شبكة ابوشمس لوحة تحكم العضو تسجيل عضوية جديده   البحث في المنتدى


الشركة اليمنية لخدمات الويب


العودة   منتديات ابوشمس > >

المكتبة الاسلامية كتب اسلامية متنوعة

Tags: , , , , , ,

 
قديم 2009-04-25, 02:47 AM   #1
.:: شمس مجتهد ::.
الصورة الرمزية الشرجبي

الشرجبي غير متواجد حالياً
بيانات اضافيه
 تاريخ التسجيل: 16 - 12 - 2008
 رقم العضوية : 10406
 مشاركاتي : 106
 أخر زيارة : 2013-05-02 (04:40 PM)
 بمـــعــدل : 0.05 يوميا
 زيارات الملف الشخصي : 1371
 فترة الأقامة : 2045 يوم
 معدل التقييم : الشرجبي جديد
 الدولة : اليمن
لوني المفضل : Cadetblue
الملحق الثاني للموضوع / الاجتهاد المقاصدي منقول للفائدة



-


الملحق الثاني للموضوع الاجتهاد المقاصدي منقول


الاجتهاد المقاصدي
حجيته .. ضوابطه .. مجالاته
الجزء الثاني
العدد(66) رجب 1419 هـ
د. نور الدين بن مختار الخادمي ‏
تقديم : عمر عبيد حسنه
الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين، والصلاة والسلام على معلّم الناس الخير، المبيِّن عن ربه ما نُزل إليه، الهادي إلى الصراط المستقيم، وبعد :
فهذا الكتاب السادس والستون: (الاجتهاد المقاصدي.. حجيته، ضوابطه، مجالاته ) الجزء الثاني، للدكتور نور الدين بن مختار الخادمي، في سلسلة(كتاب الأمة) ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري، والتحصين الثقافي، واسترداد فاعلية الأمة، وإحياء وعي المسلم برسالته ودوره في إلحاق الرحمة بالعالمين، وقيادة الناس إلى الخير، وحل المعادلة التي كادت تبدو على غاية من الصعوبة في تاريخ التدين، بين هدايات الوحي، ومكتسبات العقل، وإطلاق الفكر ليعود حرًّا معافى قادرًا على الاجتهاد والتوليد، وتعدية الرؤية والامتداد بخلود الشريعة وتجريدها من حدود الزمان والمكان، وتحقيق هذا الخلود في حياة الناس، فكرًا وفعلاً، فقهًا وتنزيلاً، في إطار مرجـــعية الوحي وفهم القرون الأولى المشهود لها بالخيرية من المعصوم، وإعادة تأسيس وتأصيل الرؤية الإسلامية لمسألة القدر والحرية والوحي والعقل، والدين والعلم، وعالم الغيب وعالم الشهادة، والسنن الجارية في الحياة والأحياء والمعجزات والسنن الخارقة، وموقع الإنسان كمخلوق مكلف مكرّم.
ولعل من الأهمية بمكان العودة إلى الانطلاق من معرفة الوحي كإطار مرجعي وضابط منهجي لمعرفة العقل، وتخليص الدين والتدين من التأويل الجاهل والانتحال الباطل والتحريف المغالي، وتصويب قضية التدين، ونفي نوابت السوء، وتقويم السلوك الفردي والاجتماعي بقيم الكتاب والسنة، والاعتبار بعلل التدين التي لحقت بالأمم السابقة فكانت سبب انقراضها، وبناء العقل القاصد الناقد القادر على التحليل والاجتهاد والاستقراء والاستنتاج والتقويم والمراجعة في ضوء معايير الوحي المعصومة، وامتلاك القدرة على التعامل مع المتغيرات الدولية المتسارعة، والتقنيات الإعلامية المتوفرة، والمعلومات الكبيرة المتدفقة، والمعارف الإنسانية المتيسرة، من خلال القيم الإسلامية الخالدة.
إن حَمَلة القيم الإسلامية إذا لم يكونوا قادرين على استيعاب حركة العصر وكيفية التعامل معه من خلال هذه القيم الخالدة، وتنزيلها على الواقع وتقويمه بها، تصبح دعواهم الخلود لرسالته دعوى بلا دليل مهما حاولوا الاحتماء بالتاريخ والتفاخر بالإنجاز الفقهي والفكري والحضاري التاريخي.
ومفتاح ذلك كله - في نظري - هو بذل الجهد للتحول بالعقل المسلم من حالة التلقين إلى مرحلة التفكير، ومن التقليد إلى التوليد والاجتهاد، ومن التفسير والتلقي إلى التحليل والنقد والاستيعاب، وهذا يقتضي إعادة النظر بجرأة وشجاعة بالنظام المعرفي والتربوي، وتحليل أدواته ومجالاته في الأسرة والمدرسة والمسجد والنادي ووسائل الإعلام وكل موارد التشكيل الثقافي، لأن المنتجات المتحصلة من هذه الأدوات وهذه الأنظمـــة المعرفيـــة والتربويــة تعتبــر أكبـر شاهـد إدانــة للحــال التـي نحن عليها.
إن الوصول إلى امتلاك هذا المفتاح القادر على تفكيك ذلك كله - تفكيك قيود التخلف، والعودة بالعقل إلى الوحي، ومن ثم الانطلاق منه إلى ميادين الحياة وشعب المعرفة جميعًا لتنزيل قيم الدين على الحياة، وممارسة النمو والإبداع - إنما يكون بإحياء فكرة فروض الكفاية الشرعية، والتحقق بالتخصصات المطلوبة، وذلك لتحقيق الكفاية أو الاكتفاء الذاتي .. وليس ذلك فقط، وإنما امتلاك القدرة على العطاء العالمي المتميز، الذي يساهم بتعبيد الناس لله رب العالمين، ويلحق الرحمة بهم، ويوجه العلم صوب أهدافه، ويحميه من التحول إلى أداة للتسلط والاستعباد.
ولعلنا نقول : لقد آن الآوان لمراجعة جريئة وقاصدة وناقدة - تعيد الحق إلى نصابه، وتبني العقل المؤمن بأهمية التخصص، المستشعر أن التخصص من فرائض الدين - لهذه الرحلة الشاقة والمكلفة من التبعثر والضياع والتخاذل، والتخلف عن الركب، والخبط الأعشى، والتطاول والادعاء الذي يكذّبه الواقع .. ولا يخلص الأمة من الإثم الجماعي والتقليد الجماعي والتخلف والتخاذل الفكري إلا استدراك الكفايات المطلوبة، وتكامل الكفاءات، لبناء العقل الجماعي والفعل الجماعي المؤسسي، والتخلص من عقلية الرجل الملحمة العارف بكل شيء، القادر على كل شيء، الفاهم لكل شيء، تلك العقلية التي قادتنا إلى الفشل في كل شيء، وما نزال في محاولاتنا للإصلاح والمراجعة والتصويب في ضوء هذه العقلية العامة العامية لا نتقدم خطوة واحدة، وإنما نلقي القبض على الضحية ويفلت الفاعل الأصلي من العدالة، ليستمر في ممارسة فعلته الاجتماعية المنكرة .
وقد يكون من المستغرب حقًا أن العقيدة التي جعلت العقل سبيل معرفة الوحي والتكليف بأحكامه، والأمة التي جُعل فيها العقل محلاً للوحي، ومصدرًا للتشريع، وأداة لفهم السنن، تنتهي ببعض أهلها - بالممارسة والتدين المعوج - إلى تعطيل العقل وتجريمه وإلغائه .. وأخطر من ذلك، حيث يجعل بعض أبنائها العقل مقابلاً للوحي، فيعطل بذلك الوحــي والعقــل معًا، ويغيب التدين السليــم، إلا من بعض الممارسات الشعائرية المبتورة عن حكمتها ومقصدها .
وقد تكون المشكلة الأساس، في العطب والعطالة التي لحقت بالأدوات والنظم المعرفية التي تعتبر دليل التشغيل للآلة المنتجة (العقل) ، بحيث تحولت هذه النظم والأدوات من وسائل تشغيل وتفعيل إلى أدوات تعطيل وإلغاء، لأنها وضعت من الشروط والقيود والقواعد والضوابط ما أوصل الأمة إلى نشوء وتشكيل ذهنية الاستحالة، الأمر الذي أدى إلى مساهمة سلبية في محاصرة امتداد الشريعة وتقويم حياة الناس بها وإيقاف خلودها، وساهم بتشكيل عقدة الخوف من الاجتهاد والتعامل مع أحكامها، فهمًا وتنزيلاً، فكان أن امتد (الآخر) ليملأ الفراغ المتولد عن هذا التوقف، وكان أن وجد الكثير من المثقفين في عالمنا الإسلامي أنفسهم وعقولهم في الرحابة ومجالات التفكير المتاحة من خلال فكر(الآخر)، حيث لا يوجد في ساحته الفكرية أية محاذير من تخويف أو تأثيم أو تجريم، أو إرهاب فكري .
صحيح أن امتداد الفقه التشريعي بشكل أو بآخر ما يزال مستمرًّا على الرغم من إقصائه عن الكثير من المواقع الرسمية والسياسية، لأن مساحات كبيرة منه تخص الفرد وعلاقاته الاجتماعية من جانب، ولأن الآفاق الثقافية أو الحوار الحضاري العالمي يتطلب قدرًا من النمو والامتداد من جانب آخر .
ونستطيع القول : إن عملية الإقصاء أو التحييد للتشريع الإسلامي أو للاجتهاد إنما تحققت على مستوى الدولة والسياسة وبعض النخب المثقفة فقط، ولم تتحقق على مستوى الأمة والثقافة، أي أن الدعوة العلمانية التي جاءت باسم إنهاء التعصب الديني والطائفية الفكرية والسياسية، انتهت إلى طائفية أشد وأعتى ' ، أصابت الدولة ومن هم في إطارها ولم تصب الأمة، حيث أُقْنِعَت الدولة في كثير من بلدان العالم الإسلامي بأن الرصيد العلماني، على الرغم من إفلاسه الاجتماعي، يشكل ضمانة وحماية لمؤسساتها من امتداد (الإرهاب) وهجوم الأصولية الإسلامية.
وهذه الإشكالية الثقافية والسيـــاسية، أو المعادلة الصعبة التي أورثت الصراع الرهيب بين الأمة والدولة، لابد من دراسة أسبابها وبشكل موضوعي، ووضع الحلول الغائبة، لإعادة معالجة إشكالية الدولة والأمة في عالمنا الإسلامي، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في وسائل التربية والتعليم والإعلام الإسلامي وطبيعة أدائه، وتقويم مسيرته، والوقوف بجرأة أمام بعض الأخطاء القاتلة التي تسببت في ضعف تأثيره وساهمت سلبيًا بمحاولات عزله.
وقد يكون المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى إعادة النظر بقضية توقف الاجتهاد بشكل عام، والشروط القاسية التعجيزية المطلوبة لمن يتصدى له، التي أدت إلى ذهنية الاستحالة، والتي جاءت بالأصل ثمرة لحماية الاجتهاد من المتطفلين والقاصرين والعابثين والمسوغين لأنظمة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي.
إن هذه الشروط والضوابط التي لا تخرج في حقيقتها عن كونها اجتهادًا لظرف معين، أدت إلى توقف الاجتهاد وإلغاء العقل، وسيادة التقليد، والعجز عن التوليد والامتداد، بحيث لم يقتصر التقليد على الداخل الإسلامي وإنما امتد إلى تقليد (الآخر)، فوقع الاجتهاد في غربة الزمان بالنسبة لبعض الفقهاء، حيث اقتصر على ترديد الاجتهادات التاريخية السابقة، وإعادة إنتاجها من جديد، والعجز الواضح حتى عن الإتيان بمثال تطبيقي للقاعدة الأصولية غير المثال المنقول عن السابقين من كتاب إلى آخر.
كما أن إيقاف الاجتهاد أدى إلى غربة المكان بالنسبة لبعض المثقفين الذين يمثلون رجع الصدى لفكر (الآخر)، وإعادة إنتاجه باللغة العربية، على الرغم من مناقضته للتاريخ الفقهي والفكري والثقافي ولقيم الأمة المسلمة.
وقد يكون الوجه الآخر للمشكلة يكمن في العجز عن إعادة النظر بشروط الاجتهاد في ضوء المعطيات العلمية والتقنيات الحديثة، التي وفرت الكثير من الأدوات التي كان مطلوبًا تحصيلها من الفرد فأصبحت مهيأة له، وفرت عليه الكثير من التفكير واحتمال خطأ الذاكرة، كما وفرت له الوقت ليصرف جهده كله إلى النظر والتفكير والاستنتاج والاجتهاد .. إضافة إلى أن القواعد الموضوعية لعلم أصول الفقه، وهي في أصلها اجتهاد، تحولت إلى قواعد فلسفية مجردة، عصية عن التشغيل في توليد الأحكام .. كما أن عمر الفرد المحدود في عصر التخصص الدقيق والاتساع في القضايـا والمشكــلات الإنسانيــة، أصبـح لا يمكن أن يتسع لذلك كله، فكان لابد من عملية بناء العقل الاجتهادي المقاصدي الجماعي، الذي تشكل له الاختصاصات المتعددة الحواس السليمة لمصادر المعرفة التي يُبنى عليها الاجتهاد، وعلى الأخص أن الاجتهاد الفقهي والفكري لابد أن يكون لكل فرد منه نصيب، مهما كانت درجة ثقافته وكسبه العلمي، لأن الإسلام رسالة عامة وشريعة أمية والمطلوب من كل إنسان أن يتعامل معها، فقهًا وتنزيلاً، على حاله التي هو عليها، وبذلك تنفتح مجالات الحوار والمفاكرة، فيتخصب العقل، وتتمحص الحقائق، وتهزم الأخطاء والبدع، ويصح الصحيح، وتعود الفاعلية للأمة، ويتم الامتداد والتوليد، وينحسر التقليد والتلقين، ويسترد الإنسان إنسانيته وتكريمه وتميزه وحريته التي أرادها الله له.
ولذلك قد يكون من المفيد طرح قضية الاجتهاد باستمرار، واستدعائها إلى ساحة التفكير، ودراسة مراحلها التاريخية، وإعادة النظر في علم أصول الفقه أو أصول التفسير والاجتهاد، وعدم القفز من فوقه أو محاولة إلغائه وتجاوزه كما تسعى إلى ذلك بعض الاتجاهات الفكرية المعرفية الحديثة، التي تدعو إلى أسلمة المعارف، لأن ذلك ليس من العلــم ولا التراكم المعرفي ولا الموضوعية، وإنما قد تكون المشكلة في الانحسار ضمن قوالبه القديمة، على الرغم من أن التطورات والمتغيرات والمعطيات الجديدة تقتضي تطويره وإعادة النظر بشروطه وضوابطه، وتوسيع دائرة التفاعل معه والمشاركة فيه، واستدعاء الكثير من التخصصات إلى ساحته، ليتم الإنتاج الفكري والمعرفي الإسلامي المقاصدي المعاصر.
وبعـد:
فهذا الجزء الثاني من كتاب الاجتهاد المقاصدي، الذي يعتبر من كل الوجوه مكمّلاً للجزء الأول، عَرَضَ فيه الباحث لجوانب مهمة من بحث مسالك العلة عند الأصوليين والفقهاء، التي تعتبر محور الاجتهاد بجميع آفاقه، والتي تقتضي فقه الواقع أو الاجتهاد في محل النص، وتوفر الشروط المطلوبة لتنزيل النص على محله، ذلك أن فقه النص دون فهم الواقع الذي يعتبر محل التنزيل، يمثل نصف الطريق أو نصف الحقيقة التي توقف عندها الكثير من الفقهاء في هذا العصر، والتي ســوف لا تحقق شيئًا إذا لـم نفهـم الواقــع.
إن فقــه الواقــع لا يتحصـل إلا بتوفر مجموعة من الاختصاصات في شُعب المعرفة، تحقق التكامل والعقل الجماعي، حتى إننا لنعتقد أن الفقه الصحيح للنص في الكتاب والسنة، يقتضي فهم الواقع محل النص في ضوء الاستطاعات المتوفرة .. وفي تقديرنا أن هذه هي المعادلة المطلوبة اليوم لقضية الاجتهاد، حتى يسترد العقل عافيته، والاجتهاد دوره، والوحي مرجعيته، ويقوَّم الواقع بقيم الدين، فهمًا وتنزيلاً.
وقد تكون ظاهرة الإقدام على فتح باب التأليف في موضوعات الاجتهاد المتنوعة بعد هذا الركود الطويل، ظاهرة صحية تبشّر بالخير، وتلمح إلى استشراف المستقبل.
والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل.
الباب الثاني : الاجتهاد المقاصدي ضوابطه .. مستلزماته .. مجالاته
الفصل الأول: ضوابط الاجتهاد المقاصدي
الاجتهاد المقاصدي كما مر بيانه هو اعتبار المقصد ومراعاته في عملية استنباط الأحكام .. والمقصد جملة وعمومًا هو تحقيق المصلحة بجلب المنافع ودرء المفاسد .
وضوابط المقصد المعتبر في الاجتهاد هي نفسها ضوابط المصلحة باختلاف أنواعها وآثارها، بناءً على أن مدار المقاصد وجوهرها تحقيق المصالح الشرعية بجلب المنافع للناس ودرء المفاسد والمهالك عنهم .
وطرح مسألة الضوابط والقيود الواجب استحضارها في عملية مراعاة المقاصد واعتبارها في العملية الاجتهادية، له نفس الأهمية المتعلقة بالتأكيد والحث على مكانة المقاصد والمصالح نفسها، إذ أن افتقار المقصد إلى ضوابطه وشروطه في حكم انعدام ذلك المقصد واختلاله واضطرابه، وهو يؤدي إلى عكس المقصود ونقيض المراد، وهذا محظور ومتروك، فالمقصد يتلازم مع ضابطه وشرطه فيوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه، فهما يدوران معًا من حيث البقاء والانتهاء .
وهذا التأكيد والتنبيه على ضرورة استحضار الضوابط له ما يبرره ويقنع به، سواء من خلال الأدلة والنصوص المفيدة لذلك، أو من خلال قرائن الأحوال العقلية والمنطقية والحسية الموصلة إلى ذلك .
ويمكننا أن نرى فيما يلي بيانه عرضًا مختصرًا لأهم الدواعي والمبررات الداعية إلى ذلك .
المبحث الأول: دواعي العمل بالضوابط ومبرراته
* العمل بضوابط المقاصد هو العمل بالمقاصد نفسها، والتفويت فيها أو في ضابط منها هو عينه التفويت في ما جعله الشارع مرادًا لشرعه ودينه، بناءً على أن المصالح المحددة شرعًا قد رُوعي فيها لزوم انسجامها وتطابقها مع ما جعله واضع تلك المصالح من قيود وأمارات وأدلة على وجودها وشرعيتها والتعويل عليها . فالمصالح والضوابط متلازمان مترابطان، لا يجوز عقلاً ولا شرعًا الفصل بينهما، أو إهدار واحد منهما .
* المقاصد الشرعية مرادة للشارع الحكيم، والكشف عنها وتحقيقها لا يكون إلا ضمن مشيئته وعلمه ومراده، ومن خلال وحيه وهديه وتعليماته، فهو العليم بما يصلح خلقه، والخبير بما يبعد الهلاك عنهم، وليست أوامره ونواهيه إلا هادفة لما فيه السعادة في الدارين، فاعتبار المقاصد وعدمه ثابت بمقتضى مقياس الشرع وميزانه، وليس بأمزجة الأهواء والطباع والشهوات، لذلك فإن المقصد المقرر شرعًا إنما هو الموضوع وفق تعليماته وقيوده وعلاماته، والتي اصطلح على تسميتها بضوابطه وحدوده وشروطه، ومن ثم فإن مراعاة ضوابط المقاصد، من مسلمات البعد العقدي الإسلامي، ومن علامات الانخراط في خطاب الشرع تكليفًا ووضعًا، أي تكليفًا بالأحكام ومقاصدها، وبما وضعه الشارع أمارات وعلامات دالة على ذلك .
* الضوابط في علاقتها مع المقاصد كالشرط مع المشروط والدليل مع المدلول، ويعلم بداهة وعقلاً أن المشروط متوقف على شرطه، وأن المدلول مبني على دليله، لذلك فإن المقصد متوقف على ضوابطه وجودًا وعدمًا، على أساس أن المقصد الذي أراده الشارع إنما قد اعتبره بوجه ما، وعلى وفق أمر ما، وذلك هو عين الضابط ونفس القيد في اعتبار المقصد من قبل الشارع الحكيم .
* العقل الإنساني ولئن كان دوره يتمثل في استيعاب الأحكام وكشف مقاصدها، وإجراء بعض الأعمال العقلية والمنطقية، على نحو ضبط العلل والتسوية بين المتماثلات والربط بين الوصف المناسب لحكمه وإدراج النوع بجنسه، وغير ذلك، فإن ذلك العقل ولئن كان كذلك، فإنه يظل قاصرًا في ضبط جوهر المصالح وحقيقتها وكليتها وعمومها وضرورتها وتعارضها، ودليل ذلك اختلاف الأمم والجماعات والأفراد في كون هذا الأمر صالحًا أو غير صالح، وحتى إذا اتفقوا على أنه صالح نافع فإنهم اختلفوا في درجات صلاحه ومسالكه وتباينوا تباينًا كبيرًا .
وحتى الأعمال العقلية التي يجوز للعقل تنفيذها فإنها ليست على إطلاقها، بل هي منضبطة بقيودها وضوابطها حتى تؤدي غرضها المطلوب .. فالتسوية بين المتماثلات تقع بناء على وصف أو علة جامعة معتبرة بحسب نظرة الشرع ومراده، وكذلك المناسبة بين الوصف وحكمه تحددت بموجب البيان الشرعي وليس بمقتضى العقل الإنســـاني، الذي لا يبــدأ دوره في عمــلية الإلحاق والقياس والتسوية إلا بعد علمه بأن العلة هي كذا بحسب موقف الشرع .
والعقول كذلك بينها تفاوت ملحوظ من حيث درجات الأداء ومراتبه، ومن حيث ذلك الأداء نفسه، فمعلوم حسًا وبداهة تفاوت أولي الألباب في فهومهم واستيعابهم ورسوخ علمهم وعمق خبرتهم وذكاء سليقتهم، وغير ذلك مما أكد اختلاف العقول وتباين مواقفها وتقييمها للأشياء، هذا فضلاً عن ذوي العقول المعطلة كليًا أو جزئىًا كالمجانين والبله وغير البالغين والمدمنين ومن في حكمهم ممن ليس لهم أداء عقلي أصلاً، فضلاً عن حشرهم ضمن من تفاوتت درجات عملهم العقلي .
فإذا كان العقل هذا شأنه فإنه يلزم عندئذ بيان مقاصد ومصالح تتسم بالثبات والاطراد والانضباط والدوام، لنفي مواطن التغير والاضطراب والاهتراء، المتأتية بسبب اختلاف العقول وتباين النفوس وتعارض الميول والأمزجة والأهواء، ولعل ذلك هو الذي أوقع في فوضى الحياة وهرج الوجود أرباب الهوى والتشهي بسبب الاضطراب في بيان المصالح، وانفلاتها مما يضبطها ويحقق المقصود منها .
* الضوابط ثابتة باستقراء الأدلة والقرائن الشرعية، وإنكار الضوابط هو إنكار للاستقراء الذي ظل من العمليات المعرفية المنطقية، ومن المبادئ العلمية الإحصائية المعتبرة التي تلقاها العلماء والفلاسفة والخبراء على مر التاريخ البشري بالقبول والتأييد .
* إن المجتهدين يحتاجون إلى الضوابط لاستخدامها عند تعارض المصالح، فيقدمون القطعي على الظني والكلي على الجزئي، والحقيقي على الوهمي، ولن يكون ذلك حاصلاً إلا بما أقره الشارع بصفة قطعية أو أولوية أو غير ذلك، فيعلم المجتهد أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن المصلحة المنتظرة لا قيمة لها إذا كانت مساوية للمصلحة الموجودة أو أقل منها، واختيار الضرر الأخف مقدم على الضرر الأثقل إذا تعلقا بأمر واحد، وأن مصلحة البدع في العبادة مصلحة متوهمة، وإن كان ادعاء صلاحها ظاهرًا وملموسًا إلا أنها في الحقيقة مخالفة للنصوص ومعارضة لمبدأ التعبد القائم على أن المعبود لا يُعبد إلا بما شَرَع .
* العمل بالضوابط هو تأكيد لخاصية الوسطية الإسلامية، أي أنه توسط بين رأيين متناقضين متعارضين، بين :
- غلاة الظاهرية ، الذين نفوا أن تكون الشريعة معقولة المعنى معللة بمقاصدها وعللها ومصالحها، وأن ظواهر النصوص كافية لمعرفة الأحكام، وأنه لا عبرة لما وراء ذلك من أقيسة واستصلاح وعُرف واستحسان واعتبار المآل وغيره .
