدعو أولئك المتخاصمين في الفقهاء يفضلون هذا، ويكفرون ذاك، لأن يعرفوا إذا أحبُّوا لم أحبُّوا، وإذا كرهوا لم كرهوا، ولأن ينتفعوا من كل إمام بما عنده من علم، فالأمر تذوق ومعاناة، لا محاكاة وتقليد، وطلب حق، لا هوى ولا شهوة...
من دروس السفتجة:
من المناسب دائمًا أن نحدد حدًا للربا، فلا يدخل فيه ما ليس بربا، ولا يخرج منه ما هو ربا. ومن الربا ما أشكل فهمه على كثير من العلماء، باعتراف الكبار منهم، كابن كثير، والشاطبي، وابن تيمية، وابن القيم. ويضيق المقام هنا عن الإتيان بالشواهد، التي ذكرناها في موضع آخر.
فممّا قدمناه في السفتجة يتبين أن هنالك معاملات يظنُّ أنها ربوية وليست كذلك، منها السفتجة، ومنها زيادة البدل المؤجل في البيع (النسيئة، والسلَم)، ومنها الاتفاق بين المقرض والمقترض على وفاء القرض بالنقصان (شرط النقصان في وفاء القرض)([8]) ومنها حسمُ تعجيل وفاء الثمن المؤجل، ومنها كراء المصوغ (فتاوى ابن تيمية 30/194)، ومنها بيع الحلية المصوغة صياغة مباحةً بأكثر من وزنها في مقابل الصنعة (إعلام الموقعين لابن القيم 2/142)، وإن كان في قلبي منها شيء لمصادمتها حديثًا صريحًا في الموضوع.
وبالمقابل هنالك حالات قد يظنُّ أنها غير ربوية، وهي ربوية، كأن لا يقرض المقرض إلا لمن هو معروف بحسن القضاء في العادة، فهنا يقوم العرف مقام الشرط أو التواطؤ أو الاتفاق (= التعاقد).
ويدخل في هذه الحالات أيضًا الحيل الربوية، كالعِينة، والتورُّق (انظر فيهما فتاوى ابن تيمية الجزء 29)، ويجوز التورق إن كان غرض المقترض فيه التعفف عن طلب القرض. ولا يجوز إن كان على سبيل الاتفاق والتواطؤ والتحايل. وبيع الوفاء، وبيع الاستغلال (انظر فيهما مجلة الأحكام العدلية المادة 118، 119)، وهما يدخلان معًا في بيع الأمانة (انظر فتاوى ابن تيمية ج (29) في مواضع متفرقة) وكبيع المعاملة (انظر حاشية ابن عابدين 4/175)،
كما يدخل في الحيل الربوية تحديد ربح لربِّ المال في القراض بمبلغ معلوم، حتى ولو لم يؤخذ إلا إذا زاد ربح القراض على هذا المبلغ المعلوم، كما يدخل فيها ما شاع في وقتنا هذا من قيام مصرف بشراء سلعة لآخر محتاج إلى المال لشرائها، فيشتريها المصرف نقدًا ويبيعها له بالأجل بزيادة، تحت أية تسمية تمت هذه المعاملة، وأيًا كان المتعامل بها، سواء كان من المسلمين أو من غيرهم.
ما أفقه رجلاً مثل ابن تيمية، لا يحرِّم السفتجة ولا غيرها إلا بالدليل القوي الواضح، ويُطمئن الناس إلى أن ما يفعلونه كالسفتجة وأمثالها ليس حرامًا، فلا يجعلهم عصاة مذنبين، ولا يدعهم يلجؤون إلى الحيل، فالدين عنده صراط مستقيم، لا مخادعة فيه ولا تحايل. اللهم فقِّهنا في الدين، وأهدنا إلى صراطك المستقيم، وأعذنا من الحيل والمتحايلين.
النتيجـة:
وهكذا فإن الاتفاق على وفاء القرض في بلد آخر قد يكون فيه مصلحة لأحدهما دون الآخر، فإن كانت المصلحة للمقترض كان مستحبًا، وإن كانت المصلحة للمقرض لم يُجز لأنه ربا، وقد يكون فيه مصلحة لكليهما معًا، فهو جائز، حيث لا مؤنه على المقرض ولا على المقترض.
وفي ضوء ما تقدم، فإن الحوالات المصرفية والبريدية المأجورة اليوم، يمكن النظر إليها على أنها قروض تسدد في بلد آخر، أو في مكان آخر، بشرط النقصان المعادل للأجر اللازم لتغطية نفقات المصرف أو المكتب البريدي.
ولعل من المناسب أخيرًا أن أشير إلى أن السفتجة عندما تطلق، ويحكم عليها بأنها جائزة، فإنما يراد بها ذات المنفعة المشتركة، حيث يكون مال الوفاء في البلد الآخر، أي ليست هناك مؤنة إضافية، من ضمان أو كراء، على المقترض. والدليل على أن هذا هو المراد هو عبارات الفقهاء أنفسهم، وقد تقدم بعضها.
أما ذات النفع المتمحض للمقترض فَبَدَهِيَّة الجواز، حيث يكون مال الوفاء في البلد الآخر، ولا مصلحة للمقرض فيه هناك.
وأما ذات النفع المتمحض للمقرض فبدهية الحرمة، حيث يتكبد المقترض نقل مال الوفاء من بلد القرض، لمصلحة المقرض فقط، مع ما في ذلك من تحمل أخطار النقل وأجوره.
هذا والعبرة في السفتجة لنقل مال الوفاء، ولا ينظر إلى نقل مال القرض إذا فعله المقترض.
ومن المفيد أن أشير كذلك إلى أن المنفعتين اللتين تُقدمهما السفتجة (وهما توفير أمن الطريق وكرائه) لا يتصور فيها انفكاك إحداهما عن الأخرى، كما وَهِمَ بعضُ الفقهاء، فلا يمكن تجويز الأمن دون الكراء، فهذا فضلاً عما فيه من خطأ، لأن كلاً منهما يعتبر منفعة مالية لا يمكن إنكارها، وتتفاوت فيهما حسب نوع مال القرض (نقد، طعام.. الخ) كما بينا أعلاه، فإنه غير متصور الوقوع في أية حالة من حالات السفتجة. فإما أن لا ينقل مال الوفاء، ويتوفر بذلك الأمن والكراء معًا لكل من الطرفين، أو لأحدهما، وإما أن ينقل، فيتكبد الخطر والكراء معًا أحدُهما أو كلاهما.
لا بد أن يلحظ القارئ العارف ما أضفناه في خلال هذا البحث إلى تراثنا الفقهي في السفتجة، من توضيح غامض، أو بسطِ مختصر، أو تفصيل مجمل، أو تصحيح خطأ، أو استخدام دليل في موضع آخر، أو ترجيح دليل على دليل، وعرض السفتجة في صورة أرجو أن يقبلها باقي الفقهاء الذين رفضوها. وهذا في مقاصد التأليف معتبر إن شاء الله.
فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فعذري أني ما تعمدتُ إلا الحق والصواب، وعسى أن أصل إليهما بالمحاولات الصادقة، ومن بالغ في خوف الخطأ أخطأ، ولم يجتهد، ولم يصل إلى صواب.
وإني لأسأل الله لي ولسائر الباحثين والعلماء والمفتين أن يجعل مُتعتنا في ابتغاء الحق أقوى من كل متعة أخرى، كإرضاء ذي سلطان أو مال أو جاه أو شيخ أو عالم أو قريب أو صديق أو متحزب أو متعصب، أسأل الله أن يثبتنا على هذا: مدح المادحون أو قدح القادحون.. أو حسد الحاسدون.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