- وغلاة التأويل ، الذين أفرطوا في العدول عن الظواهر، وبالغوا في التفسير المقاصدي، وعولوا كثيرًا على ما وراء النصوص والأدلة من معان ومصالح من غير قيود وحدود، وبمنأى عن الشروط والضوابط، فشذوا عن منهج الاجتهاد الأصيل وأوقعوا أنفسهم في مزالق عقدية وفقهية جعلتهم محل قدح وذم ولوم .
فالتأكيد على الضوابط، هو وزن للمصالح بميزان الشرع ومعياره، الذي لا يتغير بتغير الأهواء وتعاقب الأزمان وتكاثر الأقضية، وتبصير 0لذوي الفقه والاجتهاد كي يتحلوا بأمانة النقل والعقل ويتشرفوا بحمل لواء الشريعة وتبليغها للأجيال صافية نقية دون إفراط أو تفريط، ينفون عنها انتحال المبطلين وتحريف الجاهلين وتأويل الغالين .
المبحث الثاني : الضوابط العامة والشروط الإجمالية للاجتهاد المقاصدي
نعني بذلك المبادئ والقواعد الكبرى التي تشكل المرجع العام والإطار الشامل لاعتبار المقاصد ومراعاتها في عملية الاجتهاد، إذ أنه كما ينبغي تقييد المقاصد بالأدلة الخاصة والشروط القريبة، فيجب كذلك تقييدها بتلك الضوابط العامة والشروط الإجمالية، وإدراجها ضمن كبرى اليقينيات الدينية والمقررات الشرعية بغرض حسن التطبيق وتمام الجمع بين الكلي وجزئياته.
وتلك المبادئ هي:
* شرعية المقاصد وإسلاميتها وربانيتها، ولزوم مسايرتها لأبعاد الفكر العقدي الإسلامي، ووجوب تطابقها مع مبدأ العبودية والحاكمية الإلهية، والتكليف الديني، وتحصيل المصالح الشرعية في الدارين .
وبدهي أن نقول : إن جميع الشرائع السماوية جاءت لتقر مبدأ عبودية الله تعالى في كل الأحوال والأزمنة، وفي مختلف الظروف والأوضاع، ولجميع الأمم والملل والأفراد، قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل:63). والشريعة الإسلامية باعتبار كونها تتصف بصفات الخاتمية والدوام والعموم والشمول والوسطية والتوازن والاعتدال والصلاحية، فهي واردة لتقرير نفس المبدأ وذات المعنى المتصل، بربط وتقييد كل أحوال الوجود، وإناطة جميع تصاريف الحياة بتحقيق عبادة الله عز وجل وإفراده بالألوهية والحاكمية، وتثبيت حقيقة الامتثال الأكمل والخضوع الأتم بأحكامه وهديه ووحيه العزيز، قال تعالى:(وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون) (الذاريات: 56) فالعبودية بهذا المعنى الموسع تسخير لكل ما في وسع الإنسان ومقدوره بغية طاعة الخالق وجلب مرضاته، فيكون فعل الإنسان والجماعة والأمة - قائمًا وفق مبدأ العبودية الإلهية ومراد المعبود الحكيم ومقاصد الوحي الكريم.
والمقصود بهذا الضابط العام أن تكون المقاصد منبثقة من هذا المفهوم الشــــامل للعبادة ومتصفة بصفات الشرعــــية والربانية والعقدية، وأن لا يطرأ عليها بمرور الأزمــــنة وتعاقب الأمم وتنـامي الحضـــارات ما يسلب منها سماتها وجوهرها، ويقدح في حقيقتها وكنهها.
وأفدح خلل قد يطرأ على هذا الضابط هو تضييق معنى العبودية الإلهية ليقتصر على الناحية الشعائرية التعبدية الروحية من صلاة وحج وذكر وصوم، ويهمل نواحي المعاملات والأنكحة والجنايات وغير ذلك مما يجب إدراجه ضمن مبدأ العبودية الإلهية، ثم إن هذا التضييق الشنيع يشكل لدى أربابه ذريعة هامة لتحكيم الهوى والتشهي في غير جوانب التعبد الشعائري بلا ضابط ودون قيد، وتحت غطاء مسايرة سنة التطور، وما تقتضيه المصلحة الفردية والجماعية، وما تمليه العقول والأعراف والعادات.
ومن الواضح أن هذا الادعاء الموهوم بيِّن البطلان والفساد، لتعارضه مع ما ذكرنا من أن الشريعة شاملة لأحوال الإنسان كلها، وأنها صالحة لكل زمان ومكان، وأن الله قد أحاط علمه بكل شيء، فهو القادر على بيان ما فيه صلاح الإنسانية في شعائرها ومعاملاتها وسائر أحوالها، أضف إلى ذلك أن من أسس العقيدة الإسلامية الربط بين الدنيا والآخرة . قال الشاطبي: (المصالح المجتلبة شرعًا، والمفاسد المستدفعة شرعًا، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الآخرة، لا من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح العادية أو درء مفاسدها العادية ).
إن ميزان المقاصد مضبوط بنظرة الإسلام للوجود الكوني، القائمة على الجمع بين البعدين المادي والغيبي، والربط بين حياتي الدنيا والآخرة، والتنسيق بين مطالب الجسد والروح، بين مراد الشارع ومصالح الخلق، بين ظواهر الأفعال وبواطن النفوس، وغير ذلك مما يجسد حقيقة جوهر الإسلام وسائر تعاليمه وأدلته، فالمقاصد الشرعية محكومة بهذا الضابط المتين، وأن أي خلل أو شذوذ عنه يعد إخلالاً عظيمًا وانفلاتًا خطيرًا عن حقيقة المقاصد الشرعية، ومعارضة لمراد الشارع، وتحكيم للرأي الموهوم، ووقوع في المفاسد العظمى والمهالك الماحقة.
* شمولية المقاصد وواقعيتها وأخلاقيتها ، إذ ترتكز على الطابع الشمولي كما ذكرنا ذلك قبل قليل، فهي ليست مقتصرة على ناحية دون ناحية، وهي مبثوثة في سائر الأحكام والقرائن الشرعية بتفاوت من حيث القلة والكثرة، والظهور والخفاء، والتصريح والتلميح، والقطع والظن، والتنصيص والإلحاق، والتقعيد والتفريع.
وشمولية المقاصد مستفادة من شمولية الشريعة لمختلف مجالات الحياة، ولكون تلك الشريعة معقولة المعنى ومعللة على الجملة وعلى التفصيل، ومن هنا فإن جميع المجالات الشرعية لها مقاصدها الشرعية، تتفاوت كما ذكرنا تفاوتًا ملحوظًا، وتختلف مقدارًا وكَمًّا، وليس سائغًا أن يضيف العقل ما يدعيه من مصالح متوهمة تحت ادعاء الفراغ المقاصدي لبعض النصوص.
كما ترتكز المقاصد على الطابع الواقعي الذي يجسد حيويتها ومسايرتها وانسحابها على مختلف البيئات والظروف، ودليل هذا شواهد التاريخ والواقع والأدلة والنصوص.
فصمود الشريعة بمقاصدها خلال أربعة عشر قرنًا، وقدرتها على التطبيع في العصر الحالي في مواطن شتى من المعمورة، وصلاحية نصوصها ومبادئها التي جمعت بين الثبات والتطور، بين الأصالة والاجتهاد، بين أدلة نقلية وأصلية وأدلة استصلاحية وتبعية، واتصاف المقاصد بالوضوح والظهور والانضباط يثبتها أمام المتغيرات والتطورات، ويزيل عنها سلبيات التوظيف والتعسف بسبب الاضطراب العقلي وتشوشه، وتعارض الميول والأهواء، وتضارب المنافع والمكاسب، إن كل ذلك يدل على أن المقاصد لم تصلح لزمن ماض فقط، ولم تناسب أمة دون أمة، فهي مسايرة للواقع الإنساني في سيرورته التاريخية، وهي تستمد خاصية الواقعية من نفس واقعية الشريعة وملاءمتها للتطبيق في كل زمان ومكان.
كما ترتكز على الطابع الخلقي القيمي الإنساني، فهي المقاصد التي تجسد أخلاقية الشريعة وقيامها على كبريات القيم وعظيم الفضائل، وسعيها إلى تمكين مكارم الأخلاق في النفوس ومبادئ العدل والحرية والمساواة والتسامح والأمانة والمحبة والتعاون، واستهجانها لمظاهر الظلم والخيانة والغدر والاستغلال وغير ذلك مما أشار إليه الحديث النبوي الرائع من بيان أرقى مقاصد الرسالة وأجلى مطالبها بعد عبادة الله والامتثال إليه، حيث جاء في الهدي النبوي بيانًا للغرض العام من البعثة بأنه تتميم لمكارم الأخلاق.
فالطابع الخلقي للمقاصد يدرأ الناحية القانونية الشكلية الظاهرية، التي تقف عند الظواهر والمباني، وتضيع الحقوق والمصالح، وتشرع لعقلية قضائية وسياسية، تقوم على تزيين الظاهر، وإضفاء الحجة والحقية على الظواهر والقرائن، وتعمد التحايل والتذرع والإيهام بغير ما هو كامن في النفوس، ومركوز في الباطن .. إنه ليس غريبًا عن المقاصد الشرعية أن تنبني على هذا المعنى الخلقي، فهي تجعل من أعظم موضوعاتها ومسائلها إبطال الحيل والذرائع وتخليص النيات والقصود من شوائب التغرير والغش والإيقاع في الظلم والغفلة والإضرار، وتطهير البواطن من الشرك والحسد والبغضاء، واستحضار الجانب الدياني في العمل القضائي، فيشترط العلماء تطابق القصد مع ظاهر العمل حتى يكون ذلك العمل صحيحًا ديانة وقضاء، أي محققًا مرضاة الله تعالى ومصالح الناس.
لذلك منعت كثير من المعاملات الفردية والجماعية بناءً على قيامها على التحايل والمغالطات، وذلك على نحو : نكاح التحليل، وزواج المتعة، وبيع العِينة، وتطليق الزوجة لحرمانها من الميراث، وقتل المورث لاستعجال الإرث، وهبة المال قبل الحول فرارًا من الزكاة وغير ذلك كثير.
فهذا ابن رشد الحفيد منذ حوالي تسعة قرون يؤكد أن تقدير المصالح لا يثبته إلا العلماء بحكمة الشرائع، الفضلاء الذين لا يهتمون بظواهر الشريعة المفضية إلى الظلم والجور.
وليس إيراد هذه الحقيقة وأمثلتها موقوفًا على أعلام الإسلام فقط، بل إن غيرهم قد أجمعوا على ما تميزت به من سمو أخلاقي ومقاصد اجتماعية وإنسانية عامة، يقول المستشرق جوزيف شاخت : (ثم إن أحكام الشريعة كلها مشبعة بالاعتبارات الدينية والأخلاقية، وذلك مثل تحريم الربا، أو الثراء غير المشروع بوجه عام، وتحريم إصدار الأحكام على أساس الشبهة، والحرص على تساوي الطرفين المتعاقدين، ومراعاة الوسط في الأمور ).
* عقلانية المقاصد ، وجريانها على وفق العقول الراجحة والأفهام السليمة والفطر العادية، فإن المقاصد الشرعية المقررة تتلقاها عقول العامة والخاصة بالقبول والتأييد، لما فيها من مسايرة الفطرة، ومطابقة الأعراف، ومناسبة المعقول، فمقاصد الكليات الخمس، ومعاقبة الجاني، واستنكار الظلم والخيانة والغدر، ومحبة الخير والأمانة والصدق، وتفريج الكرب والشدائد عن المنكوبين والمدينين، والإعانة على المعروف والفضائل، ومنع الغرر والضرر في المعاملات، ومنع الوطء في الحيض والنفاس، وتأبيد الزواج ومنع توقيته وتحيينه، والحث على طهارة المكان والبدن والثياب، وطهارة اللسان والقلب والنفس، وغير ذلك من المقاصد على تنوعها واختلاف مراتبها، تتسم بالمعقولية والمنطقية، ولا يجحدها إلا أصحاب العقول المختلة والأمزجة المهتزة.
وحتى المجالات التي يظن أنها غير معقولة المعنى على نحو العبادات والمقدرات، فهي معللة على التفصيل أحيانًا، مع تفاوت في مراتب التعليل ودرجات الحكمة، وهي كذلك معللة على الجملة باندراجها ضمن عموم المنظومة وكبريات القواعد، وبإفضائها إلى بعض المقاصد المعقولة.
وما يبدو من تعارض ظاهري بين المنقول والمعقول، فهو راجع إلى أن المنقول ليس في وسع العقل فهمه واستيعابه، أو أنه محمول على ظاهره، ولكن التأويل الصحيح يزيله، أو أنه ادعي أنه منقول (هذا في أخبار الآحاد فقط) ، وهو غير ذلك، أو أن العقل قد أخطأ فيما توصل إليه من نتائج.
المبحث الثالث: الضوابط الخاصة للاجتهاد المقاصدي
وهي جملة القيود التي تتفرع عن الضوابط العامة والشروط الكبرى، وتكون أقرب من حيث الإدراج والإلحاق، وأوضح من جهة الالتصاق والتعلق .
والمقاصد التي تراعى في الاجتهاد، والتي لها ضوابطها وشروطها، إنما هي جملة المعاني الملحوظة في التصرفات الشرعية، والمتوصل إليها باستخدام الأدلة والمصادر التشريعية على نحو النص والإجماع والقياس والاستصلاح والعرف والاستحسان وغيره. لذلك فإن الكلام عن ضوابط وشروط المقاصد يمر حتمًا بالكلام عن ضوابط وشروط المصلحة المتوصل إليها بالاستصلاح المرسل والقياس والعرف وغير ذلك .
فتحديد تلك الضوابط والشروط لدى علماء الأصول والاجتهاد هو عينه ما اتصل بتحديد ضوابط وشروط تلك المصادر التشريعية المتعددة، ومختلف مباحث التأويل الشرعي السليم .
ومن هنا كان لزامًا على الباحث أن يبين ضوابط الاجتهاد المقاصدي من خلال بيان وعرض ضوابط كل من المصلحة المرسلة والعلة والعرف، وشروط التأويل الصحيح .
ضوابط المصلحة المرسلة
الضابط الأول: عدم معارضتها للنص أو تفويتها له:
النص من حيث دلالته على معناه وحكمه نوعان:
أ ـ النص القطعي:
هو النص المقطوع به ثبوتًا ودلالة، فالمقطوع به ثبوتًا هو المقطوع بنسبته إلى صاحبه، وهو يشمل القرآن الكريم والسنة المتواترة.
أما المقطوع به دلالة فهو الذي يحتمل معنى واحدًا وحكمًا واحدًا، ومثاله قوله تعالى : (قل هو الله أحد) ( الإخلاص:1).
فالمصلحة التي يعول عليها المجتهد لا ينبغي أن تعارض نصًا قطعيًا، وذلك لأن هذا التعارض سيؤول حتمًا إلى تقرير التعارض بين القواطع الشرعية : أي بين النص القطعي ودليل المصلحة المرسلة وشاهدها البعيد، وهذا محال ومردود، لأنه موقع في اتهام الشارع بالتناقض والنقص والتقصير .. وكما هو معلوم فإنه لا يجوز للمصالح الحقيقية أن تعارض نصًا قطعيًا، وذلك لأن تلك المصالح جارية على وفق نصوصها وأدلتها القطعية، وما يدعى من وجود التعارض بينهما، ومن وجوب تقديم المصلحة على النص القطعي، إنما آيل في الحقيقة إلى ما يلي :
- أن المصلحة التي ادُّعِيَ معارضتها للنص القطعي إنما هي مصلحة مظنونة أو وهمية .
فإن كانت مظنونة بأن كان لها شاهد عام ودليل على جنسها البعيد، فإنها لا تقوى على النص القطعي المباشر، لاستحالة اجتماع العلم والظن على محل واحد، أو كانت مظنونة بأن كانت غير معلومة على التعيـــــين، فيقدم النـــص عليها (فنحن نـــرى أن من الأمور ما لا يعرف وجه المصلحة فيه على التعيين، فيكون النص أولى بالاعتبار). (إن المصلحة ثابتة حيث وُجد النص، فلا يمكن أن تكون هناك مصلحة مؤكدة أو غالبة والنص القاطع يعارضها، إنما هي ضلال الفكر أو نزعة الهوى أو غلبة الشهوة، أو التأثر بحال عارضة غير دائمة، أو منفعة عاجلة سريعة الزوال، أو تحقيق منفعة مشكوك في وجودها، وهي لا تقف أمام النص الذي جاء عن الشارع الحكيم، وثبت ثبوتًا قطعيًا لا مجال للنظر فيه ولا في دلالته).
- آيل إلى أن النص المعارض بالمصلحة لم تثبت قطعيته، وإنما هو دائر بين الاحتمالات والظنون، فيكون التعارض الواقع بين المصلحة المنشودة والنص الظني هو من قبيل التعارض بين ظنيين إذا كانت المصلحة ظنية، أو بين ظني وقطعي إذا كانت المصلحة قطعية، وفي كلتا الحالتين يكون هذا التعارض غير مستحيل وممكن الترجيح لأنه ليس واقعًا بين قطعيين .
ومعرفة القطعي من الظني في الشريعة الإسلامية أمر ميسور ومحسوم بفضل الله تعالى الذي حفظ شريعته من الضياع والتحريف والاختلال، والذي بيّن ما هو مقطوع به وما هو مظنون فيه، رحمة بعباده وامتـنانًا، فبيان المقطــوع لدرء الاختــلاف والاضطراب، ولأنه لا يخضع لاعتبارات الزمان والمكان والحال، والمظنون مقصود به التيسير والتخفيف والتنوع والثراء، ومواكبة الاختلاف والتغير في الزمان والبيئات والظروف والأحوال .
كما أن معرفة القطعي من الظني حسمه العلماء المخلصون والمجتهدون الراسخون الذين قيضهم الله تعالى لخدمة شرعه، والذين كانت لهم حظوظ وافرة من فهم الخطاب الشرعي، واستيعاب مراميه ومقاصده وكيفياته ومختلف معانيه ومتعلقاته، والذين كان لرعيلهم الأول من الصحابة والتابعين وتابعيهم فضل القرب الزماني والمكاني، الذي مكّنهم من النظر الدقيق والتتبع العميق لتصرفات الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ، هذا فضلاً عن براعتهم في حذق اللغة العربية التي نزل بها الوحي على وفق أساليبها وصيغها ومعهوداتها ومدلولاتها .
- آيل إلى أن النازلة لم ينظر جيدًا في تحقيق مناطها، وبالتالي في إدراجها ضمن أصولها وأدلتها، ومعلوم أن تحقيق المناط يضمن الاستخدام الجيد لتسليط الأدلة على وقائعها ونوازلها .
والمهم من كل ما ذكرنا أنه لا يجوز إطلاقًا وتفصيلاً تقديم المصلحة على ما هو قطعي يقيني، والواجب الفرض على المسلمين - خاصة وعامة - تقديم المدلول القطعي وترك المصلحة المظنونة أو الموهومة. (فإذا اتضحت قطعية دلالته، اتضح سقوط احتمال المصلحة المظنونة في مقابله ). (فإن الظن لو خالف العلم فهو محال، لأن ما علم كيف يظن خلافه ). (فقد ثبت بالدليل الذي لا يقبل الريب أن إجماع الصحابة والتابعين وأئمة الفقه، قد تم على أن المصلحة لا يمكن لها أن تعارض كتابًا ولا سنة، فإن وجد ما يظن أنه مصلحة وقد عارضت أصلاً ثابتًا من أحدهما فليس ذلك بمصلحة إطلاقًا، ولا تعتبر بحال ).
ب ـ النص الظني:
وهو النص الذي يدل على أكثر من معنى وحكم، ومثاله : نص القُرْءِ والملامسة وغيرها، فيكون الاجتهاد قائمًا على حصر كل تلك المعاني والأحكام وتحديد أقربها إلى المراد الإلهي وأنسبها للمصلحة المشروعة، فقد يكون أحد تلك المعاني متماشيًا مع المصلحة فيقع اعتماده بناء على المصلحة، ولا عبرة هنا بمعارضة المصلحة لغير ذلك المعنى المعتمد على وفق المصلحة، إذ لا يعد ذلك معارضة للنص، وإنما هو من قبيل العمل بأحد دلالات النص لاستحالة الجمع، وهو كذلك من قبيل العمل بدليلين، كالعمل بالعام والخاص والمطلق والمقيد، وهو في هذه الحال عمل بالنص الظني في أحد معانيه، وعمل بدليل المصلحة المرسلة وشاهدها البعيد وأصلها الكلي المستخلص من الأدلة والقرائن الشرعية الكثيرة.
أما الذي لا يجوز قطعًا هو أن تعارض المصلحة جميع مدلولات النص الظني، لأن معارضة كل مدلولات النص الظني كمعارضة النص القطعي تمامًا. (أما إذا عارضت المصلحة كل المدلولات الظنية، فحكمها كحكم معارضة الدلالة القطعية )، فلا يجوز مثلاً مخالفة مدلولي الحيض والطُهْر للقُرْء بإحداث قول ثالث، لجلب مصلحة المرأة أو الرجل، أو لتغير الظرف، وكذلك يحرم مخالفة معنيي الملامسة المتعلقين بمجرد اللمس وبالوطء، فلا يجوز إحداث رأي ثالث، وغير ذلك من المعاني المحتملة للنص الظني، التي لا يجوز العدول عنها إلى غيرها بمجرد توهم المصلحة وتخيلها، أو الظن بها ظنًّا ضعيفًا ومرجوحًا .
والمعتمد في تحديد سائر مدلولات ومعاني النص الظني هو منهج التأويل الصحيح المقرر في علم الأصول.: (والحد الذي يقف عنده احتمال دلالات الألفاظ حتى يصبح ما وراءه مخالفًا ومعارضًا إياها يتلخص في جملة الشروط التي ذكرها الأصوليون لصحة التأويل، وفي مقدمتها كون التأويل موافقًا لوضع اللغة وعُرف الاستعمال وعادة صاحب الشرع ).
والخلاصة، أن تقدير المصالح ومراعاتها تتفاوت أحجامه ومراتبه بحسب طبيعة النصوص وتنوعها من حيث القطع والظن، فكلما كان النص ظنيًا كان تقديم المصالح واردًا ومطلوبًا ومدعوًا حتى يتوصل إلى ما هو أقرب للمراد الإلهي، وأجلب للمصلحة الإنسانية، وأضمن لتطبيق الحكم على أحسن وجه وأتمه .
غير أن هذا لا يعني أن النص القطعي خال من المصالح والمنافع، وإنما يعني أن تحصيل نوع من المصالح الحقيقية جار على وفق ما جعله الشارع غير قابل للتغيير والتأويل على مر الأيام والأحوال بأن جعله قطعيًا لا يتطرق إليه الاحتمال والافتراض .. كما أجرى نوعًا آخر من تلك المصالح على ما جعله متبدلاً بتبدل الأزمنة والظروف والأحوال، بأن جعله ظنيًا تختلف في مدلولاته الأنظار والأفكار .
الضابط الثاني: عدم معارضتها للإجماع:
الإجماع هو الدليل الشرعي بعد النص، وهو إما أن يكون قطعيًا أو يكون ظنيًا .. فإن كان قطعيًا كالإجماع على العبادات والمقدرات، وعلى نحو تحريم الجدة كالأم، وتحريم الجمع بين المرأة وخالتها، وتحريم شحم الخنزير، وتوريث الجدة للأب مع الجدة للأم، وغير ذلك من المسائل التي تحقق فيها الإجماعي القطعي.
فهذا النوع من الإجماع لا يتغير بالمصلحة مهما كانت مشروعيتها ومنطقيتها ودرجة المعقولية فيها، ولا ينبغي أن يُقال : إنها مصلحة معتبرة وقطعية، لأنها إن كانت كذلك كما يدعى، فقد ألحــــقنا التناقض والنقــــص بالوحي، وهذا محــال ومردود، لاستحـــالة وجود التعــــارض بــيـن القـــواطع، والأمر في حقيقته ليس سوى ادعاء للمصلحة وتوهمها بلا أدنى درجة من درجات الاعتبار الشرعي .
فالإجماع القطعي هو كالنص القطعي في دلالته على حكمه في اليقين وعدم التأويل، وفي أولويته على المصلحة، وليس جائزًا أن يُقال : إن الإجماع المستند إلى نص ظني لا يقوى على معارضة المصلحة، أو أنه في حكم النص الظني نفسه في تعدد دلالاته ووجوب حصرها والاختيار منها بما يتماشى مع المصلحة، فهذا القول مردود عليه بداهة من جهة القطع والظن معًا : أي من جهة قطعية الإجماع وظنية النص الذي استند إليه الإجماع، ومعلوم أن الإجماع قد اكتسب شرعيته القطعية من الدليل الشرعي الظني الذي استند إليه، ومن الاتفاق على ذلك الدليل الظني .
فحكم الإجماع مستفاد إذن من الدليل الشرعي الظني، ومن عنصر الاتفاق واجتماع الأمة الذي زكاه الشرع وصححه .
أما إذا كان الإجماع ظنيًا أي قائمًا على أحكام متغيرة بتغير الزمان والمكان والحال، ومبنيًا على مصلحة ظرفية لم تثبت أبديتها وبقاؤها، فإنه خاضع للتعديل والتغيير بموجب المصلحة الحادثة : (ومجرد الاتفاق في عصر على حكم لمصلحة لا يكفي في أبديته، بل لابد مع هذا الاتفاق من اتفاق آخر على أنه دائم لا يتغير).
وقد كان الأئمة يمنعون شهادة القريب على قريبه، والزوج على زوجته والعكس، لضمان حقوق الناس، وقد كان ذلك جائزًا في عصر الصحابة إجماعًا واتفاقًا .
والحق أن هذا التعارض بين الإجماع الظني المنبني على المصلحة الظرفية وبين المصلحة الحادثة هو في حقيقته تعارض بين مصلحتين : مصلحة الإجماع المرجوحة والمصلحة الحادثة الراجحة، وإذا كان كذلك فإنه يعمل فيه بترجيح الراجح عن المرجوح، لسبب من الأسباب المتعلقة بالقطع أو الكلية أو العموم أو الوقوع أو غير ذلك .
فالإجماع متى تأكدت قطعيته فهو في حكم النص القطعي في منع العدول عنه لمجرد توهم مقصد ما أو ظن بمصلحة ما، وذلك لأن المصلحة الشرعية الحقيقية قد أجراها الشارع الحكيم على وفق قطعية الإجماع التي لا تتبدل على مر الزمان، بل التي تتسم بالثبات والدوام في كل الأحوال و العصور.
الضابط الثالث: عدم معارضتها للقياس:
القياس هو المصدر التشريعي بعد النص والإجماع، وهو حمل على النص لعلة أو أمر آيل إلى مصلحة، ومثاله : قياس شحم الخنزير على لحمه في النجاسة والاستقذار والضرر، وقياس النفاس على الحيض في منع الوطء للأذى والضرر، وهو يستند إلى وصف يتناسب مع حكمه، وهذا الوصف قد سماه الأصوليون (المناسب)، الذي متى عرض على العقول تلقته بالقبول.
والمناسب تختلف درجاته ومراتبه باختلاف اعتباره أو إلغائه شرعًا، إذ هناك وصف اعتبره الشارع، ووصف ألغاه، ووصف لم يعتبره ولم يلغه .
وفي الوصف الذي اعتبره الشارع، نجد أن ذلك الاعتبار قد جعل درجات الوصف المناسب تتراوح بين التنصيص المباشر على العلّية بالتنصيص على مناسبة الوصف للحكم، أي التنصيص على علة الحكم تصريحًا أو إيماءً، وبين التنصيص غير المباشر على العلية، أي بالتنصيص على جنس ونوع الوصف والحكم .
والغرض من بيان تقسيمات المناسب ومراتبه هو معرفة المقبول من غيره ، وإجراء القياس، والترجيح بين الأقيسة والمصالح عند التعارض، وإبراز تفاوت المصالح في منظور الشرع العزيز بتفاوت الاعتبار الشرعي لها، قوة وضعفًا، بصورة مباشرة وغير مباشرة .
جاء عن صاحب تعليل الأحكام قوله الرائع وهو يبرز مكانة المناسب في حيوية القياس والاجتهاد : (وهو حقيق بهذه العناية، فإنه لُب القياس وميدان الاجتهاد الواسع الذي سبحت في بحاره عقول المجتهدين وأتباعهم، وحلّقت في سمائه أفكار الفقهاء والأصوليين، فأتوا من أبحاثه بما لا مزيد عليه لمستزيد، وأحاطوه بسياج منيع يرد عنه كل مهاجم عنيد، وسلّحوه بسلاح قوي يدفع كل اعتداء من المخالفين ).
الضابط الرابع: عدم تفويتها لمصلحة أهم منها أو مساوية لها:
هذا هو الضابط الرابع من ضوابط الاجتهاد المقاصدي المبني على المصلحة المرسلة، وهو ضابط دقيق وعميق، ويحتاج إلى دراية كافية، وهمة عالية، وخبرة بالغة بالمصالح الشرعية ومراتبها وتعارضها وترجيحها وربطها بالوقائع والمتغيرات، وغير ذلك مما يتطلب استفراغًا منقطع النظير، واجتهادًا غير يسير، بغية تحصيل الظنون المعتبرة أو القواطع الموثوقة بمقصودات الشارع ومراداته ومصالح الناس ومنافعهم .
ومعلوم أن المصالح تتنوع بحسب عدة اعتبارات وحيثيات، وتترجح بموجب ذلك من حيث القوة والقطع والضرورة، وعند تعذر الجمع واستحالته .
فباعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى الكليات الخمس المشهورة : حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ويتفرع من كل كلية ما هو ضروري وحاجي وتحسيني، وما هو مكمل لذلك الضروري والحاجي والتحسيني .. وباعتبار لحوقها بكل الناس أو أغلبهم، تكون المصلحة عامة أو خاصة .. وباعتبار تأكد وقوعها وعدمه ودرجات ذلك التأكد، تكون حقيقية أو وهمية، وتكون قطعية أو ظنية .. وباعتبار شهادة الشارع وعدمها، تكون معتبرة وملغاة ومرسلة .
وبهذه الاعتبارات تتحدد المصالح وتترجح عند التعارض إذا تعلقت بمحل واحد، فيقدم حفظ الدين على النفس، وحفظ النفس على حفظ العقل وهكذا، ويقدم ما هو ضروري على ما هو حاجي، وما هو حاجي على ما هو تحسيني، ويقدم ما هو عام على ما هو خاص، وما هو قطعي على ما هو ظني، وما هو ظني على ما هو وهمي.
والمهم من ذلك كله، أن المصلحة المرسلة المأمولة التي يراد تحصيلها في أمر من الأمور، ينبغي أن تنضبط بميزان المصالح الشرعية، وأن تنتظم بموجب قانون المقاصد المختلفة المقررة، فلا ينبغي أن تخل هذه المصلحة المأمولة بمصلحة أخرى أهم منها، أو مساوية لها، إذ الأولى هو الإبقاء على الأهم وعلى المساوي الموجود إذا استحال الجمع بين المصلحة المأمولة والمصلحة الموجودة في المحل الواحد والمسألة الواحدة .
والإبقاء على الأهم واضح وبيِّن الصلاح، إذ المصلحة فيه أوضح وأجلى وأتم، والإبقاء على المساوي مترجح بموجب القطع بالوقوع والتحصيل، إذ المصلحة الموجودة مقطوع بظهورها ووقوعها بخلاف المصلحة المأمولة التي يراد تحقيقها بغلبة الظن أو القطع الذي لم يجزم بعد بوقوعه وتحصيله .
فهذا هو الميزان المعتدل، والقانون المنضبط، والمعيار الدقيق، في تحديد المصالح الشرعية، والترجيح بينها إذا تعارضت وتباينت وتعذر مع ذلك الجمع والتوفيق، وهو مما تتلقاه العقول الراجحة والأذواق السليمة بالقبول والتأييد والتسليم، فليس أمام الناس إلا أن يأخذوا بأهم المصلحتين إذا كانت الأدنى مفوتة للتي هي أهم، وليس أمامهم إلا ارتكاب أخف الضررين لدرء أعظم المفسدتين، وليس لهم سوى فعل المكروه لإبعاد المحظور، وتفويت المندوب لأداء الواجب وغير ذلك كثير .
وهذا نلحظه في كل أمة وملة، وفي كل حال وأمر، إذ ليس أمام الرجل إذا تعارضت مصالحه ومنافعه في الموضوع الواحد إلا أن يختار ما يراه أنسب لوضعه، كأن يختار ما هو أدوم نفعًا في حياته أو ما هو أنفع لأغلب عياله، أو ما هو مؤكد الوقوع على ما هو مظنون أو موهوم .
والشارع الحكيم تفضلاً بعباده وامتنانًا لم يتركهم لغير هذا الميزان المضبوط والمنهج المعقول في تحصيل المصالح وترجيحها، إذ لو تركهم كذلك لاضطربت فعلاً مصالحهم، ولما تحققت أصلاً، ولما ترجحت أيضًا، بسبب اضطراب الميول، واختلاف العقول، وتباين الغايات الإنسانية في مشوار حياتها الطويل .
ومن مظاهر هذا الميزان في الشريعة الإسلامية نجد أحكام الترخص والاستثناء والضرورة ورفع الحرج والتيسير ونفي المشاق غير المعتادة، وتفضيل بعض الأعمال على بعض، وغير ذلك مما يبرهن على تقرير مبدأ الترجيح بين المصالح عند تعارضها وتعذر الجمع بينها، ومثال ذلك الأحكام الاستحسانية، كبيع السَّلَم، وأجرة الحمام، والشرب من يد السقاء، وكشف العورة للتداوي، وغير ذلك من الأحكام الاستحسانية التي عدل بها عن حكم نظائرها لما فيها من مصالح هي متعارضة مع مصالح إبقائها على عمومها وإلحاقها بنظائرها، بل إن بقاء تلك الأحكام على أصلها معطل للمصالح الإنسانية قطعًا، فأجرة الحمام لو بقيت على أصلها، من وجوب اشتراط العلم بمقدار الماء المستعمل ومدة المكث، لما استحم مستحم، ولتعطلت مصالح الغسل والتنــظف والمعــاوضة، ولتجمدت حــرفة بذاتها .. والمرأة المريضـــة التي لا تكشف عورتها للطبيبة بهدف المداواة والعلاج عملاً بأصلية ستر العورة، فإن تلك المرأة ستعرّض نفسها إلى ما هو أعظم وأنكى، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، وهي تدل كما ذكرنا على أن الشارع قد راعى تفاوت المصالح والمفاسد، ولزوم اختيار الأهم، ودرء الأعظم عند التعارض واستحالة الجمع .
ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك، ما لو طرح المسلمون قضية عمل المرأة لزيادة الإنتاج، فإن هذه القضية تتجاذبها عدة مصالح : مصلحة زيادة الإنتاج لتقوية الاقتصاد، ومصلحة الأسرة من التربية والعناية، ومصلحة صيانة المجتمع من الاختلاط المشين ونتائجه. ثم إن تلك المصالح لا يمكن الجمع بينها لتعذرها، ولابد من ترجيح إحداها على وفق هذا الضابط والمعيار .
فإذا ترجح للمجتهد مثلاً أن تقوية الاقتصاد من حفظ المال، ومصلحة الأسرة من حفظ الدين والعقل، ومصلحة المجتمع من حفظ النسل، فإنه بلا شك سيقرر أن مصلحة حفظ المال مرجوحة أمام مصلحة الدين والعقل والنسل .
ثم إن المجتهد سيدرك أن هذا الحكم هو على عمومه، غير أن هناك حالات أخرى تستدعي عمل المرأة دون أن يخل بمصلحة المجتمع من الستر بأن تصان المرأة وتحفظ كرامتها، وأن يؤدى ' ذلك العمل في قطاع حساس كالقطاع الدفاعي أو التكنولوجي الذي لابد منه لحفظ الأمة وسلامتها من الاستعمار والاعتداء وحفظ دينها وهويتها وغير ذلك، فإن هذا الاستثناء له ما يبرره، وهو دائر مع مناطاته ومرجحاته، وسائر على وفق هذا الضابط الموزون والمقياس المعلوم.
ومثال آخر يتفرع عن هذا ويتسم بالجزئية أكثر، ومفاده أن امرأةً تشتغل، وأن شغلها سيؤدي بحسب القطع أو الظن الغالب إلى زيادة المدخول المالي وإلى ضياع الأولاد وتناولهم لداء المخدرات، فإنه في هذه الحالة ليس لها من مخرج إلا بترك عملها الذي هو من مصلحة المال، والعناية بأولادها وصرف داء الفساد والمخدرات عنهم والذي هو من حفظ العقل.
ومن الأمثلة التي أوردها البوطي : عمل الدولة على تقوية الجيش لدرء خطر الاعتداء، وإجبار الأغنياء بتمويل بيت المال الذي صرفت ماليته في المصالح المشروعة، فإن هذا المثال تتجاذبه مصلحتان: مصلحة الدولة في تقوية دفاعاتها، ومصلحة الأغنياء في أموالهم المأخوذة، ولا يمكن الجمع بين المصلحتين لاستحالة ذلك، إذ لو أمكن الجمع لما وجد تعارض أصلاً، فيكون المخرج من هذا التعارض قائمًا على ترجيح مصلحة الدولة العامة على مصلحة الأغنياء الخاصة، ولأن تفويت مصلحة الدولة فيه تفويت لمصلحة الأغنياء غالبًا، بعكس تفويت مصلحة الأغنياء فليس فيه تفويت لمصلحة الدولة غالبًا .
وهناك أمثلة أخرى قد ذكرها البوطي في كتابه : ( ضوابط المصلحة )، وقد استخدم فيها هذا الضابط الشرعي الموزون، وهي أمثلة مهمة فارجع إليها.
إن المشكلة الأدق في هذا الضابط هي إدراج النوازل والأقضية في كلياتها ومراتبها، والحكم على أن هذا الأمر هو من قبيل حفظ الدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، وأنه ضروري أو حاجي أو تحسيني، أو مكمل لإحدى تلك المراتب، فهذا هو الأدق من غيره في عملية ترجيح المصالح وهو الأشق والأصعب، والذي يتطلب استفراغًا جماعيًا غير يسير، وتوكلاً على صاحب الشرع واستعانة به، اعتقادًا وعزمًا، حتى يتبين لهم حق الكليات والمراتب وجزئياتها وفروعها، فإذا علم ذلك كله، تيسر أمر الترجيح، وسهلت المهمة، واقتصر على العودة إلى ميزان ذلك الضابط واتباع أولوياته في اعتبار المصالح الأهم، ومراعاة الكليات الخمس ومراتبها بحسب الأقوى اعتبارًا والأعظم اضطرارًا .
ويأتي بعد هذا أمر النظر في مقدار شمولها والتأكد من وقوعها، ليتحقق المجتهدون من أن المصلحة المنتظرة ستشمل العامة أو ستلحق بأغلبهم أو بعضهم، وسيكون ذلك الوقوع مقطوعًا به أو مظنونًا ظنًّا غالبًا أو مغلوبًا .
وهذا الأمر ليس باليسير أيضًا، وإن كان النظر فيه أيسر من النظر الأول المتعلق بإلحاق الجزئيات بكلياتها ومراتبها ومكملاتها .
ويجدر التأكيد على أن هذا الأمر ينبغي أن تتضافر فيه جهود المخلصين وجهاد المجتهدين، حتى يُعملوا فيه النظر الدقيق، تحقيقًا وتحريرًا وتمثيلاً وحسمًا، بغية الظفر بتتميم وتكميل ما تفضل الأوائل بوضعه وتأسيسه وبعثه .
ثم إن المهم من كل هذا هو الجانب العملي لهذا الضابط والدراسة الميدانية لتحديد المصالح وترجيحها، إذ ينظر عندئذ في النازلة المستحدثة وفي متعلقاتها وملابساتها وظروفها، والمصالح التي تتجاذبها، ودرجات تلك المصالح ومراتبها ومقدار شمولها ومدى وقوعها، وغير ذلك مما يعين كثيرًا في حسم المصالح وبيان مراد الشارع نفسه أو القريب منه، وهذا يؤدي بنا إلى القول بإلزامية الاجتهاد الجماعي والمؤسساتي والشمولي من قبل علماء الشريعة وخبراء الواقع المعيش في معارفه المختلفة وفنونه المتعددة .
ضوابط العرف
العرف كما هو معلوم : ما تعارفه الناس في أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم، وهو من المسالك الاجتهادية التي يستعان بها في تقرير أحكام قضايا ونوازل شرعية، تحقيقًا لمقاصد الدين ومصالح الخلق، فهو ذو دلالة مقاصدية هامة وذو علاقة وطيدة بجلب المصالح والمنافع ودرء المفاسد والمهالك .
والحق أن ما قيل غالبًا في ضوابط المصلحة المرسلة يُقال في ضوابط العرف من ناحية مآل ومصير كل منهما .. فالمصلحة المرسلة هي المصلحة التي لم يشهد لها الشارع بالاعتبار ولا بالإلغاء، والعُرف هو أمر تعارفه الناس، وفيه مصلحتهم التي لا تصادم الشرع، أي التي لم يلغها ولم يُبعدها، وإنما اعتبرها بوجه من الوجوه .
غير أن إفراد العُرف ببيان ضوابطه يأتي في سياق التأكيد على أن المصلحة لها ميزان واحد في الضوابط والشروط مهما تعددت مسالك تحصيلها وطرائق تقريرها بالعرف أو اعتبار المآل أو القياس أو غير ذلك، وهذا هو الذي ينفي عنها طابع الاضطراب والتردد والاختلاف على عكس المصالح في القوانين الوضعية والفلسفات المادية، التي اختلفت إزاء بيان المصالح اختلافًا كبيرًا .. كما أنه يأتي جريًا على عادة الأصوليين في ترتيبهم لمصادر التشريع، حيث جعلوا العرف مصدرًا تشريعيًا يعتد به بعد النص والإجماع والقياس والاستحسان والمصلحة المرسلة .
فما هي إذن ضوابط العرف وشروطه؟
يمكن أن نجمع كل ضوابط العرف ضمن ثلاثة ضوابط أساسية، هي على النحو التالي:
* أن لا يعارضَ العُرفُ المعمولُ به أصلاً شرعيًا قطعيًا، سواءً أكان نصًا قرآنيًا أو نبويًا، أم كان إجماعًا شرعيًا، أم كان مقصدًا معتبرًا معلومًا وأمرًا يقينيًا مقطوعًا به.
* أن يكون مطردًا في جميع أو أغلب الحوادث والنوازل، ولا عبرة بالقليل والنادر .
* أن يكون قائمًا عند إنشاء المعاملات دون أن يكون له مفعول رجعي عما مضى من المعاملات والأقضية السابقة.
فتعارف الناس على التبني، والشغار، والقمار، والميسر، والتختم بالذهب للرجال في مناسبات الزفاف، ولزوم المهر على الزوجة لا على الزوج، والأكل مما يُذبح للأولياء والأضرحة، والذبح قبل صلاة العيد، واسترقاق المدين ... فكل تلك الأعراف وغيرها باطلة، ومردودة وفاسدة مهما بلغت من درجات نفعها وخيرها، لأنها معارضة معارضة صريحة للأصول الشرعية القطعية.
والخلاصة، أن العرف هو الذي تألفه نفوس الجماهير وتستحسنه استحسانًا ناشئًا عن تجربة ملاءمتها لصلاح الجمهور، كالعقوبة للردع وهو يعمل به في حدود الحرية التي تركها الشرع للمكلفين في ميادين الأعمال والالتزامات دون الحالات التي تولى الشارع فيها بنفسه تحديد الأحكام على سبيل الإلزام، وإلا انقلبت الأحكام والتشاريع.
ضوابط التعليل
لا نريد في هذا المجال الخوض في كلام الأصوليين واختلافاتهم في مسألة التعليل وضوابط العلة وشروطــــــها، فذلك أمر قد يفوت علينا ما نحن بصدده، وإنما نقصد في هذا السياق الإشارة السريعة لضوابط التعليل بغية التأكيد على وحدة المعيار المقاصدي في الشريعة وانضباط ميزان الاستصلاح.
والتعليل الذي نقصده، هو بحث العلل والحكم والمقاصد باستخراجها وتقريرها والقياس عليها والاعتداد بها في الاجتهاد، وهو بهذا الاعتبار يشبه إلى حد كبير المصلحة المرسلة التي لها نفس الدور الاجتهادي في بحث العلل والحكم والمقاصد تقريرًا واعتمادًا، غير أن هناك فروقات ملحوظة بينهما لافتراق القياس عن المصلحة المرسلة بحسب اعتبارات وحيثيات معينة .
فالتعليل إذن ليس مجاله بحث العلل باعتبارها أوصافًا ظاهرة منضبطة فقط، بل هو بحث يشمل العقل والحكم والأسرار والمصالح والمنافع وكل ما له صلة بمضمون المقاصد الشرعية.
وتتجمع كل تلك الضوابط ضمن دائرة موافقة الأصول الشرعية المقررة، والجريان على وفق النصوص والإجماعات والمقاصد المعتبرة، والاتسام بطابع الثبات والظهور والانضباط والاطراد .
فالمقصد الثابت معناه القطع بتحققه أو ظنه ظنًّا غالبًا أو قريبًا، والمقصد الظاهر معناه الاتفاق على تشخيصه وعدم التباسه بغيره، كحفظ النسل الذي هو مقصد النكاح .. والمقصد المنضبط معناه أن يكون له حد معتبر لا يتجاوزه ولا يقصر عنه .. والمقصد المطرد معناه عدم اختلافه باختلاف الأعصار والأقطار والقبائل.
خلاصة الضوابط:
تحديد الضوابط العامة والخاصة للاجتهاد المقاصدي بمسالك الاستصلاح والعرف والتعليل وغيره، ليس الغرض منه تقييد العقل عن الإبداع والتحرر، وتعطيل المصالح الإنسانية أو تنقيصها وتحجيمها، أو غير ذلك مما قد يقال بسبب الجهل بطبيعة الميزان الشرعي للمصالح والتسرع والتهور في إطلاق الأحكام وبيان المواقف، أو بسبب التحامل والتشهي والتلذذ وسوء التدبير العقلي والنظري .. إن الغاية من كل ذلك تقرير المصالح الإنسانية في الدنيا والآخرة بوضع الميزان الموحد والمعيار المضبوط، لتحديد البناء المصلحي، وإخراجه من دواعي الهوى والاضطراب والاختلاف، وتحريره من دائرة التلاعب بالألفاظ والتأويلات، والاستهتار بحقيقة منافع الناس، وإخضاعها لمنطق الفوضى وقانون المنفعة الذاتية وميزان وشعار : (أعيش أنا ويفنى الباقي ).
الفصل الثاني: مستلزمات الاجتهاد المقاصدي
المقصود بكلمة المستلزمات الواجب توافرها في العمل بالمقاصد، هو جملة أمور شرعية ولغوية وواقعية يستلزمها ذلك العمل ويستوجبها حتى يقوم بدوره على أحسن الوجوه وأتمها، ويذكر أن العمل بالمقصد في العملية الاجتهادية يقوم على ثلاثة عناصر بدهية، هي : النص، والواقع، والمكلف.
فالنص هو الدليل الذي يُراد تطبيق حكمه وعلته ومقصده، والواقع هو ميدان الفعل والتصرف الذي سيكون محكومًا بذلك النص وموجهًا نحو مقاصده وغاياته، والمكلف هو المؤهل عقلاً وروحًا وبدنًا للملاءمة بين النص والواقع، أي لتسيير الواقع على وفق النص وأحكامه ومقاصده، وتنزيل ما ينبغي تنزيله من معالجات شرعية لمشكلات ذلك الواقع وأقضيته وأحواله.
وتحيط بتلك العناصر الثلاثة (النص والواقع والمكلف ) جملة من المعطيات الهامة واللازمة والأساسيات الضرورية في عملية الاستنباط الفقهي في ضوء مراعاة المقصد، تلك المعطيات عبّر عنها العلماء بأنها سائر المعلومات الاجتهادية، وكيفية الاستنباط وأدواته، وجملة شروط التأويل التي ينبغي استحضارها في استخراج أي حكم شرعي في الواقعة المستجدة، بغرض أن يتحقق في الحياة والوجود مراد الشارع على سبيل القطع واليقين أو الظن الغالب والراجح.
وقد ذكر ابن رشد الحفيد أن النظر في مراد الشارع ومقاصده هو من اختصاص العلماء بحكمة الشرائع، الفضلاء العارفين بالنص الشرعي ومراده، والمهتمين بالحكمة والمقاصد، وبأن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها.
المبحث الأول: أساسيات النص
هي جملة المعطيات والمعلومات اللغوية والأصولية التي يستحضرها المجتهد في التعامل مع النص الشرعي، فهمًا وتطبيقًا.