الحوالة والقيود المصرفية


المراجع
- ابن الأثير: جامع الأصول.
- ابن تيمية: الفتاوى.
- ابن تيمية: القياس.
- ابن حنبل: المسند.
- ابن حزم: المحلى.
- ابن عابدين: الحاشية.
- ابن عاشور: كشف المغطى شرح الموطأ.
- ابن قدامة: المغني.
- ابن القيم: أعلام الموقعين.
- الباجي: المنتقى شرح الموطأ.
- البغوي: شرح السنة.
- البيهقي: السنن.
- الجصاص: أحكام القرآن.
- الدار قطني: السنن.
- الرازي: التفسير الكبير.
- الزرقاني: شرح الموطأ.
- زيدان (عبد الكريم): الكفالة والحوالة في الفقه المقارن.
- السيوطي: شرح الموطأ.
- الشافعي: الأم.
- الشوكاني: نيل الأوطار.
- عبد الرازق: المصنف.
- الكاند هلوي: أوجز المسالك في شرح موطأ مالك.
- مالك: الموطأ.
- مجلة الأحكام العدلية.
- مجلة حضارة الإسلام السورية العدد 8-9 لسنة 1398هـ.
- المزني: المختصر بهامش الأم.
- الموسوعة الفقهية الكويتية: الحوالة.
- نظام الأوراق التجارية السعودي.
- الهندي: كنز العمال.
- يحيى (عبد الودود): حوالة الدين، دراسة مقارنة في الشريعة الإسلامية والقانونين الألماني والمصري.



(1) انظر "الحوالة"، نشر وزارة الأوقاف الكويتية، الموسوعة الفقهية.
(2) انظر موطأ مالك 2/681، ومصنف عبد الرزاق 8/141، وكنز العمال 4/188.
(3) انظر مصنف عبد الرزاق 8/141، وسنن البيهقي 5/352.
(4) لعلها روايتان عنه، ففي المحلى لابن حزم 8/78 أنه أجازها معروفًا وكرهها شرطًا، وهذا لا خلاف عليه، لأنه من حسن القضاء، ما لم يكن عن شرطٍ أو عادة أو تواطؤ، انظر موطأ مالك 2/681.
(5) فتاوى ابن تيمية 29/530. وانظر 29/455، وانظر القياس له، ص 17. (ويبدو أن جامع الفتاوى قد أدخل فيها رسائل ابن تيمية، ومنها القياس إلا الكتب الكبيرة له).
(6) نقلاً عن الموطأ، كتاب القراض. وانظر مختصر القراض للمزني في كتاب الأم للشافعي 3/60 الحاشية). والدار قطني 2/3150، وقال عنه الحافظ في التلخيص. إسناده صحيح. وانظر أيضًا جامع الأصول لابن الأثير 10/93، وشرح السنة للبغوي 8/259-260، ونيل الأوطار للشوكاني 5/300).
(7) قارن بالمنتقى شرح الموطأ 5/150-151، وعنه نقل الزرقاني 3/345-346 ولم يشرح السيوطي شيئًا 2/173، وانظر كشف المغطى لابن عاشور، ص 284. وأوجز المسالك للكاندهلوي 11/401-405.
(8) فوفاء القرض بِمِثْلِهِ عَدْلٌ وقضاء، وبالنقصان إحسانٌ وإبراء، وبالزيادة ظُلْمٌ ورباء. قَارِنْ حاشية ابن عابدين 4/312.



الحوالة والقيود المصرفية






ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك


من مواضيع !!abushams!!
اثر ادارة المعرفة وتكنولوجيا المعلومات على التعليم المحاسبي
الدعم العالمي لشركة PaxForex الحاصل على امتيازات عالمية
مهام ومواصفات المدير المالى ( د/ محمد حسين )
دور المحاسب في نظام المعلومات المحاسبي حصري
العولمه ومستقبل الاداره الماليه ( د/ محمد الحسين )
 

الكلمات الدلالية (Tags)
منفعة, الماء, المصرفي, المقترض, المقرض, الثلج, البنك, الحوالة, السفتجة, القرض

شباب التغيير rss aboshams froums جديد البرامج والانترنت والكمبيوتر وبرامج الصيانه والحماية rss abishams froums جديد الاناشيد الاسلامية الام بي ثري و mp3 جديد ساحة الجرافكس والتصميم والفوتوشوب والسويتش ماكس

الساعة الآن 12:16 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.