الأساسيات اللغوية:
وهي جملة المعلومات اللغوية التي يجب استحضارها في فهم النص الشرعي وإدراك مقصده وعلته وحكمته، وذلك مثل عموم اللفظ وخصوصه وظاهره وباطنه الذي لا ينصرف إليه إلا بالدليل (إذ لا يعدل عن الظاهر إلا بدليل) فالعمل بمقتضى دلالة الظاهر واجب اتفاقًا ما لم تقم قرينة من الشرع أو العقل أو اللغة أو العرف العام تخرجه عن ظاهره فيؤول حينئذ حسبما تقتضيه تلك القرينة . ولما كان مجرد تخيل المصلحة المعارضة لدلالة الظاهر ليست قرينة من هذه القرائن الأربع، كان الأخذ بها مناقضة للظاهر لا تأويلاً وهو غير جائز اتفاقًا. وكذلك عامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، ومفرده ومشتركه، ومنطوقه ومفهومه (الذي يفهم من نفس الخطاب من قصد المتكلم لعرف اللغة)، وأمره ودلالته على الوجوب إلا إذا دل الدليل على غير ذلك.
وكذلك النهي المفيد للتحريم إلا إذا دل الدليل على غير ذلك، وخطاب الوضع (الأسباب والشروط والموانع والرخص والعزائم والوسائل ) وتأثيره في خطاب التكليف . وكذلك ناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله ووروده وتدرجه في بيان الأحكام، والتفاته في ذلك إلى الرفق والتخفيف والتيسير، وتعويده للمكلف على الامتثال الأكمل والعمل على تثبيت الأحكام وتجذيرها بصفة جيدة، إذ لو نزلت الأحكام دفعة واحدة أو بمعزل عن ظروفها وملابساتها، لوجد المكلف مشقة عظمى في فهم الأحكام ومناطاتها وعللها، ولضيع مقصوداتها وآثارها.
فكل تلك المعلومات اللغوية والأصولية وغيرها، المبثوثة في كتب الأصول، تشكل الأساس الضروري الذي لابد منه في الاجتهاد والاستنباط، وهي في علاقتها بمعانيها ومقاصدها ودلالاتها كعلاقة الشرط بمشروطه، والسقف بجدرانه، فهي أمارات وعلامات دالة على مراد الشارع الحكيم ومقاصده، وأسباب لتحققها وتطبيقها في الواقع، وباعتبار أنها الشطر الثاني الذي يشكل مع المقاصد كيان النص ووجوده، (فما أطلقه الله من الأسماء، وعلّق به الأحكام، من الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورســـولـــه).
فمن أراد تفهمه فمن جهــة لســان العــرب يفهــم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة... فإن قلنا إن القرآن نزل بلسان العرب، وإنه عربي وإنه لا عجمة فيه، فبمعنى أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة، وأساليب معانيها، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو أوسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد، وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها).
ذلك أن مقاصد الكلام مداره على معرفة مقتضيات الأحوال، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه باختلاف الأحوال، والجهل بالأسباب موقع في الانحراف في الظاهر، ومفض إلى النزاع والاعتساف. (وإنما حق الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الموضوعة للمسمى أصالة أيام التشريع، وإلى الأشكال المنظور إليها عند التشريع من حيث إنهما طريق لتعرف الحالة الملحوظة وقت التشريع لتهدينا إلى الوصف المرعي للشارع). و(لا تكون التسمية مناط الأحكام، ولكنها تدل على مسمى ذي أوصاف، تلك الأوصاف هي مناط الأحكام، فالمنظور إليه هو الأوصاف خاصة).
ففهم الأحكام ينبغي أن يكون في إطار عادة العرب في التخاطب أيام نزول التشريع، وليس في إطار ما شهدته اللغة بعد ذلك من تطور وتوسع وتنام، سواء في مـــــــدلول ألفاظها، أو في مدلول نظمها، وهذا لا يغفل جوانــــــــب الاستفادة من ذلك التطور واستثماره في الفهـــــم، لكن في حدود دائرة أدب اللغة العربية على عهد نزول الوحي، دون الانـــــزلاق في تأويلات إسقاطية تحدث في الدين ما ليــــس منه، بتحمـيل اللغة ما لم تحتمله من المراد الإلهي.
لذلك كان من اللازم المحافظة على اللغة وأن لا يؤدي تطورها واتساعها ومرونتها إلى نوع من الانحراف والزيغ المؤدي إلى زيغ الأحكام وتحريف المقاصد الشرعية، وهذا ما جعل اللغة محل عناية فائقة واهتمام تاريخي متواصل من قِبَل علماء الشريعة في مختلف الفنون والتخصصات،بغية المحافظة عليها باعتبارها مقومًا ثقافيًا وحضاريًا لأمة الإسلام، وباعتبارها لغة التنزيل الذي لا تفهم أحكامه ومعانيه ومقاصده إلا بفهم صيغها وأساليبها المعهودة عند العرب في عصر التشريع.
إن فهم الشرع بغير معهود العرب أيام التشريع ولو كان في إطار اللغة العربية بعد ذلك العصر وما لحقها من تطور وتنام، إن ذلك الفهم سيؤدي حتمًا إلى خطورة بالغة تتفاوت قُربًا وبُعدًا بحسب مدى ملازمة الدلالات الصحيحة للعربية لفظًا وصيغة، وأسلوبًا وأدبًا، وتتراوح بين وجود اختلالات واهتزازات في فهم النصوص وتجلية مقاصدها، وبين تعطيل الشريعة جملة وتفصيلاً والوقوع في دوائر الهوى والضلال المبين.
إن تلك الخطورة تتمثل إجمالاً في وجود ما يعرف بغلاة الباطنية والظاهرية، الذين انحرفوا عن المنهج السليم في فهم اللغة، والتزموا تأويلات شاذة وتفسيرات غريبة تراوحت بين الإفراط والتفــــريط في دلالات اللغة على معانيها ومقاصدها وعللها، كما تمثلت تلك الخطورة في ظهور بعض العينات والأمثلة التي شذ بها عن المنهج الشرعي الصحيح.
ومثال ذلك : تفسير لفظ اليقين الوارد في قوله تعالى : (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ( الحجر:99)، بالتيقن والقطع، وليس بالموت والوفاة، حيث قرر أصحاب هذا التفسير المختلف أن المكلف مطالب بالتعبد والامتثال إلى حين بلوغه درجة اليقين المقطوع به، فإذا بلغ ذلك سقط عنه التكليف والامتثال والتدين، وفعل ما شاء من الأحكام والتعاليم، ومعلوم أن لفظ اليقين في معهود العرب أيام نزول التشريع معناه الموت، قال تعالى : (وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين ) ( المدثر:46-47)، أي أن الكفار يعترفون يوم القيامة بأنهم تركوا ما أمروا به حتى أدركهم الموت وهم على ذلك الحال.
والخلاصة أنه لا يجوز الخروج عن الحقيقة اللغوية للنص أيام التشريع سواء من الحقيقة إلى المجاز، أو من العام إلى الخاص، أو من الانفراد إلى الاشتــراك، أو غير ذلك إلا بقرينـة معتبرة نصًا أو عقلاً أو لغة أو عرفًا، ومما مقرر في منهج التأويل وصحته.
المبحث الثاني: أساسيات الواقع
تعد دراسة الواقع الإنساني من أعقد الدراسات وأعسرها، وذلك لطبيعة ذلك الواقع وتداخل معطياته وخيوطه وظواهره، وتسارع أحداثه وقضاياه ونوازله، لذلك فإن فهمه يعد أمرًا مهمًا جدًا في عملية الاجتهاد، إذ الحكم عن الشيء فرع عن تصوره، كما يقول أهل العلم والمنطق، وكلما كان الفهم لطبيعة ذلك الواقع قريبًا من الصواب كان تطبيق الأحكام وتحقيق مراميها ومقاصدها كذلك، ومن هنا عبر عن الاجتهاد بأنه استفراغ الوسع لتحصيل القطع أو الظن الغالب، ومعنى الاستفراغ بذل كل ما في الوسع واستخدام ما ينبغي استخدامه لمعالجة واقعة إنسانية وحوادث الزمان المختلفة بصيغة دينية وبحكم شرعي.
وفهم الواقع الذي يراد تحكيمه بالتعاليم الشرعية - وليس العكس كما يحلو للبعض ذلك، حيث اعتبروا الشرع محكومًا بالواقع وهذا منتهى الجحود والكفر - لم يكن بدعًا، فقد استحضره السلف والخلف بتفاوت من حيث مقدار الفهم ودرجات صوابه وملاءمته للحقيقة، ورتبوا عليه أحكامهم وفتاواهم وآراءهم، وأبرزوا بجلاء تحقق قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال وتبدلها - فيما يقبل التبديل وليس في القواطع - بتبدل الواقع الحياتي ومشكلاته وظواهره وحوادثه .
وليست المعالجات الشرعية لحوادث الدولة الإسلامية في العصر الأول ولمشكلاتها المتأتية بسبب اختلاف البيئات المفتوحة الجديدة والعادات والنظم المألوفة ومنظومة العلاقات المتداخلة في مجال الاعتقاد والسياسة وطريقة العيش وأحوال الأسرة وأساليب التعبير والتخاطب ... ليس كل ذلك إلا دليلاً على أن ذلك الواقع الذي عولجت حوادثه وحلت مشكلاته قد استقر فهمه في أذهان السلف، وقد تبينت معالمه وطبيعته وسماته .
كما أن هناك الكثير من الشواهد النصية السنية، وعديد من آثار السلف والخلف، وجملة القواعد الاجتهادية الدالة على وجوب اعتبار الواقع وفهمه في الاجتهاد، من ذلك قواعد العرف والعادة وتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال فيما تعددت احتمالاته وتغير بتغير الوقائع والظروف، وغير ذلك مما يدل على اعتبار الواقع والالتفات إليه في الاجتهاد.
ففهم الواقع يعد شطرًا ثانيًا لمنظومة الأحكام، إضافة إلى النصوص التي لم تأت إلا لتخاطب الواقع وتتنزل فيه على أحسن حال، وأفضل منهج، وأقوم سبيل .. وواجب المجتهد الاطلاع على أحوال زمانه، وإلمامه بالأصول العامة لأحوال عصره، فهو يسأل عن أشياء قد لا يدري شيئًا عن خلفيتها وبواعثها وأساسها الفلسفي أو النفسي أو الاجتماعي فيتخبط في تكييفها والحكم عليها.
وتتأكد عملية فهم الواقع في العصر الحالي، حيث برزت للوجود طائفة عظمى من الحوادث والنوازل في مجالات مختلفة وبخلفيات متنازعة، وجدّت على ساحة الفكر والسياسة والاقتصاد والطب والأخلاق مشكلات مستعصية ودقيقة لا يمكن الحسم فيها من الوجهة الشرعية إلا بمعرفة أحوالها ودقائقها وخلفياتها ودوافعها مما يجلي حقيقتها ويحرر طبيعتها، ويساعد على إدراجها ضمن أصولها وإلحاقها بنظائرها وتأطيرها في كلياتها وأجناسها.
فالحكم على المعاملات البنكية ليس ممكنًا إلا بدراسة الخبير الحاذق الأمين، العارف بأحوال الاقتصاد ودقائقه وصوره ومآلاته ودوافعه وسائر متعلقاته، وكذلك الحكم في المجال الطبي وغيره من المجالات، التي تستوجب القول الفصل من ذوي التخصص والأمانة والخبرة، حتى يتم التصور الذهني الحقيقي للقضايا المستحدثة، وحتى يسهل الحكم عليها، جوازًا أو منعًا، حسب المنظور الشرعي .
وهذا مما يزيد في التأكيد على تجذير العمل بالاجتهاد الجماعي المؤسساتي التخصصي، وفي أهمية توعية الجماهير المسلمة وتثقيف رجالات العلم وطلاب المعرفة وشباب الأمة وتزويدها بمعلومات العصر وثقافته.
والواقع ليس إلا مجموع الوقائع الفردية والجماعية، الخاصة والعامة، ومن ثم فإن فهم ذلك الواقع هو فهم تلك الوقائع واستيعابها، وتبين طبيعتها وخصائصها، حتى يسهل تنزيل الحكم الشرعي عليها، وهذا هو الذي عبّر عنه الأصوليون بتحقيق المناط الخاص والعام، أي دراسة الواقعة كما هي، وهل أنها جديرة بتعلقها بالنص أو الدليل المقترح لمعالجتها أم لا؟
ومثال ذلك طروء معاملة مالية في المجال الاقتصادي والتعامل البنكي، فإنه يتعين على المجتهدين والخبراء والمتخصصين كما ذكرنا تحقيق مسمى تلك الواقعة، والنظر في طبيعتها وحقيقتها، ليحكموا في حليتها أو حرمتها بمقتضى كونها نوعًا من أنواع المعاوضات المشروعة، أو صورة من صور الربا الممنوع، وفرعًا من فروع الغرر المحظور . ومثاله أيضًا صدور اتفاق بين المسلمين وغيرهم، فإنه ينظر في طبيعة ذلك الاتفاق : هل هو صلح مبني على مصلحة شرعية ثابتة، أم أنه استسلام وخنوع ليس من ورائه سوى زيادة الخسارة والفساد والانسلاخ والذوبان؟
تحقيق المناط:
هو العلم بالموضوع على ما هو عليه، والنظر في الحادثة المستجدة أو الظاهرة الجديدة، وفحص طبيعتها وسماتها وملامحها، ومعرفة شرعيتها، وتسليط الحكم الشرعي عليها بموجب تحقيق مسماها وطبيعتها . (ومعناه أن يثبت الحكم الشرعي بمدركه الشرعي لكن يبــــقى النظر في تعيين محـــله) فهــــو يدور بـين الواقـــعة ومـا يتعلق بها من أحكام وأدلة، وهو من أعظم المسالك الاجتهادية الناظرة في الوقائع المختلفة التي لا تنتهي، والتي لم ينص عليها في ذواتها وأعيانها. (الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حــدتها، وإنما أتت بأمـــــور كليــــة وعبــــــارات مطــــلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفــس التعيـــــين) ومثال ذلك لفظ البيع فهو أمر كلي يشمل ما لا يحصى من معاملاته وجزئياته، والتنصيص لم يقع على كل واحدة بعينها، وإنما وقع على جنس البيع الشامل لمختلف أنواعه وأعيانه، فتحقيق مناط البيع هو النظر في أعيانه وجزئياته، ليحكم على أنها من جنس البيع أم من جنس غيره كالربا والغرر ونحوه . (والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة، فلا يكون الحكم واقعًا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق وذلك العام، وقد يكون ذلك سهلاً وقد لا يكون، وكله اجتهاد).
وتحقيق المناط تتفاوت مراتبه ودرجاته بتفاوت العقول والقرائح والملكات، علمًا وصلاحًا، ودربة وخبرة، باختلاف الوقائع والظواهر، ومدى ظهور أو خفاء خصائصها وملابساتها ودوافعها وغير ذلك، وهو قدر كل مجتهد ومفت وقاض وحاكم، بل هو قدر المكلف نفسه الناظر في ما يتعلق به من أحكام، فهمًا وتنزيلاً .. فالمكلف مثلاً ينظر في شرعية ما يقبل عليه من فعل للتيمم أو الإفطار أو القصر بسبب المرض أو السفر، هل أن واقعة المرض والسفر هي نفسها التي جاءت الأدلة لاعتبارها موجبة للتيمم والإفطار أم لا؟ وقس على ذلك بقية أحكام المكلف التي وجب عليه النظر فيها وفي ما يتعلق بها من وقائع ومناطات، ومرتبطات ومتعلقات .. والمكلفون في ذلك متفاوتون بحسب تفاوت ملكاتهم وأفهامهم وجهودهم العقلية في تحقيق أفعالهم وارتباطاتها بالأحكام .
غير أن تحقيق المناط مسلك منوط بأهل الاجتهاد والاستنباط أكثر من غيرهم، وذلك لأن المكلف قد يكتفي باستيعاب منظومة الأحكام وفهمها من العلماء وتقليدهم في ذلك تقليدًا حسنًا وبنَّاءً، مع استحسان ما ينبغي له من النظر في ذلك كله ولو بأقدار يسيرة وأحجام توصله إلى الساعين إلى صواب الاجتهاد وتثبت فيه معاني التحوط والاكتمال في الامتثال إلى الله تعالى وطاعته .
خصائص الواقع المعاصر:
خصائص الحوادث والظواهر التي يراد البت فيها شرعيًا ومقاصديًا من الأمور اللازمة للمجتهد كما هو معلوم، غير أن هناك ما يكون ألزم منها أو مثلها في اللزوم ووجوب المعرفة والدراية في عملية الاجتهاد، فلا يمكن الحكم على تلك الظواهر والحوادث الجزئية إلا بإدراك خصائص العصر الحالي وسمات أحواله وطبائعه ومعالمه ومختلف دوافعه وبواعثه الفلسفية والاقتصادية والتكنولوجية وغيرها.
ومن تلك الخصائص ما هي مشتركة بين المسلمين وغيرهم كخاصية العلمية والعملية والتخصص، والتهديد المروع للعالم بسبب النشاط النووي والكوارث البيئية والحروب المحتملة والمدمرة.
ومنها ما هو بعضي متعلق ببعض الأمم وإن كان أصحابها يسعون إلى بثها في العالم الإسلامي كالمادية والإباحية والإلحادية، وقد تكون بعض مظاهرها بارزة في بعض المناطق الإسلامية بموجب الوضع الحضاري المعاصر، وهيمنة الغرب على الاقتصاد العالمي وغيره.
فمعالجة مشكلة التنــمـية في بعض الدول لن تفهم طبيــعتها ولا مظاهر تخلفها ولا وسائل علاجها وتقدمها إلا إذا نظر إليها في إطار تلك الخصائص وغيرها، فيعود سبب انتكاسها أحيانًا إلى الهيمنة الاقتصادية الحاصلة بموجب امتلاك الآلياتية العلمية، وأدوات تكثير الإنتاج، كمًّا ونوعًا، واحتكار أسواق الترويج وصرف أنظار المسلمين عن التنمية الشاملة بإشغالهم بالحروب والسفاسف والمغالطات، وتشجيعهم على الاستهلاك والخمول والوهن وغير ذلك، فليس من سبيلٍ أمام المجتهدين والعلماء، أمام العامة والخاصة، إلا مراعاة خاصيات العلمية بوجوب افتكاك المبادرة العلمية والتكنولوجية، ومراعاة خاصية العملية بتجنب المهاترات النظرية والفلسفية التي ولَّى عهدها مع سقراط وأفلاطون، واقتفاء أثر الإمام مالك : (دعها حتى تقع) ، وكراهيته لكتابة العلم أي الفتاوى، ومراعاة خاصية التخصص والدقة، فقد ولَّى عصر الموسوعات والعباقرة.
إن الاجتهاد في مواجهة ما يتهدد العالم اليوم من احتمال دماره أو دمار جانب منه بموجب الطفرة التكنولوجية الهائلة، وتفاوت موازين القوى، وانعدام التكافؤ العلمي والتكنولوجي والصناعي، إن ذلك الاجتهاد لن يكون إلا في ضوء المقاصد الشرعية المبنية على وحي الله وتعاليم كتابه وسنة نبيه، تلك المقاصد المتمثلة في عمارة الكون واستدامة صلاحه بصلاح الإنسانية في دينها وقيمها، وحياتها وأمنها، وأعراضها وأموالها واقتصادياتها، وكل ما في تحقيقه تحقيق سلامة الكون من المفاسد والمهالك والدمار والفناء .
إن ظاهرة المجاعة وما تحصده من ألوف مؤلفة كل عام ليس راجعًا إلى قلة الموارد والخيرات الطبيعية، وليس راجعًا إلى انعدام التلاؤم بين الانفجار العمراني والإمكانات الطبيعية، إنه راجع بالأساس إلى استخدام سيِّئ للثروات، وتعطيل فرص النماء، باحتكار وسائله، والإصرار على إماتة تلك الشعوب عمدًا وعدوانًا لتحقيق الأغراض التوسعية والاستعمارية والعدوانية، ولتكريس داء الأنانية الفتاكة والجشع المميت، لذلك كان ينبغي أن تتقوى همم الجائعين لاختراع ما تولده ضرورة هلاكهم البين وموتهم المحقق .
فمعلوم أن أرض الله واسعة قد جعلها الله كافية للأحياء فيها والميتين، قال تعالى : (ألم نجعل الأرض كفاتًا * أحياءً وأمواتًا) (المرسلات:25-26). غير أنه أجرى نظام كونه على سنن ثابتة وقوانين معلومة، قال تعالى : (فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً) (فاطر:43).
إن خاصية التخصص توجب علينا وجوب الاجتهاد الجماعي في حوادث العالم ومشكلاته، فقد ولَّى ' عهد الاجتهاد الفردي وانتهى عصر النوابغ والجهابذة، وحتى إذا بقي فعلى صعيد ضيق من حيث بعض النوازل المعتادة والميسرة، والتي لا تحتاج إلى استفراغ غير يسير، وليس على صعيد عالمنا المعاصر الذي تشعبت فيه العلوم والمعارف، وصار التخصص الواحد متفرقًا إلى بضع وسبعين شعبة كعلم الاجتماع.
وإذا كان تحقيق المناط ينبني أولاً على معرفة الموضوع كما هو، فإن معـــرفة الحــــوادث متوقفة على أربابها وأصحاب التخصـــص فيها، فلا يجوز الحكم على قضية معينة في البنوك أو الطب أو القانون أو الفن إلا بما يقوله المتخصصون في ذلك، ثم تتوضح شرعيته بما يقوله خبراء الشريعة وأرباب التخصص الاجتهادي المقاصدي.
إن معرفة الأمراض النفسية والاجتماعية والعقدية، التي يتخبط فيها الكثير من المسلمين، يعين كثيرًا على فهم ترك الامتثال وتنقيصه، ويساعد على تحديد أنجع الوسائل الإصلاحية والتربوية كتقديم الناحية العقدية على الناحية الإلزامية الحكمية، أو البدء بمعالجة الأسباب لمعالجة النتائج والآثار.
فقد يكون واقع الحرمان والخصاصة واللهف وراء القوت سببًا في حصول تلك الأمراض، وقد يكون الخوف أو الطمع سببًا في ذلك، وقد يكون الفهم للأحكام مختلاً أو التطبيق لها منقوصًا، وقد تطغى في بلد العادة والتقليد على الشرع والدين، وقد تطفو البدعة لتصير معتقدًا، ويتبع المصلح فيصبح مقدسًا، ويهان العالِم فيصبح منبوذًا، وغير ذلك من الظواهر والأمور التي تتفاوت فيها الأنظار وتختلف فيها الاعتـــبارات وتتــــباين فيها المــآلات، وليس لها من خروج إلى سبيل إلا بتحقيق مناطاتها ومعالجة ملابساتها وحيثياتها باجتهاد شرعي بنَّاء، ونظر مقاصدي أصيل.
إن معرفة سمات الواقع في كبريات خصائصه وجزئيات نوازله إطار مبدئي مهم وضروري لتنزيل أحكام الله تعالى وبث مغازيها وغاياتها وآثارها، ولنا في سلف أمتنا وخلفها ما يؤكد ذلك ويدعو إليه، وقد مر قبل قليل كيف أن الجيل الأول من الصحابة والتابعين قد فقهوا عصرهم كما فقهوا أحكام دينهم، بل لنا في سنة الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم خير التوجيهات وأعظم الفوائد في هذه الناحية، فليس تأسيـــسه لما عرف بالخطاب المكي العقدي والخطاب المدني التشريعي إلا دليلاً على اعتبار ما قلنا ومراعاة الواقع المكي التي كانت فيه العقلية العامة تحتاج إلى ما يعيد بناء أصولها وصياغة تصوراتها ومعتقداتها، ومراعاة الواقع المدني الذي احتاجت فيه العقلية العامة إلى ما يرشدها في التشريع والتقنين، بعد أن استقرت العقيدة في الأذهان، واستوطن الإيمان وأركانه في النفوس.
ثم إن الخطاب المكي العقدي قد تخلله أحيانًا ما هو من قبيل الخطاب المدني التشريعي وكذلك العكس، وهذا كان لبعض الأفراد وفي بعض الأحوال التي انبنت على مناطاتها ومعتبراتها الشرعية.
الملحق الثاني للموضوع الاجتهاد المقاصدي منقول


المبحث الثالث: أساسيات المكلف
المكلف هو محور عملية الاجتهاد ومدارها، فالنصوص ما جاءت إلا للمكلف، والواقع ما حدث إلا به، والذي يهمنا من المكلف عقله الذي يلائم بين مدلول النص وحوادث الواقع .
وهو يشمل عقل المكلف العادي فيما كلف به من خطاب شرعي، أمرًا ونهيًا، يتعلق بجملة الأوامر والنواهي التي يجب عليه فهمها وفعلها وأخذها من كتب العلم وكلام الفقهاء.
ويشمل كذلك المكلف بالاجتهاد والاستنباط والمأمور ببيان أحكام الشريعة في حوادث عصره ونوازل مجتمعه .. إلا أن الذي يعنينا مباشرة هو العقل الاجتهادي، الذي سيكون أداة التنسيق والربط بين الوحي الثابت والواقع المتغير.
فبيان حقيقة العقل ومكانته ودوره وحدوده في استنباط الأحكام، وفي التنسيق بين الوحي الإلهي والواقع الإنساني، أمر مهم للغاية وشرط لابد منه لقيام ذلك الوحي على ما أراده الله تعالى حقيقة، وما قصده من غايات وحكم ومصالح في الدارين، ولانبناء الواقع المعيش على هدي الوحي وتعاليمه.
وكلما تبينت مكانة العقل ومهامه وعلاقته بالشرع وتطبيقاته، كانت منظومة الأحكام متنزلة على أحسن الوجوه وأعظم الفوائد وأنسب للمراد الشرعي والقواطع الدينية.
وإن الباحث في هذه القضية الشائكة والتي خاض فيها أربابها منذ زمن بعيد، والتي لم يكن لها من أثر علمي سوى القليل اليسير في مقابل ما قدّموه من جهود نظرية وجدلية وفلسفية كادت تعطل المقاصد الشرعية بدرء المصالح وجلب المفاسد، وتورث في الأمة المراء والجدل الكريهين، ثم إن تلك التباينات النظرية والكلامية قد سارت نحو الحسم والتحرير والتحقيق، والواقع المعاصر في حاجة إلى تعليل أحداثه وظواهره، وإلى تحسين أوضاعه وأحواله، وتقبيح فساده ومناكره وكبائره، في المعتقد والسياسة والأخلاق والاقتصاد والإعلام ونظام التعامل جملة.
فالباحث حيال هذه القضية الجدلية ليس بوسعه تقليد الأوائل في إعادة طرحها ومناقشتها، وإنما عليه النظر في أحوال عصره المتغير ومشكلاته العملية الميدانية السريعة التي تريد الحسم الفوري والإنجاز السريع، وليس العكوف مددًا قد تفني العمر في المجادلات التي لا طائل من ورائها .. والأولون قد يعذرون لطبيعة واقعهم الذي فشت فيه المجادلات، واعتبرت آخر ما ظهر في فنون المعرفة والخطاب، ودعت إليها ضرورة التصحيح والتصويب للمعاني العقدية والفكرية وغير ذلك.
والخلاصة، أن العقل والشرع يتكاملان في إقامة دين الله في الكون وتحصيل مقاصده في الدارين، بإصلاح المخلوق في نظمه وأحواله وسياساته ومعاملاته في الدنيا، وبإسعاده وإسكانه بجوار رب العالمين في الجنات العليا.
فالشرع ما نزل إلا ليخاطب عقل المكلف، والعقل ما بلغ رشده وصوابه إلا بتوجيه الوحي وتصويبه، وتحديد دوره وصلاحياته .
فالعقل شرط التكليف وأساس التدين، وطريق البناء الحضاري وإيجاد الوقائع بنسق متزن ومنضبط وهادف، وتنسيق لسنن الكون واستثمارها في خدمة مصالحه وحاجياته ومتطلباته .
وهو الذي يتعامل مع نصوص الوحي وأدلته، ويفهم معانيها ومدلولاتها، ويستنبط مراميها وأسرارها ومقاصدها.
وهو كذلك يباشر الوقائع والحوادث ويفهم حقيقتها وطبيعتها ويستنبط ملابساتها وحيثياتها وظروفها، ثم بعد ذلك يعمل على موازنة الوحي بالوقائع، ويجتهد في مقابلة الواقعة الإنسانية بدليها ونصها من الوحي الكريم.
إن ذلك التنسيق بين الوحي والواقع ليس بالأمر الهين، ولا يقدر عليه إلا مَن رزقه الله عقلاً فياضًا يتمتع بحظوظ وافرة من الفهم والاستنباط، وإجراء التسوية والقياس والإلحاق، والتفريق والمقارنة، والتأصيل والتفريع والتركيب، والتحليل والتمييز، وغير ذلك من عمليات العقل التي لابد منها في عملية الملاءمة بين المدلول النصي والواقعة الإنسانية المستجدة.
إن ما ذكره العلماء والأصوليون من ضروب الاجتهاد ومجالات التأويل ومسالك التعليل وسائر صور النظر العقلي، لدليل ساطع على أهمية العقل في البنية التشريعية ومنظومة الوحي العزيز.
فمباشرة المناط تخريجًا وتنقيحًا وتحقيقًا ليس سوى مباشرة للنص ومدلوله ومعناه، ومعالجة للواقعة في ضوء ذلك النص وتوجيهه.
وكذلك الاجتهاد في المسكوت عنه من قِبَل الشارع غير نسيان، والذي ينبغي أن يعمل فيه بأوجه من النظر العقلي كالتعليل والإلحاق والإدراج والتسوية، وأن يؤول إلى تحقيق المقاصد الشرعية والمصالح الإنسانية التي تستسيغها العقول الراجحة وتتقبلها الفطر السليمة، وأن لا يؤدي إلى المفاسد والمهالك التي تأباها الأعراف الحسنة والطباع السليمة، إن ذلك الاجتهاد بمختلف صوره وأوجهه لحجة بينة وحكمة بالغة على تفويض الشرع للعقل في تقدير المصالح المتغيرة والمتعارضة.
والعقل الذي نتكلم عنه هنا ليس عموم أي عقل، بل هو العقل الإسلامي الذي ينبغي أن يتحرك في دائرة الشرع وضوابطه، وليس في منظومة الهوى والتلذذ والتشهي.
وإذا قلنا العقل الإسلامي، قصدنا به العقل الذي يتخذ من الإسلام منهجًا له في تحركه وفعله واستنتاجه وحكمه، ومعلوم شرعًا وعقلاً ومنطقًا وحسًّا أن الإسلام دين الفطرة السليمة ورسالة الإنسانية في اعتدالها وقيمها وإنسانيتها، فأحكامه وتوجيهاته مستساغة عقلاً، مبرهنة منطقًا، مقبولة طبعًا، مألوفة فطرة، مستحسنة عُرفًا وعادة، وهذا هو الذي عبر عنه قديمًا وحديثًا بتطابق المنقول مع المعقول. وما يظن أنه مخالف لذلك فهو راجع إلى أن الأمر بين الوحي والعقل في المناط والمحل الواحد لم يتحقق على الوجه المطلوب، كأن يرجع إلى الجهل بالعربية والمقاصد، أو يرجع إلى أن الوحي مما يعلو الفهم العقلي، أو أن يكون الوحي قد حمل على ظاهره وهو مما ينبغي أن يؤول لإزالة التناقض المتوهم بينه وبين العقل، أو أن العقل قد أخطأ فيما توصل إليه من نتائج، أو أن ما ظن من آحاد الأدلة وحيًا هو على غير ذلك.
العقل الإسلامي في العصر الحالي:
إننا نقصد بالعقل كما ذكرنا عقل الفرد المكلف، وعقل الخاصة من العلماء والمجتهدين، وعقل الجماعة والأمة المسلمة.
فعقل الفرد المكلف هو أداة فهمه للأحكام والامتثال إليها، وهو مطالب شرعًا بمزاولة أقدار عقلية تتناسب مع إمكاناته واستطاعته، ومحمول على لزوم بذل أكبر ما يمكن من حظوظ الفهم والاستيعاب، والتفكر في الشرع والكون والنفس، بهدف تقوية الإيمان، وتصحيح التعبد والتعامل، وترشيد السلوك، وتهذيب الأخلاق، حتى بلوغ درجات الكمال أو الاقتراب منه.
أما عقل الخاصة والنخبة والصفوة فهو عقل العلماء والمجتهدين والخبراء، الذين توافرت لهم حظوظ من الفــهم والاستيعاب والتمييز لم تتوفر لغيرهم من العامة، وهي تتفاوت رسوخًا وعمقًا بتفاوت صلاح النفس، وعمق التحصيل، وطول الخبرة، وشدة الاستفراغ، وتدريب الملكة على البذل والنظر والتأمل والمراجعة وغير ذلك.
وواجب العلماء اليوم تشكيل عقل جماعي متخصص ينظر للواقع بشمول وإحاطة واستيعاب، ويزن الأمور بميزان الجماعية التي بارك الله فيها من جهة، والتي يتوقف فهم الواقع المعاصر عليها، لما بلغته قضاياه وأحواله من تشعب وتعقيد واختلاط وتداخل في صوابه وخطئه، في حلاله وحرامه من جهة أخرى، هذا فضلاً عما يتوقف فهمه على ذوي الاختصاص والخبرة لطبيعته وماهيته، وفضلاً أيضًا عما شاب العقل الإسلامي من اختلالات واهتزازات في الفهم والتمييز بسبب اختلاط الثقافة الإسلامية بثقافات أخرى، وليس مع ذلك الاختلاط من تحصين ووقاية وعمق في الأصالة والهوية والثقافة وتشبع بالمعرفة الإسلامية في جانبها العقدي والتشريع والأصولي، بل إن قلة ذلك التحصين أو انعدامه أحيانًا راجع إلى نفس سبب ذلك الاختلاط غير المتكافئ، والمقصود به التحامل والتآمر وتشويش العقل الإسلامي، وتشويه الممارسة وتحريفها عن منهج الصواب والصلاح والسداد والرشد.
إن التحديات الفكرية والاقتصادية والحضارية المعاصرة التي تواجه الكيان العام، وتستهدف البناء القيمي التشريعي الإسلامي لن يكون مقدورًا عليها إلا بتشكيل العقل العام والضمير الجماعي المتشبع بالروح العقدية والفكرية الأصيلة، والروح المعنوية والوجدانية العالية، والنفس الإصلاحي التعميري الشامل، والرغبة في الشهادة على العالم، وإحياء الخيرية والرحمة لكافة الناس.
وهذا يؤدي بنا إلى القول بالقصد الآخر للعقل المتصل بعقل الأمة المسلمة، أي العامة من المسلمين وعقل جماهيرهم وفئاتهم وأحزابهم وتياراتهم المذهبية والفكرية والسياسية المختلفة، فالأمة لن تقدر على التحرك بكيانها العام ودورها العالمي في القوامة والخيرية والشهادة على العالمين إلا إذا كان لها عقل جماعي، يدرك هذه الأبعاد العالمية والإنسانية والحضارية، ويميز بين سلبيات الانغلاق على الذات والتعصب للمذهب، أو التفتح المهزوم والتقليد الأعمى، وبين التكتل الأصيل والانفتاح المؤثر.
فطبقة العلمــــاء المجتهدين لا يقـــدرون على توجيه الأمة نحو ما اعتبروه صلاحًا لها واجتهدوا في عده واجبًا أكيدًا في نوازل العصر ومشكلات التنمية الحضارية والتقدم الصناعي والتكنولوجي والإعلامي، إنهم لن يكونوا قادرين على ذلك إلا إذا تهيأت العقول العامة لذلك، وتصححت المفاهيم والتصورات، وانتظمت الأفكار والرؤى وفق منهجية تراعي الأولى والأهم والأصلح والأكثر فائدة، وزالت همومها الفكرية السلبـــية من تعصب لا مبرر له، ومن تقليد لا وجاهة له، ومن تحلل لا مسوغ له.
إن الاجتهاد في النوازل الخاصة والفتــــاوى الفردية، قد لا يجد ما يعيقه من العقليات العامة الموجودة حاليـًا في العالم الإسـلامي، فنرى العامة يستسيغون الكثير من الفتاوى في شؤون التعبد والاعتقاد في الحالات الفردية الجزئية، غير أننا نراهم يعزفون عن استساغة الفتاوى والاجتهادات في النوازل الكبرى للأمة وفي ظواهر ومشكلات المسلمين العامة على نحو وجوب أخذ المبادرة في التنمية والتحصن الثقافي والتزود المعرفي والعلمي، وتأسيس الآلية الإسلامية في الصناعات الثقيلة والخفيفة، وفي الاستصلاح الزراعي والفلاحي، وفي عمارة الأرض وإحيائها، والقيام بمهمة الخلافة الربانية والتكليف الشرعي على أحسن الوجوه وأتمها.
إن سبب ذلك قد يعود إلى ما أصاب العقل المسلم في العصر الحديث من اختلالات وبدع فكرية وفلسفية لم يكن لها سابق وجود لا في عهد السلف ولا في عصر الخلف، والتي حصلت بموجب عوامل ذاتية وموضوعية لعل أهمها غياب الكدح، وقلة اقتحام العقبات، وتفشي ظاهرة الوهن، والإخلاد إلى الأرض، وحب الدنيا وكراهية الموت، وكذلك التحامل المستميت لأعداء الأمة وتلاحق سلسلة تآمرها وكيفيات وأشكال استعمارها، من الاستيطان إلى تغيير العقليات وتشويه الذهنية العربية والإسلامية العامة، حتى تتهيأ للصيغ الفكرية الوافدة والرؤى الأيديولوجية والتيارات الهدامة المتعددة.
فإعادة بناء العقل العربي الإسلامي وتجديد صياغته وفق منهج الإصلاح الإسلامي، يعد من أعظم المهام الاجتهادية المنوطة بدور الخاصة من الأمة، مجتهدين ومصلحين، وقادة ودعاة وخبراء وغيرهم، بل إنه الهدف الأكبر والإطار الأجمع الذي ستؤول إليه كافة الإصلاحات والاجتهادات، العامة والخاصة، الكلية والجزئية.
وليس هذا بدعًا، فهو متوارث نقلاً وعقلاً، فمن جهة النقل نلحظه في الخطاب المكي كما ذكرنا، حيث عمل في تلك الفترة على صياغة العقول، وتزويدها بالعقيدة الإسلامية الصحيحة المخالفة للبدع والهفوات الفكرية الموجودة عصرئذ على نحو الشرك وعبادة الأوثان، والاستقسام بالأزلام، والتطير، والتعصب للقبيلة، والتشفي والثأر، والتنابز بالألقاب، وغير ذلك من النعرات الجاهلية والممارسات الشركية والعرفية والسلوكية، التي خالفت في طبيعتها ومنهجها وكيفيتها طبيعة الاعتقاد السماوي السليم وخاصية التعبد الإسلامي الموزون.
أما من جهة العقل، فهو معلوم ومعقول أن تكليف مَن ليس له عقل أو من لم يتهيأ عقله بعد، سواء بعدم نضجه بتمام البلوغ أو بتمام الاستعداد والاقتناع، هو في حكم تكليف المجانين والبله الذين وإن كان لهم عقل فهو في عالم المادة أو الحس، المتمثل في كتلة المخ المحفوظة في الدماغ، وليس عقلاً يتمثل في ملكة الفهم والاستيعاب والتمييز والتفكي .
إن هذه الصياغة الجديدة للعقل لها مهمتان اثنتان:
_ إعادة التأصيل للعملية العقلية، حتى لا ينظر إلى القواطع والثوابت على أنها مما يعاد فيه النظر تحت ضغط الواقع وتأثير المتغيرات ومواكبة الحضارات والتطورات، فواجب العقل الخاص والعام التحرك في إطار المنظومة الشرعية والأبعاد الدينية والاعتقادية والأخلاقية، وفي اتجاه تقرير حق الخالق في العبودية والألوهية والحاكمية والتصرف.
_ إعادة المعاصرة ، وتأكيد واقعية العقل وتفاعله مع الظنيات الاجتهادية المحكومة بالمقاصد الشرعية المنضبطة، ومناظرته للمستجدات والتطورات، واتسامه بالنزوع نحو العلمية والتخصصية والعملية والتجاوب مع فوائد الحضارة المعاصرة، والأخذ منها بأقدار مصلحية تستجيب للضوابط الشرعية والأخلاقية والحضارية .
ولعل من ضروب ذلك، الاستفادة مما توصلت إليه الحضارة المعاصرة من معارف ومعلومات عقلية يقينية أو قريبة من اليقين، يستعان بها خصوصًا في الترجيح والتغليب، شريطة أن لا تزل بها الأقلام والأقدام، وأن لا تبنى المقاصد فيها على المزاعم والأوهام.
الفصل الثالث : مجالات الاجتهاد المقاصدي
مجالات الاجتهاد المقاصدي هي الميادين التي يمكن أن تستخدم فيها المقاصد، مراعاة لها، واستنادًا إليها في بيان أحكامها الشرعية على وفق تلك المقاصد وعلى ضوئها ومقتضاها.
ومعلوم أن أحكام الشريعة منها ما هو متغير قابل للاجتهاد فيه على وفق المقاصد والمصالح.
ومنها ما هو ثابت بالنصوص والإجماع على مر الأزمان، لا يتغير ولا يعدل بموجب المصالح الإنسانية المتغيرة والمتطورة، وهو مما ثبتت وتأكدت مصالحه المعتبرة بإجرائه على دوامه واستقراره وثباته، ومن قبيل ذلك نجد العبادات والمقدرات والكفارات وأصول الفضائل والقيم والمعاملات وغيرها.
ومعنى أن الاجتـــهاد المقاصدي لا يشمـــلها ولا ينطـــبق عليها، لا يفيد عدم قابليتها للمعقولية والتعلــيلية، وكونها من الأمور التي لا تفهم مصالحها ومقاصدها وغير ذلك، وإنما يعني ذلك أنه لا يجوز تغييرها في وقت من الأوقات تحت موجب المصلحة أو مقتضى مقصد معين حتم ذلك التغيير.
بل كل مجالات الشريعة يمكن فهم مصالحها وحكمها ومشروعيتها، بناء على قاعدة كون الشريعة قد انطوت على ما فيه مصالح الناس في العاجل والآجل، وأنها جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الرذائل إلى الفضائل، ومن فساد الأوضاع إلى صلاح الأحكام.
فالمجال الذي لا يقبل إعمال النظر المقاصدي بغرض تغييره أو تعديله، لا يعني كونه مبهمًا وغير واضح في مشروعيته وحكمته، بل إنه معلل إما على الجملة وإما على التفصيل، وأن ذلك التعليل تتفاوت أحجامه وأقداره بحسب الحال والمقام، فالأمر التعبدي في الحج يلاحظ فيه التعليل والتقصيد أكثر من الأمر التعبدي في التيمم، فالحج مصالحه بارزة وظاهرة على الجملة، والتيمم عبادة رمزية اعتبارية ترابية تقتصر علته جملةً على أداء الامتثال والخضوع واستباحة الصلاة وتنزيه المعبود، وفي الحج نفسه تتفاوت درجات المعقولية والتعليل بين أعماله ومناسكه كما هو الحال في الهَدْي والحَلْق، إذ الأول قد لوحظ فيه التعليل بالتوسعة على الفقراء والتعويد على البذل والعطاء في زمن الشدة والحاجة، وشكر الله على ما أمد به ضيوفه من معاني الوحدة والتضامن، ومن خصال نعمة الصحة والسلامة وأداء الفريضة على خير حال.
أما الحَلْق ولئن لوحظت فيه بعض التعليلات على نحو اقتفاء أثر الأولين وتأكيد مظاهر الوحدة، وتحقيق الامتثال الأكمل وغيره ... فإنه غير واصل إلى شعيرة الهدي وغيرها من حيث المعقولية وبيان الحكمة والمقصد، وتجلية الأسرار والمشروعية . وهكذا الحال في سائر التكاليف والأوامر التي أراد الله عز ثناؤه أن ينيطها بما شاء من الحِكم والأسرار والغايات، وأن يتفضل على عباده ببيان بعض تلك المناطات، وأن يستأثر ببعضها حكمة منه وتقديرًا، و الأمر من قبل ومن بعد.
فما هي إذن المجالات التي لا يمكن أن نستخدم فيها الاجتهاد المقاصدي والنظر المصلحي، أي المجالات التي لا تتحدد أحكامها بموجب المصالح التي يراها الخلق، وليس المصالح التي تتضمنها تلك الحالات ابتداء من عند الشارع نفسه، والتي ينبغي على المجتهدين فهمها واستيعابها لمعرفة تلك المجالات وتتبع أحكامها؟
إذ المجالات القطعية لا تخلو من مصالحها المبثوثة فيها والتي يتعين فهمها واستيعابها .. وفهم تلك المصالح قد يطلق عليه معنى النظر المصلحي أو التفسير المصلحي، وهذا جائز مشروع .. أما الذي لا يجوز فهو تغيير تلك المجالات أو بعضها تحت غطاء المصلحة المتوصل إليها وتحت عنوان التفسير المصلحي والنظر المقاصدي . فالنظر المصلحي سلاح ذو حدين، فإذا قصد به فهم الحكم القطعي وفهم مقصده معه فهذا معلوم الجواز والتعين واللزوم، أما إذا قصد به تقديم المصالح على القواطع والثوابت فهو معلوم الترك والبطلان والفساد، ولا مشاحة في الاصطلاح.
الثوابت والمتغيرات في الشريعة:
إن علماء الشريعة ومجتهديها توصلوا باستقراء الأدلة والأحكام والقرائن والأمارات الشرعية إلى تقرير صفتين اثنتين للشريعة وأحكامها وتعاليمها، صفة الثبات والقطع، وصفة التغير والظن.
وأطلقوا صفة الثبات والقطع على طائفة من الأحكام التي اعتبروها من المسلمات والمقررات الدائمة والثابتة على مر الأيام والعصور وفي كل ملة وأمة، والتي لا يمكن البتة تعديلها وتنقيحها بموجب المصلحة الإنسانيــــة مهما ادعي كون تلك المصــلحة بلغت ما بلغت من درجات اليقين والقطع والظهور والأهمية والحاجة.
كما أطلقوا صفة التغير والظن والاحتمال على غير تلك الأحكام التي اتسمت بمراعاة البيئات والظروف ومسايرة أعراف الناس وعاداتهم وحاجياتهم .
فما هي إذن القطعيات المقررة التي لا يمكن بأي حال من الأحوال تغييرها أو تنقيحها بموجب النظر المقاصدي والمصلحي؟
المبحث الأول: القطعيات التي لا تقبل الاجتهاد المقاصدي
العقيدة:
هي جملة القضايا والتصورات التي يجب على الإنسان أن يؤمن بها على سبيل القطع واليقين والتسليم الكامل للخالق المعبود، ومثالها: الإيمان با تعالى وبجميع صفاته وأسمائه وأفعاله، والتصديق بجميع الرسل والأنبياء وكتبهم ورسالاتهم، والإقرار بوجود الحياة بعد الموت، وحصول الجزاء ثوابًا وعقابًا، والإقامة الدائمة والسعادة الأبدية بجوار الرحمان رب العالمين ... وغير ذلك من مسلمات العقيدة الإسلامية وأركانها المبسوطة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة .
فهذه المسلمات قطعية وثابتة بمرور الأعصار وتقلب الأمصار، ولن يقوم أمر الإنسانية وأمنها وفلاحها في الدارين إلا إذا كانت تلك المسلمات والتصورات مركوزة في الأذهان، مشفوعة بالأعمال الصالحة، متبوعة بنظم وعلاقات متزنة ومتماسكة ومفيدة في شتى نواحي الحياة وأحوالها وتصاريفها، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والأسرة والتعليم وغيره.
ومن هنا فإنه لا مسوغ لبروز بعض الاختلالات الاعتقادية على مسيرة الحياة الإنسانية تحت غطاء التطور، وسنة الحياة، وضغط الواقع، ومسايرة التحضر، وذلك على نحو ما يرد من حين لآخر في تصورات الناس ومعتقداتهم وأفكارهم، مثل ادعاء النبوة، والتثليث، واتخاذ الأصنام الحسية أو المعنوية، واتخاذ الأضرحة وتقديس ساكنيها، اعتقادًا في نفعهم وضررهم وطول سلطانهم على الناس، ووضع التمائم في الصدور والأعناق، والمعلقات في البيـــوت والجدران، اعتقادًا في ما وضعت له تلك التمائم والمعلقات.
إن كل ذلك وغيره باطل ومردود، وفساده بيّن وجلي، ومآله خسران صاحبه في العاجل والآجل واستحقاقه عذاب الله الأليم والخلود الأبدي في الجحيم .
العبادات:
وهي جملة النيات والأقوال والأعمال التي تنظم علاقة المعبود بالعابد، على نحو الطهارة والتيمم والصلاة والصوم والحج والزكاة والذكر والتنفل والتهجد والاستغفار والاستسقاء والكفن والدفن، وما يتعلق بكل ذلك من شروط وآداب وكيفيات مبينة في مواطنها .
وهذه العبادات لا يجوز تبديلها وتغييرها أو تعديلها وتنقيحها زيادة أو تنقيصًا بدعوى الاستصلاح المرسل وزيادة الأجر، وتحسين الأداء، ومسايرة التطور، ورفع الحرج، ودفع المشقة، وتقرير التيسير .
والأصل فيها التعبد كما أراد المعبود، والامتثال كما أمر الشارع، إذ لا يعبد الشارع إلا بما شرع.
وقد يطرأ على المسيرة الإنسانية ما يعطل هذا المبدأ العظيم تحت أنواع من العناوين والشعارات والتعبيرات، منها : مراعاة التطور وتحرير طاقة الإنسان، والتخلص من القيود والمكبلات والحواجز، وتقرير الاجتهاد والتعليل والتفكر، والعبرة بالمقصد والغاية وليس بالوسيلة والكيفية، وغير ذلك مما يروجه بعض من لم يفهموا أن التعبد الشرعي الصحيح قائم على الثبات والقطع واليقين والدوام، وأن مصالحه المعتبرة لن يكون لها وجود إلا بتلك الصفات، وأن أي تغيير أو تنقيح لها يبطل فوائدها، ويضيع مصالحها، ويوقع الناس في هرج الفوضى العبادية والاضطراب الديني، ويحرمهم من خيرات التعبد المنضبط والثابت.
ومن أمثلة ما يطرأ من وقت لآخر : شواهد الابتداع والتزيد في العبادة، والدعوة إلى التحلل من بعض العبادات التي لم تعقل معانيها، أو التي لم تعد صالحة في هذا العصر، أو التي تلحق الضرر بالناس مثل ترك الإحرام في الطائرة، لأنه قد يؤدي إلى خلل في الطائرة بسبب الازدحام في دورات المياه، وترك شرب زمزم لأنه يورث الحجارة في الكلى، وتغيير مكان الحج وزمانه، وتعطيل الرؤية لثبوت الشهر والاكتفاء بالحساب، وترك الصلوات في الجماعة في الحرمين وفي غيرهما من المساجد لتجنب الازدحام وإذاية المسلمين - والضرر يزال؟؟؟ - وحرارة الطقس، وضربات الشمس، واحتمال العدوى، وادخار الطاقة لأركان الحج وواجباته التي هي أعظم من المستحبات والسنن كالجماعة والتنفل!
المقدرات:
وهي جملة الأمــــور التي بينها الشـــارع بيانًا محـددًا ومضبوطًا لا يقبل الاحتمال والتأويل، ومثالها مسائل الميراث والعدة والحدود والكفارات الموضوعة لمعالجة الأخطاء والجنايات.
وهي متسمة بالثبات والقطعية والتقدير المحكم، الذي لا يتبدل بتبدل الزمان والمكان والحال، وبتغير المصلحة والعرف والعادة والظرف.
وما قيل في المظاهر المقاصدية لهذه المقدرات ونواحيها المصلحية، إنما هو في فهم مصالحها المنوطة بها، وليس في تغييرها بحسب المصلحة وبما دعت إليه الضرورة، وكذلك ما قيل في أن السلف والمجتهدين يعطلون أحيانًا أمرًا مقدرًا كما فعل عمر في إسقاط سهم المؤلفة قلوبهم، وإسقاط الحد عام المجاعة، وقتل الجماعة بالواحد، وغير ذلك من الأمثلة التي قضى فيها عمر وغيره من أعلام الاجتهاد سلفًا وخلفًا، والتي ظن أو توهم أنها خضعت لعملية الاستصلاح والتعليل، وتغيرت أحكامها على وفق ذلك، إن كل تلك الأمثلة المقدرة لم تعطل بسبب النظر المصلحي، أو أن العقل توصل إلى تغيير ذلك، بل لم يقع تطبيقها لأنها بعد النظر والتحقيق تبين أن مناطاتها وشروطها لم تتوفر بعد، وأن مصالحها المعتبرة المنوطة بها ليس لها وجود لو طبقت على ذلك الوضع، فهي في الحقيقة معللة بالمصالح المشروعة المعتبرة وجودًا وعدمًا، وليس بتوهم المصالح الخيالية كما يدعي أصحاب هذا الرأي.
أصول المعاملات:
وهي مبادئ التعامل الكبرى وقواعد الأخلاق العامة، على نحو : قيم العدل والشورى والأمانة، والأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، والوفاء بالوعد والصلح، وأخذ الحكمة، وتبجيل الكبير، ومساعدة الصغير وذي الحاجة والفاقة، وتفريج الكرب والنوائب عن المعسرين والغارمين والمصابين، وإكرام الضيف، وغير ذلك من الفضائل المقررة في كل أمة وملة، والجارية على وفق العقول الراجحة والطباع السليمة، والتي لاينبغي أن تعطل أو تغيب عن واقع الناس مهما كانت الادعاءات والإغراءات، ولا يمكن استخدام الاجتهاد المقاصدي إلا في معظم تفاصيلها وكيفياتها كما سنبين ذلك قريبًا .
عموم القواطع:
وهي جملة ما يعد قطعيًا في منظور الشرع، إما بالتنصيص عليه، أو الإجماع عليه، أو ما علم من الدين بالضرورة أو غير ذلك مما لا يقبل التغيير والتعديل بموجب النظر المصلحي والعمل الاجتهادي مهما علت درجات ذلك الاجتهاد والاستصلاح وبلغت ما بلغت من القطع والوضوح والظهور والمشروعية، ومن قبيل ذلك قطعية المتواتر والإجماع، وكيفيات بعض المعاملات وغير ذلك .
المبحث الثاني: الظنيات التي تقبل الاجتهاد المقاصدي
وهي المجالات التي تتغير مسائلها وفروعها بتغير الأزمان والأحوال مراعاة من الشارع، لتحقيق المصالح الإنسانية والحاجيات الحياتية المختلفة وفق الضوابط الشرعية المعلومة، وليس تقرير طابعها الظني الاحتمالي إلا لكونه ينطوي على عدة معان ومدلولات تتعين وتترجح وفق الاجتهاد المقاصدي، وتقدير المصالح وشروط التأويل وغير ذلك، وتلك المجالات هي على النحو التالي:
الوسائل الخادمة للعقيدة:
ونعني بذلك مجموع الطرائق والكيفيات الدعوية والخطابية والتعليمية والجدلية التي تستخدم في بيان العقيدة الإسلامية، وترسيخ مبادئها وأركانها ومسائلها في نفوس الناس وعقول الجماهير، وغرسها في عقول الخاصة والعامة، وبث آثارها ونتائجها في أحوال الحياة ومناحي الوجود وميادين الحياة عامة.
فالعقيدة الإسلامية أمر قطعي مسلم به، أما وسائل وطرائق بيانها وتجذيرها فمتغير بحسب تغير الزمان وأهله وعلومه وأحواله وأساليبه، فهي تتراوح بين الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والقول البليغ، والحجة الدامغة، والجدل البناء، والحوار الأدبي، والمناظرة الفكرية والفلسفة المنطقية، واستعمال العلوم المعاصرة والتكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصــال، والمكتشــفات الطبية والكونية والإنسانية، وكل ما توصلت إليه الحضارة الحالية من نتائج علمية وتجارب ميدانية قد تخدم قضية العقيدة الإسلامية، وتقوي بنيانها، وتجذر مسائلها، وتعمّق الارتباط بها والاعتماد عليها .
والحياة المعاصرة اليوم هي في أشد الحاجة إلى أن يقوم أهل العلم في مختلف فنونه وفروعه بدورهم البناء في إعادة بناء العقيدة في نفوس الناس، بتطوير ما يوصل إليها من طرائق وسبل تجمع بين الموروث النقلي والمحصول العصري، وباستثمار المستجدات العلمية من وسائل سمعية وبصرية وفنية وإعلامية، وهذا ما يحتمه الاجتهاد المعاصر، ويؤكده النظر المصلحي الواقعي، مع وجوب المحافظة على جوهر تلك العقيدة والإبقاء عليها صافية ونقية وسليمة من التحريف والتشويش كما نقلت عن صاحب الشرع العزيز، وكما رويت عن النبي المعصوم صلى الله عليه و سلم.
إنه لا يعد من المبالغة القول بأن الألوف المألفة في العصر الحاضر قد عزفت عن القراءة والمطالعة، وانشغلت بما صرفها عن ذلك من جهاد في الرزق ومتابعة للمواسم والمهرجانات الثقافية والفنية والرياضية، واستقبال الشاشات التلفزية والحاسوبية والإلكترونية وغير ذلك، ثم إن أولئك الألوف لم يكن بينهم وبين العقيدة سوى بعض الخيوط البسيطة والروابط الضعيفة التي لا يمكن أن تقوى على مواجهة ما يتحدى عقيدتهم ويتهددها،هذا إن لم نقل إن ألوفًا آخرين في حالهم مع العقيدة كحال الميت مع الحركة والوعي والتعبير، إذ هم في واد والعقيدة في واد، ولا يكادون يسمعون شيئًا عما يذكر بالاعتقاد الصحيح ويجدده ويقويه.
إن العلماء والمصلحين أمام هذه الحالة التعيسة في عصر الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية ليس لهم من بد سوى توظيف تلك الثورة لإعادة المسلم إلى سالف عقيدته الصحيحة، ولدعوة غير المسلم إلى تلك العقيدة وإلى إعلان خضوعه تعالى، والائتمار بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه.
أليس من المصلحة القطعية والضرورية والكلية أن تربط العقيدة بأجهزة الإنترنت والفضائيات، وأن تسجل في سجلات الأجهزة المعلوماتية المختلفة بطرق مرغبة وأساليب ميسرة ووسائل معاصرة تكون مساوية أو أفضل من البرامج المختلفة التي استخدم فيها أصحابها أنفس الأساليب وأقوم المسالك بكيفية جعلت جمهور المتابعين يقدسونها ويسبحون بحمدها ويضحون بكل ما عندهم في سبيل تحصيلها ومشاهدها وترديدها والتأثر بها؟
أليس من الضرر القطعي والمفاسد الكلية والخراب المدمر أن تسخر المكتشفات الإعلامية والاتصالية لهتك القيم والفضائل، ودرس النظم والمحاسن، وتشويش العقل بما لا يحفظه، وإشغال النفس بما لا يصونها من سلامة المآل في العاجل والآجل، وتلهية الجماهير الكثيرة عن مستقبلها المنشود وحضارتها المضيئة، وإنهاكها بالإثارة والإغراء والاستخفاف والاحتقار والدعايات والمغالطات والتحريفات والمزايدات والإهانات والاستفزازات؟
أليــس من الواجــب إذن كما قال الشـاطبي أن تسخّر هذه المكتشــفات في خدمة العقيدة الإسلامية بمعناها الشامل، لأنها إن لم تُسخَّر في ذلك فستُسخر لخدمة ما يفسد العقيدة ويغيبها عن نفوس الناس وظواهر الحياة؟ وهذا هو الذي قصدناه بوجوب البحث عن أنجع الوسائل وأحسن الطرائق لتحقيق القاعدة النظرية الاعتقادية التي ستكون منطلقًا نحو البناء الحضاري الإسلامي المأمول.
وأمتنا أحوج ما تكون اليوم إلى مَن يجدد إيمانها، ويجدد فضائلها، ويجدد معالم شخصيتها، ويعمل على إنشاء جيل مسلم يقوم في عالم اليوم بما قام به جيل الصحابة من قبل.
الوسائل الخادمة للعبادات:
ونقصد بها مجموع الطرائق والسبل والكيفيات التي تساعد على قيام العبادات، والمحافظة عليها، وضمان وقوعها وتعاظمها وتكاثرها بشدة الإقبـال عليها، والإكثار منها، والارتبــــاط بها، وذلك بتوفير ما يكون شرعيًا مقبولاً، وميسرًا لأدائها والقيام بها.
وأمثلة ذلك كثيرة منها : استعمال مضخمات الصوت في الآذان والصلوات والجمعات والأعياد، وترحيل الحجاج وتنظيمهم، واتخاذ طوابق الطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرات، وتفويض جهات معينة لتتولى ذبح الهدي والإفادة به، كل ذلك يفعل لتجنب الازدحام والاختلاط والضرر والهلاك والتلوث والعدوى وغير ذلك، وبناء الحمامات ودورات المياه، وبعث الإنارة، والتكييف المناخي، ووضع المتكآت في المساجد والجوامع والمصليات، ونقر الدفوف، وضرب الطبول، وإعلان الصيحات عند رؤية الهلال وإثبات الشهر والصوم والعيد، تعميمًا لفرحة عبادية كبرى، وإشاعةً لعظمة المقدسات وحرمتها، وترسيخًا لمعاني المظاهر التعبدية والدينية في نفوس الناشئة وأذهان العامة، وتحبيبهم في الارتباط بعبادة الخالق وطاعته ومحبته.
لقد ثبتت هذه الكيفيات والوسائل لتخدم العبادة، وتيسر أداءها، وتحقق ضمانها وكثرة الإقبال عليها وشدة التعلق بها، وهي مما استخدم فيها الاجتهاد المقاصدي الأصيل، وعمل فيها بالمصلحة الشرعية المعتبرة، إذ أن تلك الوسائل في حكم مقاصدها من حيث الوجوب والأهمية، وهي لا ينبغي أن تقدح في مشروعية العبادة ولا في جوهرها وحقيقتها.
أما إذا وجد غير ذلك فهو مردود باطل وليس له وجاهة مهما كانت المصلحة التي علل بها، كمن اقترح تغيير صلاة الجمعة إلى يوم الأحد في الدول الغربية لضمان العدد الأكبر من المصلين، ولعدم حرمان المسلمين من الصلاة والاستفادة منها في بلاد الكفر، وكمن اقترح أن تصلى الصلوات على الكراسي بدلاً من القيام، لتحقيق الأداء الأحسن والخشوع الأفضل، وترك الإحرام من الميقات وفعله في جدة، قصد التيسير والتخفيف، ونفي الضرر المحتمل من التوارد على حمامات الطائرة، واحتمال تسرب المياه إلى أسلاكها وأجهزتها، وغير ذلك .. فالعبادة لا تفعل إلا كما أمر الشارع، والعابد لا يعرف حال تعبده إلا بفعل ما أمره به المعبود على الوجه المحدد، ولذلك قيل عن (التعبدي) إنه غير معلل ولا يُعقل معناه، أي أنه لايقبل التأويل والتوظيف بحسب الأنظار والآراء والشهوات والأمزجة، فلا يُعبد الشارع إلا بما شرع.
تنبيه هام: الوسائل الموضوعة شرعًا لا تقبل الاجتهاد المقاصدي:
الجدير بالذكر والتنبيه أن المقصود بالوسائل الخادمة للعبادة ليس هو جملة الوسائل الفقهية المصطلح عليها بشروط الصحة والتكليف وسائر ما وضعه الشارع من أمارات وعلامــات وأمـور لا تصــح العبـادة إلا بها مثل الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة والقيام والركوع والتشهد واستلام الحجر وشرب زمزم والتجرد وغير ذلك مما لا يقبل التغيير ولا التعديل مهما بلغت الإنسانية من أطوار التحضر والتحرر، ومهما جودل بالمصلحة التي يراد تغيير العبادة أو شروطها بها .
كيفيات بعض المعاملات:
ذكرنا سابقًا أن أصول التعامل مضبوطة ومحددة ولا تقبل التغيير بموجب المصلحة والمنفعة، أما كيفيات تلك الأصول وتفاصيلها على سبيل الإجمال فهي محل نظر واجتهاد واستصلاح وتعليل في ضوء المبادئ والمقاصد الشرعية، ودون أن تعود على أصولها بالإبطال والإلغاء .
ومثال ذلك : تفاصيل تطبيق الشورى والعدل وكيفيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ففي مثال الشورى يجوز النظر في مدة التعيين وطرقه، وشروط المشاركة والترشح، وأسباب العزل، وتوزيع الناخبين، وطرق الفرز، وعلاقة المجالس الشورية أو النيابية بغيرها من مؤسسات الدولة وأجهزتها . وفي مثال العدل تتحدد في ضوء المقاصد والمصالح تفاصيل التقاضي والمرافعات والاستئناف والتعقيب والتنفيذ . وفيما يتعلق بالنظم الإدارية فإنه يقع وفق مصالح الدولة ورعاياها ضبط إجراءات العمل والتقاعد والمعاش والترسيم والتفقد والمرافقة والتربص والتأديب والعزل وغيره.
التصرفات السياسية:
وهي جملة التصرفات التي أوكلها الشارع إلى أولي الأمر من الساسة والحكام والعلماء كي يحددونها على وفق المصالح الشرعية، وذلك على نحو : إعداد خطط التنمية وسياسات التعليم والإعلام، وتنظيم الهياكل والنظم الإدارية والمالية والقضائية، وضمان الأمن، وزجر البغاة، وصد المعتدين، وتقوية الجيوش، وإنشاء الحروب، وإبرام المصالحات والمعاهدات والاتفاقيات، وغير ذلك مما يراه أهل السياسة الحكماء بمصالح الدولة، والخبراء بقواعد الشريعة ومقاصدها المقررة.
ويتفرع عن ذلك تقييد بعض المباحات، والحد من الحريات العامة والخاصة، واتخاذ التعازير والإلزامات المالية الإضافية، وغيرها مما تتعين ضرورته حسب ضوابط الدين، وشروط الاجتهاد، وقواعد الاستصلاح المقرر، وليس لمجرد الهوى والتشهي، أو بسبب الفساد المالي والسياسي، واستئثار طبقة الحكام والخاصة بمالية الأمة على حساب العامة من الرعايا والمواطنين .
النوازل الاضطرارية:
وهي جملة الحوادث التي يضطر إليها المسلمون، فرادى أو جماعات، وليس لهم من سبيل سوى الأخذ بالمحظور بقدره، وإلا وقعوا في الهلاك البين والمشقة غير المعتادة، ومثالها : سائر أحكام الرخص والضروريات، كأكل الميتة للمصاب بالجوع الشديد المفضي به إلى الوفاة أو الإشراف عليه، وشرب الخمر لمن أصيب بغصة مميتة له، وجواز أخذ مال الغير خشية الهلاك المحقق، وما أشبه ذلك من الحوادث والنوازل التي يعمل فيها بترجيح مصلحة المضطر على ملازمة الحظر والمنع، كل ذلك يعمل فيه بشروط الضرورة القصوى والاكتفاء بالقدر الذي يزيلها دون بغي وتماد.
ومما ينبغي التأكيد عليه أن الضرورة المبيحة للمحظور وفي الحالات الفردية أو الجماعية، ينبغي أن يتحقق منها فعلاً ويتأكد مناطها ومتعلقاتها على سبيل القطع أو الظن الغالب وليس على مجرد الشك والوهم، وادعاء ما ليس فيه حجة ووجاهة.
المسائل المتعارضة:
وهي المسائل التي تتعارض فيما بينها ولا يمكن الجمع بينها، فإنه يمكن الترجيح بينها باعتماد مصلحة مرجحة أو مقصد أقوى في درجة الاعتبار والمناسبة، ومن قبيل ذلك الأحكام الاستحسانية التي عدل فيها عن القياس وإلحاقها بنظائرها، لأنها لو استعمل فيها القياس لوصلت إلى نتائج تأباها الشريعة الإسلامية، وأحكام الرخص الفقهية كما مر قبل قليل، وكذلك سائر ما تتعارض فيه المصالح ويكون قابلاً للترجيح بحسب النظر المقاصدي والتقدير المصلحي المشروع .
عموم الظنيات:
وهي المسائل التي لا نص ولا إجماع على أحكامها، والتي تسمى منطقة الفراغ أو منطقة العفو، والتي يحكم فيها بموجب النظر المصلحي والمقاصد الشرعية عن طريق القياس الفرعي والكلي والاستحسان والعرف واعتبار المآل، وهي شاملة لكل ما يقابل القطعي اليقيني مما ذكرناه سابقًا، ومما يمكن أن يطرأ على مسيرة الحياة الإنسانية فيكون خاضعًا للاجتهاد المقاصدي، وهذا يدل على الرفق الإلهي بالناس، وذلك باعتبار أن الإباحة أوسع ميدان لجولان حرية العمل، كما يدل على مرونة الشريعة وقابليتها للتأبيد والدوام والخلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
المبحث الثالث: خطورة الإفراط في الاجتهاد المقاصدي
ذكرنا في ثنايا هذا البحث أن اعتبار المقصد الشرعي في عملية الاستنباط أمر مهم للغاية، بل هو من الضروري الذي لا ينبغي الاستغناء عنه، إذ الحكم الذي لا يلتفت إلى مقصده وغايته وعلته يظل جسمًا بلا روح، وهيكلاً خاليًا من جوهره وكنهه وحقيقته.
غير أن التأكيد على هذا لا يعني المبالغة في استخدام المقاصد في الاجتهاد، ولا يفيد الإفراط بلا موجب، ولا الإقبال المتهور للعمل بالمصالح على حساب النصوص والضوابط والشروط الشرعية المقررة، وإنما يفيد كما هو معلوم التوسط والاعتدال، والأخذ بالعمل المقاصدي بمقداره وحدوده دون إفراط أو تفريط، ومن غير الوقوع في ما وقع فيه غلاة الظاهرية والحرفية الذين أهدروا الأقيسة والتعليل، وألغوا من دائرة الاجتهاد مصالح الخلق ومراعاة الأعراف والتطور واختلاف البيئات والأزمان والظروف، وما يتعلق بالوقائع والنصوص من حيثيات وقرائن وأمارات وملابسات، وغير ذلك مما يتوقف عليه الاجتهاد الشرعي الصحيح.
وقد وردت على مسيرة الفكر الإسلامي وتاريخ الفقه والاجتهاد حالات من الشذوذ عن منهج التوسط المقاصدي والاعتدال المصلحي، ومظاهر من الإفراط في التعويل على المصالح والمبالغة في الاعتداد بها وبناء الأحكام عليها، إلى درجة الوثوق بها والاعتقاد فيها ولو أدى الأمر إلى مخالفة الوحي وتعطيل أحكامه وتوجيهاته، واعتباره تابعًا ومحكومًا وليس متبوعًا وحاكمًا.
وقد تمثلت تلك الحالات والمظاهر في عديد المناسبات والعينات، تراوحت بين الأقوال والأمثلة والاجتهادات التي بين فيها أصحابها المبالغة في التعويل على المصالح وتفضيلها على النصوص والأدلة، وبين التنظير والتأسيس والتقنين لذلك حتى يصبح بمثابة الأصل المقطوع به والمصدر الثابت المعتمد عليه.
كما كانت تتراوح بين حسن القصد وسلامته وبين تبييت النية وسبق الإصرار بغرض التحامل والتعسف والتعطيل.
حماس للمقاصد في غير محله:
هناك من تحمس للمصالح دون أن تكون له نية تعطيل النصوص أو ضرب قدسية الوحي أو تشريع الأحكام بمجرد الهوى والتشهي، وإنما فعل ذلك لمبررات رأى أنها مناسبة ومعقولة، كمن فعل ذلك ردًّا على غلاة الظاهرية المعطلين لمعقولية الشريعة ومرونتها وحيويتها وصلاحها، أو من فعل ذلك تأسيًا بالسلف والخلف في النظر المصلحي، لكنه وقع في غير ما أراده السلف والخلف بإهمال بعض القيود والضوابط، أو بالوقوع في خطأ الفهم والاستنتاج، وفي خطأ المقابلة والإلحاق والإدراج، أو من فعل ذلك استجابة لواجب الاجتهاد الفقهي والنظر المقاصدي، لكنه وقع في الخطأ بسبب العجلة والتسرع، أو بسبب الرغبة في تحصيل هدف نبيل وشريف كالغيرة على الشريعة والذب عنها في مواطن احتاج فيها إلى إبراز معقوليتها وصلاحيتها، فيروح يؤكد على المصالح والمقاصد وعلى أن الشريعة واقعية وإنسانية ومسايرة للواقع والبيئات والظروف، وعلى أن المصلحة أينمــا وجدت فثمــة شرع الله ، وغير ذلك مما قد يوصل إلى القول بتفضيل المصالح على الشرع .
فهذا الذي تحمّس للمصلحة لما رآه من مبررات ودواع، قد أدى به الأمر إلى الوقوع في الغلو المصلحي، إما بسبب النقل والرواية عنه، وإما بسبب توظيف منقولاته وآرائه، وهو في هذه الحالة ينبغي عليه التأكد والحذر والحيطة والتروي حتى لا يقع أو يوقع في المحظور بقصد أو بغير قصد، فسلامة النية وحدها غير كافية بل يجب معها النظر في المآلات والنتائج .
وهناك من تحمّس للمصالح، اعتقادًا فيها، وتسليمًا بقدسيتها وحرمتها، وهيمنتها على نصوص الوحي وتعاليمه، فراح يقنع الناس بذلك مستدلاً بكل واردة وشاردة وكل منقول ومعقول، جامعًا في أسلوبه بين التعسف والتطويع والتحامل والتهميش والتشويش .
الباب الثالث
الاجتهاد المقاصدي في العصر الحالي
الفصل الأول
المشكلات المعاصرة في ضوء الاجتهاد المقاصدي
نبين في هذا الفصل عرضًا مختصرًا لطائفة مهمة من المشكلات والوقائع التي طرأت على مسيرة الحياة الإنسانية ومجال الاجتهاد الفقهي، والتي لم يكن لها سابق تنصيص أو إجماع على أحكامها، وقد تصدى لها العلماء والمجتهدون بإبداء آرائهم ومواقفهم وفتاواهم، سواء على صعيد جماعي ومنظم، على غرار ما هو واقع في المجامع والمؤسسات والهيئات والجامعات الشرعية، أو على صعيد الكتاب والفقهاء والعلماء والخبراء فيما يبدونه من بيانات ومجادلات وتعليقات تسهم في نهاية الأمر في تكوين رأي شرعي، وتحديد حكم فقهي يكون صوابًا أو قريبًا من الصواب، ومن المراد الإلهي والمقصود الشرعي.
وعلى الرغم من أن المقاصد الشرعية كانت الإطار العام والمسلك الشمولي لبيان أحكام تلك المشكلات والنوازل، إلا أنها لم تكن لتبرر القول باستقلالها عن النصوص والأدلة الشرعية، أو لجعلها مصدرًا يضاهي الوحي الكريم والإجماع المبارك، وكل ما في الأمر أن المقاصد التي تحددت في ضوئها أحكام تلك المشكلات، إنما هي معان ومدلولات شرعية مستخلصة من الأدلة والنصوص والقرائن الشرعية الدينية، ومندرجة ضمن الضوابط والقواعد والقواطع الإسلامية المعلومة، فكأن معالجة تلك المشكلات قد تمت بما أوصل إلى تقرير تلك المقاصد من نصوص وأدلة وقرائن .. ولكن وبموجب تناهي النصوص ومحدوديتها في مقابل ضخامة الأقضية والحوادث، تأكد الاجتهاد فيما يستجد على وفق المقاصد وفي ضوء النصوص والأدلة.
ومما يجدر التذكير به أن عرض هذه المشكلات والوقائع ليس بالأمر الجديد، إذ ليس فيه من الإضافة سوى الترتيب والتبسيط والتوضيح، وإبراز الناحية المقاصدية والجانب المصلحي لها تمشيًا مع طبيعة هذا البحث ومتطلباته، وقد كان لمن تصدى لهذه المشكلات - أفرادًا أو مؤسسات - فضل البحث والدراسة والتكييف الفقهي ومناقشة الأقوال والأدلة والترجيح بينها، واستخلاص ما ينبغي استخلاصه من أحكام ومواقف شرعية فقهية.
وقد التزمت بطابع الاختصار والتنوع والأمانة، فأبرزت المشكلة بإيجاز وأوردت حكمها وذكرت الخلاف حيالها غالبًا، وركزت على إبراز ما تضمنته من مصالح ومنافع جلبًا وتحصيلاً، ومفاسد وأضرار درءًا وإبعادًا.
وتلك المشكلات وغيرها مبسوطة في مظانها من الكتب المعاصرة والدراسات الجامعية والبحوث والقرارات المجمعية، وهي مفيدة جدًا ومهمة في بيان طبائعها وجوهرها ومتعلقاتها الفقهية والمقاصدية والواقعية، وغير ذلك مما يبرهن قطعًا ويقينًا على صلاحية الشريعة وفاعلية الاجتهاد، ودور العلماء في بيان أحكام الله تعالى وتثبيتها في الوجود والحياة في مختلف النوازل والوقائع والمستجدات.
ويمكن أن نوزع تلك المشكلات إلى ثلاثة مجالات: المجال التعبدي، والمجال الطبي، والمجال المالي.
المبحث الأول: المشكلات التعبدية في ضوء الاجتهاد المقاصدي
مكبرات الصوت في العبادة:
اتخذت في العصر الحالي مكبرات الصوت ومضخماته في الآذان والصلوات والجمعات والعيدين وخطبة عرفات وتنظيم الحجاج وترحيلهم، والمقصد من ذلك كله هو إسماع الجمهور وإفادتهم بمحتوى ما يُذاع من معان وتوجيهات إسلامية، وكذلك تنظيم العابدين المصلين وحملهم على أداء العبادة على أحسن وجه، من حيث الاستواء، والائتمام، وعدم سبق الإمام، وتجسيد مظاهر الوحدة والاعتصام، وغير ذلك من مقاصد العبادة، التي يكون إسماع القائمين بها شرطًا ضروريًا لها، هذا فضلاً عن أن اتخاذ تلك المضخمات ليس له ما يعارضه من الناحية الشرعية، فهو لا يخل بجوهر العبادة ولا يعطل ما وضعه الشارع لصحتها وكمالها، ولم يأت على خلاف الأصول والقواعد العامة، بل إن له ما يعضده ويقويه، وهو المتمثل فيما يعرف بالمسمِّعين الذين يتولون إسماع المتأخرين والمتباعدين عن الخطيب والإمام والمدرس في المناسبات الكبرى، كمناسبة خطبة عرفة وصلاة العيد وغير ذلك، ثم إن القاعدة الشرعية تقول : بأن ما لا يتم واجب الاستفادة مما يقوله المتكلم إلا به فهو واجب.
الصلاة في الطائرة والمكوك والصاروخ:
يرى بعض الفقهاء أنه إذا حان وقت الصلاة والطائرة مستمرة في التحليق، وخشي المسلم من فوات وقت الصلاة، فإنه يجوز له أو يجب عليه أداؤها بقدر الاستطاعة، أما إذا علم أنه يقدر على أدائها في وقتها بعد نزول الطائرة، أو جمعها مع غيرها كالظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له أن يصليها في الطائرة، والمقصد من ذلك هو المحافظة على أداء الصلاة في وقتها ونفي الضرورة والتكليف بما لا يُطاق، والتيسير على المصلي بأمره بأدائها بحسب مستطاعه ومقدوره .
الصلاة على الكراسي:
اقترح أحدهم أداء الصلوات الجماعية على الكراسي كما يفعل النصارى في الكنائس، لضمان الخشوع والتأمل وتكميل مظاهر الوحدة والسكينة، وقد اعترض على هذا الاقتراح الهزيل المضحك بأنه سذاجة وسخافة لمعارضته لأصل التعبد والامتثال، ذلك أن القيام في الصلاة والاستواء في الصفوف وأعمال الركوع والسجود والجلوس والقيام وغيره، هي من الأمور المطلوبة بالكيفية التي حددها الشارع، وهي لا تقبل الاجتهاد بالتغيير أو التنقيح أو التعديل، لأنها من القواطع اليقينية الدائمة إلى يوم الدين، وهي مما تحقق إرادة الامتثال الأكمل والخضوع الأتم المعبود، ولا يعبد الشارع إلا بما شرع .
تغيير صلاة الجمعة إلى الأحد:
اقترح أحدهم كذلك تغيير صلاة الجمعة للمقيمين في أمريكا إلى يوم الأحد، لإحضار أكبر عدد ممكن من المصلين ولتعميم الفائدة والنفع، وقد اعترض على هذا الاقتراح السخيف المضحك بأنه وقوع في التشريع بالهوى والتشهي، وتعطيل لثوابت العبادة والامتثال، وأنه تغيير لحدود الله تعالى، وتبديل لما وضعه من أمارات وشروط وقرائن مضبوطة لا تقبل الزيادة ولا النقصان، مهما تطورت الحياة وازدهرت الحضارات، فالجمعة عبادة محددة بزمن معلوم وهو زوال يوم الجمعة وليس يوم الأحد .
اعتماد الرؤية والاستئناس بالحساب في ثبوت الشهر:
ثبوت الشهر يتم بالرؤية الشرعية ويستأنس فيه بالحساب لورود الأدلة على ذلك، أما الدعوة إلى ترك الرؤية والاكتفاء بالحساب فهي مردودة وضعيفة لمعارضتها لأدلة موضوعة لتقرير أمر تعبدي وشعائري، تثبت بموجبه فريضة الصيام المحكمة ومناسك الحج القاطعة، ولأنه مفوت لحكم وأسرار كثيرة تترتب على ممارسة الرؤية، لعل من أهمها تهيئة المسلمين، روحيًا ووجدانيًا لاستقبال الصيام والحج، وتعميم الفرحة والسعادة بالعيدين، وإشاعة الأجواء المعنوية والمظاهر الحسية العامة المؤدية إلى تحبيب الناس في الشعائر وتقريبهم منها، وإعمال النظر في الأفق المتعالي والتأمل في الكواكب السيارة وتطوير معارف الفضاء، وغير ذلك من مدلولات الحث على الرؤية، صومًا وإفطارًا، حجًّا واعتمارًا، تأملاً واختبارًا .
الإحرام من جدة:
الإحرام له مواقيته الزمانيــة والمكانــــية، وهو من التعبدي الذي لا يقبل الاجتهاد، والدعوة إلى تغيير مكان الإحرام وتعويضه بجدة عمومًا قول مردود، وما قيل في إمكانيته في بعض الأحوال فهو من قبيل الإفتاء الخاص المحـــدد بشروطه وحدوده، وليس من قبيل التشريع المؤبد المغاير لأحكام الشرع، فالمواقيت محددة ومضبوطة، وجدة ليست منها، والإمكانات العصرية متوفرة لأداء الإحرام في الطائرة أو السفينة من الميقات المكاني الشرعي المحدد بالنصوص الشرعية الثابتة والصحيحة .
وما قيل في إن محاذاة الميقات من الطائرة غير ممكن، أو إن ظروف الطائرة الداخلية غير مناسبة على نحو ما يتهددها من مخاطر تسرب المياه في أسلاكها وأجهزتها، وعلى نحو شدة برودة الجو ويحتاج إلى التدثر بالثياب، وفي الغالب لا يوجد في ثياب الإحرام ما يصلح للتدثر، فكل ما قيل لا يصمد أمام مبدئية ومشروعية الإحرام من الميقات المكاني المحدد، فتحديد الميقات معناه عدم تجاوزه إلا في حالة إحرام وقصد وتجرد، واستعداد معنوي وحسي كامل، تعظيمًا لشعائر الله ، ومخالفة للمعهود من العيش، واستحضارًا لحال الإنسان عند موته وبعثه، وإرادة الامتثال وطلب العفو والرضا والمغفرة من الرحمن الرحيم، وغير ذلك مما يحصل بفعل الإحرام بشروطه وآدابه والتي منها أداؤه في ميقاته برًّا أو جوًّا أو بحرًا .
أما ظروف الطائرة فهي في العصر الحالي أفضل من ظروف البر بكثير، فمناخها مكيف وأجهزتها متطورة، ومواسير مياهها في حل من أسلاكهــا وأجهزتهــا، وصانـع الطائـرة ما صنـــع دوراتهــا المائيــة إلا ليستعملها الركاب كلهم أو بعضهم، والحجاج يمكنهم الاغتسال والتجرد من منازلهم، وليس لهم في الطائرة سوى فعل النية والتلبية وغيرها مما لا يوقع في حرج الازدحام والاختلاط في الطائرة، بل إن فعل أعمال الإحرام في الطائرة ليس فيه ما يخل بأمن الطائرة أو راحة الركاب أو سماحة الإسلام، أو غير ذلك مما يبرر به الكثير قولهم بفعل الإحرام من جدة .
طوابق الطواف والسعي والرجم:
اتخذ ذلك لتيسير المناسك ورفع الضرر المترتب على كثرة الوافدين وشدة الازدحام، ودرء المشاق غير المعتادة والتي تصل إلى حد الموت المحقق والهلاك المبين، وفي أقل الحالات إلى تفويت الحج، وأدائه بكيفية مختلة ومضطربة ومنقوصة بسبب ذلك الازدحام، وقد بني هذا الأمر على قواعد التيسير والتخفيف ومبادئ نفي الضرر وإزالته، وعلى التوجيه النبوي الكريم المتعلق بفعل الميسور، وتجنب الحرج الواقع أيام منى .
الرجم ليلاً:
أفضل الرجم بعد الزوال كما هو معلوم في السنة العطرة، غير أن الفقهاء والمجتهدين توسعوا في وقت الرجم، مراعاة للتيسير والتخفيف عن الحجاج ورفع الحرج والضيق ونفي الهلاك المحقق أو المحتمل، وبناء على بعض الآثار الشرعية الداعية إلى واجب رفع المشقة عن أصحاب الأعذار الشرعية الذين لا يمكنهم فعل الرجم في الوقت الأفضل، مثل الرعاة والسقاة والنساء الثقالى والقائمين على الرعاية الصحية والمرورية والأمنية لضيوف بيت الله الحرام.
المبحث الثاني : المشكلات الطبية في ضوء الاجتهاد المقاصدي
الاستنساخ:
أجمعت كل الآراء والموقف الفكرية والسياسية والقانونية على منع الاستنساخ البشري، وعلى اعتباره من أخطر الكوارث العلمية وأفزع منتجات الحضارة والتقدم والنماء المعرفي التكنولوجي، وذلك لما سيؤول إليه من نتائج مروعة وعواقب وخيمة على مستوى النظام الكوني ومنظومة الأخلاق والقوانين والأعراف الإنسانية العامة والخاصة.
فهو مميت للمؤسسة الزوجية وقاتل للمجتمع الإنساني، لإحداثه لأسلوب غريب في عملية التناسل والإنجاب، ولمعارضته الصريحة لمعاني المودة والسكن، والرحمة والتآلف، والإعمار والتنمية، وغير ذلك من المعاني والقيم التي تتربى لدى الناشئة، بموجب البناء الأسري والتماسك الاجتماعي، وليس بمقتضى آلية الاستنساخ وطريقة إخراج الناس في شكل علب ومصنوعات معملية مخبرية.
وهو موقع في إبادة مقصد حفظ النسب والعِرض، ومفض إلى الفوضى الأسرية، والطوفان الاجتماعي، ومضيع لقيمة الأمومة والبنوة والزوجية وسائر القرابة الدموية والعلاقة الصهرية، التي بني نظام الكون وسنن الحياة على وفقها، ففي نظام الاستنساخ لا تقدر على معرفة علاقة المستنسخ بغيره لا على سبيل القطع ولا الظن، فكيف تقدر على فهم ما ترتب على ذلك من حقوق وواجبات وآثار قانونية وأدبية لازمة.
إن الاستنساخ مناف لقيمة التنوع الإنساني واختلاف الألوان والأشكال والألسنة، قال تعالى : (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) ( الروم:22). وقد كان من أغراض التنوع المذكور تحقيق التمايز، وتحديد نوعية الأواصر الأسرية والاجتماعية والكونية، وإثبات الحقوق والواجبات، وإقامة العدل والأمن، والتفريق بين المتهم الحقيقي والمتهم الوهمي الذي قد يحمل نفس العلامات والشبه الذي يحمله المتهم الحقيقي، فماذا تنتظر من الأشخاص المستنسخين سوى التشابه والتماثل المضيعين للحقوق، الموقعين في الفساد والهلاك؟
إن الاستنساخ معارض لقيمة حقوق الإنسان وكرامته ومكانته بين سائر الكائنات والمخلوقات، فالإنسان الذي كرّمه الله تعالى وشرّفه بنعم الإيمان والإسلام، والحياة والعقل، سيستوي مع الفئران والضفادع والقردة الموضوعة في المختبرات والمعامل، لإجراء الاختبارات والتجارب عليها، ثم عرض نتائج ذلك لعامة الناس، لإدخالها في سوق المساومات والمزايدات، وفي دور السمسرة والمتاجرة، كما أنه سيتعرض إلى أبشع مذبحة في التاريخ وأرذل مجزرة، من خلال إماتة شخصه وعواطفه وأحاسيسه، وتدمير خصائص كيانه وسماته، وجعله كتلة من اللحم جامدة، ونسخة مطابقة للأصل، ليس لها من الفعل والكدح والمجاهدة والتعبد والتحرر والتوجه نحو قيم الله الخالدة سوى ألقاب جوفاء وشعارات خاوية وفارغة.
إن الاستنساخ موقع في توهم مضاهاة خلق الله تبارك اسمه، وفي ادعاء درجة مهمة من التخليق، كما سولت لهم نفوسهم تسمية الاستنساخ بالتخليق للدلالة على أنه قريب من الخلق - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - فأين هم من الخلق أو من بعض الخلق الذي تفرّد الله ذو العزة والجبروت به، وأين هم مما أوهموا به ضعاف النفوس، ومغفلي العوام، ومرضى القلوب، ولعلهم يدركون ذلك جيدًا ويقينًا، إذ لم يسعفهم حظ النجاح بنسبة واحد في البليون، ولم يكن عملهم في الاستنساخ إلا باعتماد مواد مخلوقة وموجودة قبل خلقهم هم أنفسهم، والانطلاق منها بالتنسيق بينها وفق سنن الله وقوانينه، التي دعا الناس إلى إعمالها ومراعاتها، فهم مطبقون لأحكام الله ، ومنفذون لأوامره اختيارًا واضطرارًا، ومقيدون بما فوضهم فيه خالق السموات والأرض، وصدق الله حين قال : (والله خلقكم وما تعملون ) (الصافات:69).
الاستنساخ النباتي والحيواني:
نُظر إلى الاستنساخ في دائرة النبات والحيوان على أنه ذو فوائد ومنافع مختلفة، على نحو الإكثار من المنتوج، وتحسين النوعية بأيسر الجهود وأقل التكاليف، وتحسين الأدوية كمًّا ونوعًا . إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإنه يظل محل حيطة وحذر وتريث في الحكم عليه وعلى آثاره ونتائجه، لتجنب ما قد يحدثه من أخطار خفية ومفاسد محتملة لا تظهر إلا بعد التجارب المتواصلة والمدد المتعاقبة، كما هو الحال في آفة جنون البقر، التي لم تُعرف إلا بعد أن (وقع الفأس في الرأس ).
فواجب العلماء والخبراء تحقيق أمر الاستنساخ النباتي والحيواني، وتدقيق وضعه وطبيعته، وبذل الجهد الأقصى لاستشراف آثاره ومآلاته، حتى لا يعود على الإنسان بوبال أعظم وخطر أعم مما ينتظر من فوائد ومنافع اقتصادية وصحية وبيئية، وأصل ذلك مقرر معلوم، ودرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، ويرتكب الضرر الأخف لدرء الضرر الأشد، وغير ذلك كثير.
قتل المريض الميؤوس من شفائه:
حَكَمَ العلماء قديمًا وحديثًا بمنع وتحريم قتل المريض الميؤوس من شفائه مهما كانت جسامة مرضه، ومهما تقدمت درجة إشرافه على الموت المحقق والهلاك الواضح والظاهر، وقد نُظر في ذلك الحكم إلى جملة من المعطيات الشرعية والأسرار المقاصدية التي نوردها بإيجاز فيما يلي :
_ إن أجلى حكمة لمنع القتل هو المحافظة على حق الحياة، الذي هو هبة إلهية عظمى لا يجوز لأي مخلوق أن يضعه تحت تأثير التلاعب والأمزجة والعواطف، فقد جعل الخلاقُ العليمُ الحياةَ حقًّا شرعيًا وإنسانيًا، يتصرف فيه وحده، بداية ونهاية، صحة ومرضًا، وأمرًا مقدسًا لا يخضع للاستخفاف واللامبالاة، لذلك اعتبر قاتل النفس الواحدة كقاتل الناس جميعًا .
_ إن الآجال بيد الله تعالى، وإن دور الأطباء يتمثل في اتخاذ الأسباب والسنن التي توصل في الغالب إلى نتائجها ومسبباتها بحسب مشيئة الله تبارك وتعالى، وإن حكم الطبيب على صحة هذا المريض أو موته هو كذلك بحسب الظاهر والظن الغالب، وقد يكون بعض المرضى الذين يئس من شفائهم وحُكم عليهم بالموت ممن لا ينطبق عليهم ذلك الحكم، فيكونون عُرضة للتلاعب والإجحاف والتعسف والحرمان من فرصة الحياة، بموجب قرار إنساني قاصر ومتعجل وعام وأغلبي، وبمقتضى ادعاء وهمي لا فائدة فيه .
_ إن تشريع هذا القتل ذريعة إلى الاستخفاف بصحة المريض، وطريق مفض إلى عدة أعمال وممارسات قد تتناقض مع شرف مهنة الطبيب وأخلاقياته الإنسانية النبيلة، ومع أيمانه المغلظة بأن لا يبيح سرًّا للمريض ولا يعطيه دواءً قاتلاً، ولا يؤذيه بأي نوع من أنواع الأذية، ماديًا أو معنويًا، بل إن قَصْدَ قَتْلِه ليعد من أكبر الكبائر في عالم الجنايات والجرائم، هذا فضلاً عن تنفيذ ذلك وفعله .
_ إن تمكين المريض الميؤوس من شفائه مِن أَخْذِ حَقِّه في العلاج حتى في الفترات المستعصية دون تدخل لوضع حد لحياته وآلامه، إن تمكينه من ذلك فيه فوائد كثيرة، منها :
_ تعميق البــحوث والخبــرات والتجــارب الطبية التي ستحقق بلا شك التطور الطبي المنشود، إذ إن البقاء مع المريض ومعاشرته وبذل الجهد لإنقاذه حتى في الحالات التي يظن أنها مستحيلة الشفاء والآمال، كل ذلك قد يخدم المجال الطبي، وقد يجعل من قطعيات اليوم ظنيات الغد، فيصير المرض الذي اعتبر اليوم هلاكًا محققًا مفضيًا إلى الموت داءً عاديًا سهل العلاج غدًا .
_ تعميق معاني المواساة والتضـــحية والصبر والوفاء والتضامن بين أهل المريض وأبناء المجتمع، فيتماسك المجتمع وتتكامل جهوده وتزدهر حضارته.
أما إذا شرع هذا النوع من القتــل ذاته، فإنه سيكون طريقًا سهلاً للفرار من الواجب الإســلامي والأدبي إزاء المريــض من قبل أهله وذويه، وهو في حاجة ماسة إلى عطفهم ومعاناتهم، هذا فضلاً عما سيكتب لهم من الأجر والثواب والجزاء الحسن عند الله تعالى نظير صبرهم وتضحياتهم.
_ إعطاء المريض فرصة للخروج من الدنيا بأقل الذنوب والأوزار، وذلك بما يعانيه من الآلام المخففة للذنوب والعذاب، فقد ورد أن المريض أو المحتضر الذي يصارع آلام السقم أو النزع، له من الأجر والخير العظيمين في الدنيا والآخرة، لكن لا ينبغي أن يفهم هذا على أنه تنويه بالعذاب وحث عليه، ولكنه واقع لا محالة.
زرع الأعضاء:
التبرع بالعضو والتوصية به قبل الموت قصد الانتفاع به، بزرعه بدل عضو معطل، أو التعلم به، أمر اختلفت فيه أنظار الفقهاء، فمنهم من أجازه لما فيه من المصالح الشرعية المقررة، ومنافع الاستفادة من العضو تعلمًا أو استعمالاً، مع وجوب استيفاء الشروط الضرورية الشرعية لذلك، والتي منها : أن لا يؤخذ العضو من الميت إلا بعد تحقق وفاته، ولا من الحي إلا بعد التأكد من عدم ضرره عليه، ويرجى يقينًا نفعه لمن سيزرع له هذا العضو.
ومنهم من منعه محافظة على حرمة الميت وكرامته، وبناء على أن الجسم ملك تعالى لا يجوز التصرف فيه بالبيع أو التبرع أو غير ذلك. وعلى أي حال، فإن القول بجوازه أو منعه مبني في جزء كبير منه على مراعاة المقاصد والالتفات إليها والتعويل عليها في الجواز أو المنع.
نقل الدم:
وهو نقل الدم على سبيل التبرع من شخص صحيح إلى من يحتاجه لإجراء عملية جراحية أو تعويض الفقر الدموي ونحوه، فهو جائز ومرغب فيه لما فيه من التعاون على البر والتقوى، وإدامة المعروف والإحسان، وإسهامًا في إنقاذ النفوس من الهلاك والموت بسبب الحوادث والأمراض، فهو بهذا الاعتبار محقق لمقصد حفظ النفوس، ومقصد حفظ الدين من ناحية تربية الناس على معاني التعاون والمواساة والتضحية ودرء الأنانية والجشع، وتحبيبهم في أحكام الله ورسوله الداعية إلى فعل المعروف وإدامته.
بيع الدم:
وهو الأمر الذي اختلف في حكمه، فمنهم من منعه لأن الدم المسفوح نجس، ولأنه جزء من أجزاء الإنسان التي يمنع بيعها لحرمتها وكرامتها، ومنهم من أجازه لما فيه من المنفعة المشروعة، وحتى لو كان نجسًا فإنه لا يمنع بيعه بناء على جواز بيع النجاسات، إذا تعلقت بها مصالح ومنافع، على نحو بيع الزَّبْل وسائر النجاسات التي تتخذ سمادًا للأرض بغرض إخصابها، وكذلك يمكن أن يقاس على بيع لبن الآدمية في أصح الأقوال، وعلى أخذ الأجرة في العبادات كالإمامة والأذان ورعاية المساجد وغيرها، أضف إلى ذلك الضرورة القاهرة التي تحتم بيعه حفظًا لمصالح الناس وإحياء النفوس، ولا سيما عند عزوف الناس عن التبرع والتطوع، وهذا لا يغني عن حث الناس على فعل المعروف، وإدامة التطوع والإحسان، عوضًا عن بيع الدم وأخذ عوض عنه.
الإجهاض في حالة الاغتصاب:
من أبشع الجرائم والمنكرات الاغتصاب والتعدي على العرض الذي أقره الله تعالى أصلاً مقطوعًا به في كل الملل والنحل.
وقد تتعرض المرأة إلى تلك الجريمة البشعة ويتكون في بطنها جنين بسبب ذلك، فتبقى في حيرة لا نهاية لها وتظل في تردد بين إسقاطه وما يستــتبع ذلك من شعــور بإثم الجنــــاية على مخلوق، وبين إبقائه وما يستتبع ذلك من شعور بالخزي، وحصول أمراض نفسية وجسمية!
وحكم الإسقاط يختلف باختلاف مدة الحمل، فإذا كانت مدة الحمل أقل من أربعة أشهر يجوز الإسقاط على أساس أنه لم يتخلق، والمقصد من ذلك هو درء المشكلات النفسية والحالات المرضية للمعتدى عليها، وتمكينها من التخلص من آثار الجريمة البشعة.
أما إذا كانت مدة الحمل قد تجاوزت أربعة أشهر، فإن المرأة عليها أولاً أن تتأكد طبيًا قبل مرور هذه المدة من حملها مباشرة إثر اغتصابها، وعليها الإسقاط إذا تأكدت من ذلك الحمل قبل مرور الأشهر الأربعة، وإذا لم تتمكن من ذلك لعذر شرعي كحالة قيام الحروب، كما وقع في حرب البوسنة والهرسك، وبلغ الجنين مائة وعشرين يومًا، (فإن قواعد الشريعة تتسع لجواز الإسقاط كحالة من حالات الضرورة مع دفع الكفارة، والضرورة لها أحكامها).
وتدرك الضرورة في حالة الاغتصاب بأن المعتدى عليها تصاب - في الغالب والأعم - بمرض نفسي يؤدي إلى مرض جسماني قد يودي بحياتها، فإسقاط الجنين في هذه الحالة أخف ضررًا من موتها .. وتدرك الضرورة أيضًا من وجود طفل غير شرعي يحتاج إلى نفقة وإلى مَن يقوم بتربيته، ناهيك بأن المجتمـــع المحافظ كمـــا هو الحـــال في المجتمعــات الإسلاميــة لا يقبل في الغالب وجود أطفال غير شرعيين، الأمر الذي قد ينتج عنه أضرار لهم أنفسهم وللمجتمع الذي يعيشون فيه.
وإذا أرادت المعتدى عليها إبقاء جنينها ولم توجد ضرورة قاهرة وحرج أقصى، وجب عليها عندئذ المحافظة عليه ورعايته، وإخراجه إنسانًا صالحًا، (فالمسألة ليست مجرد رغبة جامحة أو استخفاف بمخلوق من مخلوقات الله ، ولكنها مسألة ضرورة إذا وجدت جاز ارتكاب المحظور لدفع ما هو أكبر منه، وإلا فلا).
المبحث الثالث : المشكلات المالية في ضوء الاجتهاد المقاصدي
زكاة المستغلات:
المستغلات هي الأموال التي تعود على أصحابها بفوائد وأرباح بواسطة تأجير عينها أو بيع ما يحصل من إنتاجها، ومثالها : العمارات والمصانع والفنادق وقاعات الأفراح والسيارات والطائرات والسفن وسائر وسائل النقل التي تنقل البضائع والأشخاص، وغير ذلك.
وقد اختلفت أنظار الفقهاء حيال مسألة الزكاة في هذه الأصناف المالية، فمنهم من مال إلى عدم الزكاة فيها، بناءً على أنها ليست من الأصناف التي تحددت الزكاة فيها، ومنهم من أوجب الزكاة فيها، بناءً على عدة أمور، منها:
ــ أنها من الأموال التي أوجب الله فيها الزكاة .
ــ أن علة وجوب الزكاة معقولة المعنى، وهي النماء والزيادة، وهذه الأموال توجد فيها هذه العلة، فيكون حكمها الوجوب لدوران العلة مع المعلول، وجودًا وعدمًا .
ــ أن حكمة تشريع الزكاة هي التزكية والتطهير لأرباب المال أنفسهم، ومساعدة المحتاجين، والإسهام في حماية دين الإسلام وتقوية الدولة المسلمة، وغير ذلك من الحِكَم والأسرار التي تجعل الزكاة في هذه الأصناف أولى وأنسب. وإذا كانت الزكاة واجبة على صاحب الزرع والثمر القليل، فكيف لا تكون واجبة على مالك العمائر والمصانع والسفن والشاحنات، التي يكون دخلها أضعافًا مضاعفة؟!
زكاة الرواتب والأجور ومختلف أنواع المال المستفاد:
المال المستفاد إذا حصلت شروط الزكاة فيه مثل النماء والنصاب وغيره، وجبت فيه الزكاة، وذلك مثل أجرة الطبيب والمحامي والمهندس والصانع والأستاذ والمقاول ورجل الأعمال والموظف والحرفي وغيرهم، ودليل ذلك :
ــ دخولهم في عموم النص الموجب للزكاة .
ــ إذا كان الشارع افترض الزكاة على الفلاح الذي يملك خمسة أفدنة، فإنه من الأنسب والأولى أن تجب الزكاة على صاحب حرفة كبيرة كالمحاماة والطب والهندسة، الذي تدر عليه خمسين فدانًا، بل إن ما يكســبه الطبيـب في يوم واحد والمحــامي في قضـــية واحدة يعدل ما يكسبه الفلاح طوال سنة بحالها، وهذا الرأي هو الأقرب إلى روح التشريع ومقاصد الشرع، وأنسب لصاحب المال، من حيث تطهير نفسه وماله، ولصاحب الحاجة من حيث مواساته ومساعدته .
دفع القيمة في الزكاة:
اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من منع إخراج القيمة استنادًا بالأساس إلى اعتبار الزكاة عبادة وقُربة أكثر منها معاملة غايتها المواساة والإحسان وسد الحاجة، ومنهم من أجاز إخراج القيمة بدلاً عن العين، بناءً على عدة أمور، منها ما يتصل بالمقاصد والتعليل، ويتمثل بالأساس في أن إخراج القيمة هو الأليق بالعصر وأهون على الناس، وأيسر في الحساب، ما لم يكن في ذلك ضرر بالفقراء أو أصحاب المال.
ففي زكاة الفطر مثلاً يكون إخراج قيمتها أقرب إلى روح التشريع ومصلحة الفقراء، من حيث التوسعة عليهم وإغنائهم عن الحاجة في يوم العيد، ولا سيما فيما يتعلق باقتناء بعض حاجات اللباس والطعام (مثل حلويات العيد )، وغير ذلك من الحاجات التي يكون الفقراء في أشد الشوق إليها، والتي لا يمكن أن يعدوها ويحضروها إلا في وقت متسع، وإذا أخذوها نقدًا وقيمة .
البيع بالتقسيط:
حكمه الجواز، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد نص على تحريمه، وللبائع أن يزيد في الثمن لاعتبارات يراها ما لم تصل إلى الفحش.
أما الذين اعتبروه شبيهًا بالربا من جهة أنه زيادة في المال في مقابل الزمن، فهو غير ذي وجاهة معتبرة، لقيام الفرق بين الزيادة بسبب الزمن في القرض، وبين الزيادة بسبب البيع والتجارة .
بيع المزاد العلني:
وهو بيع جائز، كما في بيع السيارات والحيوانات ومختلف الأمتعة، التي تعرض للبيع، ويتزايد الناس في سعرها، إلى أن يرضى البائع عن سعر معين، فيبيعها لمن اقترح ذلك السعر .
وهو نوع من أنواع التعامل المشروع الملبي لحاجيات السوق ومصالح الناس، مع ما ينبغي من استيفاء للشروط والضوابط الشرعية، حتى لا يخل بحقيقة العقد ومشروعية البيع ومصلحة أحد الطرفين.
ربط الديون والقروض والمعاملات بمستوى الأسعار:
حكمه المنع والتحريم، لأنه يؤدى إلى الغرر الفاحش بمقدار الثمن، ويقلب الأوضاع، فتقوم النقود بالسلع بدلاً من أن تقوم السلع بالنقود، ولا يحقق العدالة، ولا يعالج مشكلة التضخم، ويعمق نفس علل الربا من الجهالة والنزاع والفحش الفادح بين المتعاملين، ويفضي إلى مزيد الظلم والإجحاف، لأنه يحمي الدائنين على حساب المدينين، الذين ليسوا سببًا في ارتفاع التضخم، والدائنون هم الأثرياء في الغالب، والمدينون هم الفقراء في الغالب كذلك .
ومن ثم فهو لون من ألوان التعامل المفضية إلى تعميق الأحقاد والضغائن، والتحامل بين المتعاملين بسبب التحايل والغرر والجهالة والضــــرر، وقد جاء قرار مجمع الفــــقه الإسلامي بجدة مانعًا لذلك فيما يلي : (العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة، لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيًّا كان مصدرها بمستوى الأسعار).
التأمين التعاوني:
وهو عقد بين جماعة كالتجار والمدرسين والجيران على دفع مقادير مالية، قصد الاستفادة منها عند حدوث مصيبة أو ظرف معين، يحتاج فيه صاحبه إلى المساعدة والمواساة، والغرض من هذا التأمين هو تخفيف المصيبة ودفع آثارها، وليس الربح، وهو واضح الجواز والحلية لما فيه من مراعاة المبادئ والقيم الإسلامية النبيلة على نحو : التعاون على البر والتقوى، وتفريج الكرب، وتخفيف النوائب، وتعميق معاني التكاتف والتضامن والتقارب بين أفراد البلدة الواحدة والمجتمع الواحد.
ويمكن أن يكون الغرض منه كذلك الربح الذي سيعود نفعه على المشتركين المصابين، وذلك باستثمار الأموال المدفوعة في الأعمال المشروعة كالمضاربة والمزارعة، مع ضرورة استحضار شروط ذلك من معرفة رأس المال والربح وكيفية توزيعه.
فالربح هنا ليس هو مجرد كسب المال وحيازته لشخص واحد، بل هو محقق لهدف التعاون، لأنه سيعود على الكل، فكأنه زيادة للمقادير المالية المدفوعة الموضوعة، لمواجهة النوائب والشدائد، كما أنه واقع بممارسة طرق مشروعة في استثماره وتنيمته.
التأمين التجاري:
وهو عقد بين طرفين : مؤمِّن ومؤمَّن له، يقوم المؤمِّن بدفع مال للمؤمَّن له عند حلول خطر به، وقد عده الفقهاء عقد غرر من قِبَل المؤمن له، لأنه قد يأخذ العوض إن حصل الحادث وقد لا يأخذه إن لم يحصل .. ومن قبل المؤمــــن، لأنه قد يأخذ المبــــلــغ المتفـق عليه وقد لا يأخذه، وهو غير متعادل غالبًا. وقد عده بعضهم بأنه عقد جهالة وقمار وربا وضمان بجعل ورهان محرم، وهو منهي عنه لتلك الاعتبارات ولما يُفضي إليه من التنازع والغبن والضرر بأحد المتعاملين أو بكليهما، أضف إلى ذلك فإن هناك الكثير من التأمينات التجارية المرتبطة بالشركات الأوربية والصهيونية المتعاملة بالربا، والتي تسخّر ذلك لمزيد الإذلال والاستغلال والهيمنة.
وقد أصدر المجمع الفقهي بمكة المكرمة قرارًا بالإجماع، يقضي بتحريم التأمين التجاري بكل أنواعه، سواء على النفس أو البضائع أو غيره، وذلك لأنه مشتمل على الغرر الفاحش، ولأنه ضرب من ضروب المقامرة، ولأنه مشتمل على ربا الفضل والنساء، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أكثر مما دفعه من نقود لها، فهو ربا فضل، والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نساء، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نساء فقط، وكلاهما محرم بالنص والإجماع، وهو كذلك مشتمل على الرهان المحرم، وسبيل لأخذ أموال الغير بلا وجه شرعي.
الفصل الثاني
معالم الاجتهاد المقاصدي المعاصر
اعتبار المقاصد إطارًا شاملاً لمعالجة مشكلات العصر الحالي:
تعد المقاصد كما هو معلوم إحدى المعطيات التي يستند إليها المجتهدون في معرفة أحكام القضايا والحوادث، فقد اشترط العلماء قديمًا وحديثًا وجوب معرفة وفهم المقاصد ولزوم الاستنباط على وفقها، قال الشاطبي: (إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكّن من الاستنباط بناء على فهمه فيها). وجاء عنه قوله كذلك: (فإن القرآن والسنة لما كانا عربيين لما يكن لينظر فيهما إلا عربي، كما أن من لم يعرف مقاصدهما لم يحل له أن يتكلم فيهما، إذ لا يصح له نظر حتى يكون عالمًا بهما، فإنه إذا كان كذلك، لم يختلف عليه شيء من الشريعة) وذكر كذلك أن: (الاجتهاد إن تعلق بالاستنباط من النصوص فلا بد من اشتراط العلم بالعربية، وإن تعلق بالمعاني من المصالح مجردة عن اقتضاء النصوص لها أو مسلمة من صاحب الاجتهاد في النصوص فلا يلزم في ذلك العلم بالعربية، وإنما يلزم العلم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلاً).
وجــــاء عن ابن تيمـــــية قــــوله: (فإن الاستـــدلال بكلام الشـــارع يتوقف على أن يعرف ثبــــوت اللفظ عنه، وعلى أن يعرف مراده من اللفظ ).
وذكر العلامة محمد الطاهر بن عاشور: (فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلها، أما في النحو الرابع فاحتياجه فيه ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا، وفي هذا النحو أثبت مالك رحمه الله حجية المصالح المرسلة، وفيه أيضًا قال الأئمة بمراعاة الكليات الشرعية الضرورية وألحقوا بها الحاجية والتحسينية، وسمّوا الجميع بالمناسب، وهو مقرر في مسالك العلة من علم أصول الفقه).
والنـحـــو الرابع الذي ذكره ابن عاشــــــور: (هو إعـطاء حكم لفعل أو حادث حدث للناس لا يعرف حكمه فيما لاح للمجـــتهدين من أدلة الشــــريعة ولا له نظير يقــــاس عليه). (والمقاصد إدراك لحكمة الشارع من التشريع، وهو الأليق بالاجتهاد والسبيل إلى الإصابة فيه).
فالمقاصد الشرعية من المعطيات الضرورية التي يعاد إليها في معرفة أحكام حوادث الزمان وأحواله، ولا سيما في عصرنا الحالي الذي تكاثرت قضاياه، وتضخمت مستجداته وتشابكت ظواهره وأوضاعه، وتداخلت مصالحه وحاجياته، وليس لذلك من سبيل سوى بجعل المقاصد إطارًا جامعًا، وميدانًا عامًا يمكن أن ندرج فيه طائفة مهمة من أوضاع عصرنا، لمعرفة ما هو شرعي ومتفق مع مراد الشارع ومقصوده، وما هو بعيد عن ذلك.
وجعل المقاصد إطارًا جامعًا لمشكلات العصر، لا يعني كما ذكرنا ذلك في أكثر من موطن استقلال تلك المقاصد عن الأدلة، وجعلها تضـاهي الوحي الكريم وتهيـمن عليه كما قد يفهم بـــعضهم ذلك، أو يريد أن يصل إلى ذلك، وإنما يعني استخدام المقاصد باعتبار كونها معاني وقواعد مستخلصة من عموم الأدلة وسائر التصرفات والأمارات الشرعية المبثوثة في الكتاب والسنة والآثار الشرعية المتعددة، وباعتبار أن تلك المقاصد يلاحظ فيها شدة الالتصاق والتعلق بالوضع المدروس والمبحوث عن حكمه أكثر من غيرها من الأدلة والقرائن الشرعية، على الرغم من أن تلك الأدلة والقرائن هي التي شكلت أساس انبناء تلك المقاصد وقيامها وتحكيمها . ونذكر بأوضح شاهد هنا ما ذكره الغزالي بقوله : (... إن من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ، لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تُعرف بالكتاب والسنة والإجماع).
فبيان حكم وضع أو حال معاصر يتم بإعمال المقاصد والأدلة معًا: بإعمال المقاصد بصفة مباشرة وبصفتها قواعد مستنتجة من الأدلة، وبإعمال الأدلة بصفة غير مباشرة بصفتها الشرعية، وباعتبار كونها أساس تلك المقاصد.
ولعل أوضح مثال على ذلك هو الاستنساخ الذي منعه العلماء في ضوء المقاصد الشرعية، وذلك لأنه مخل بمقصد حفظ النسل والنسب وغيره من المعتبرات المقاصدية الأخرى التي منع الاستنساخ في ضوئــــها، غيــــر أن القـــول بمــــنع الاستنـــساخ في ضـــوء المقــــاصد لا يعني بداهة عدم الرجوع إلى الأدلة والقرائن الشرعية المتعلقة بذلك، وإنما يعني الرجوع إليها عن طريق استخدام مقصد حفظ النسل والنسب بالأساس، والذي توالت نصوص وأدلة شرعية كثيرة على إثباته وتقريره.
واللجوء إلى المقاصد لمعالجة مشكلات العصر يكون:
ــ إما بوضع ثلة من المقاصد القطعية اليقينية، التي يعود إليها العلماء والمجتهدون في حسم الخلاف وتحديد حكم معين في قضية معينة لم ينص أو يجمع عليها، وهذا الذي دعا إليه بالخصوص العلامة ابن عاشور بقوله: (وكيف نصل إلى الاستدلال على تعيين مقصد ما من تلك المقاصد استدلالاً يجعله بعد استنباطه محل وفاق بين المتفقهين، سواء في ذلك من استنبطه ومن بلغه، فيكون ذلك باباً لحصول الوفاق في مدارك المجتهدين أو التوفيق بين المختلفين من المقلدين) .. وجاء عنه قوله كذلك عن غرض المقاصد: (لتكون نبراسًا للمتفقهين في الدين ومرجعًا بينهم عند اختلاف الأنظار، وتبدل الأعصار، وتوسلاً إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودربة لأتباعهم على الإنصاف).
ونجد من قبيل المقاصد القطعية اليقينية، الكليات الخمس الشهيرة كحفظ الدين والعقل والمال، ومقصد التيسير ورفع الضرر، ومقصد دفع الضرورة القصوى والحاجة القاهرة، ومقصد تقرير الامتثال الأكمل والتعبد الصحيح، وارتباط المقاصد بوسائلها، ومقصد العدل والمساواة والأمانة، وسائر قيم الأعمال وفضائل الأخلاق .
ــ أو باعتماد المقــــاصد في الترجــيح عندما يكون هناك تعارض ولا يمكن الجمع، إذ يقع الالتجاء إلى الاختيار والانتقاء في ضوء المرجحات الشرعية والمقاصدية . قال القرضاوي: (وهناك اجتهاد آخر أسميه الاجتهاد الانتقائي، وهو اختيار أرجح الأقوال من تراثنا الفقهي العظيم، مما نراه أقرب إلى تحقيق مقاصد الشرع ومصالح الخلق، وأليق بظروف العصر).
ومن أمثله ذلك : زكاة العمارات والمصانع والسفن والفنادق والرواتب العالية كالمحاماة والطب والهندسة، وغير ذلك من الأصناف المالية المستفادة بطرق غير الطرق التي نصت عليها الأدلة جملة، كالتجارة والزراعة والذهب والفضة، والتي أوجبت فيها الزكاة إذا بلغت شروطها المعروفة، فإن هذه الأصناف المستحدثة ولئن لم ينص على وجوب الزكاة فيها صراحة، فإنها تأخذ حكم الوجوب عملاً بالمقاصد الشرعية في الزكاة، والمتمثلة في تطهير المال وتزكية المزكي ومواساة الفقير، وتقليل الفوارق بين الأغنياء والفقراء، وتحقيق العدل بين أفراد المجتمع وغير ذلك، فإن هذه المقاصد نجدها ملحوظة في الزكاة على هذه الأصناف، بل قد تكون أكثر ملاحظة وحضورًا بالنسبة إلى الأصناف المقررة كالغنم والحبوب والثمر، إذ لا يكون من العدل الذي أقره الإسلام كمقصد معتبر قطعي أن يؤمر صاحب القطيع من الأغنام بالزكــاة ويتـرك صـــاحب الدخـل القـوي الذي يكـسب في اليوم الواحد ما يكسبه صاحب القطيع في السنة كلها .
والمهم من هذا المثال هو اللجوء إلى المقاصد لترجيح حكم الوجوب على عدم الوجوب، الذي قال به بعض الفقهاء، لالتزامهم بعموم النصوص والأدلة وظواهرها.
العمل على تأكيد الثوابت الإسلامية
يحتم الاجتهاد المقاصدي المعاصر العمل على تأكيد الثوابت الإسلامية، وجعلها غير قابلة للتغيير والتعديل تحت ضغوط الواقع المعاصر وبموجب تغيراته وتقلباته .. وتلك الثوابت والأساسيات تتمثل في جملة القواطع الشرعية على نحو العقائد والعبادات والمقدرات وأصول الفضائل والمعاملات، وتتمثل في جملة أمور منهجية تتعلق بخصائص منهج التغيير الإسلامي وأسلوب التوعية الإسلامية، وبيان الأحكام، وإقامة وحي الله تعالى وتثبيته في الحياة الإنسانية .. ومن تلك القواطع المنهجية:
- الجمع بين الكليات والجزئيات معًا:
ومفاده أن دراسة ما يستجد من أوضاع العصر ينبغي أن تكون واقعة ضمن دائرة شمولية وكلية وعامة، تأخذ بعين الاعتبار جملة الكليات والجزئيات الشرعية، حتى يكون الحكم المتوصل إليه متطابقًا مع المقصود الشرعي أو قريبًا منه . قال الشاطبي: (فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلاً في جزئي معرضًا عن كلية فقد أخطأ، وكما أن من أخذ بالجزئي معرضًا عن كلية فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضًا عن جزئية).. وإن أي معالجة لجزئية معينة بمعزل عما يلتصق بها من كليات وأصول، يعد مخلاً بإحدى الثوابت الشرعية المقررة، ومفضيًا إلى نوع من الاختلال والاضطراب في سلامة حصول الأفعال وآثارها على وفق ما أراد الشارع الحكيم.
وهذا الذي وقعت وتقع فيه قديمًا وحديثًا أفهام وتأويلات كثيرة خاطئة، لاقتصارها فيما تبحث عنه على آحاد الأدلة وجزئيات الشريعة وظواهر النصوص، مما يوقعها في سوء التقدير وخطأ الاجتهاد ومناقضة المقاصد ومعارضة الأصول.
فالشريعة الإسلامية نظام متكامل ونسيج يكمل بعضه بعضًا، ويفسر بعضه بعضًا، ولذلك كان النظر المقاصدي قائمًا على هذا الاعتبار، إذ لا يمكن مراعاة مقصد معين ومصلحة جزئية إلا إذا كان غير عائد على ما هو أهم بالإبطال والتعطيل، وأن يكون خادمًا للنظام المقاصدي كله، ومن قبيل ذلك تبينت حقيقة تعارض المصالح والترجيح بينها، المبنية بالأساس على هذا الاعتبار .. فالمصلحة الخاصة لا يؤخذ بها إذا تعارضت مع المصلحة العامة، والمصلحة الظنية تتفاوت درجات ظنيتها بحسب تواتر الأدلة عليها، إذ واجب المجتهد إذا أراد الحكم على ظنية المقصد أو قطعيته، النظر في أكثر ما يمكن من الأدلة، وأن يكون نظره دائرًا ضمن فهم متكامل ومتناسق لتلك الأدلة.. والمقصد لا يعتبر إذا تركت وسيلته الشرعية المتعينة، وكذلك الوسيلة ترد إذا لم تؤد إلى مقصدها الشرعي المعلوم، وغير ذلك من المسالك الشرعية والمقاصدية، التي يتمظهر فيها بحق البعد التكاملي والطابع الشمولي لدراسة الظواهر والحوادث، وتحديد أحكامها على وفق المقاصد والضوابط الشرعية.
ومن أوضح الأمثلة في ذلك مثال التأمين، الذي إذا أخذ على أنه معاملة مالية تحركها بعض الدوائر السياسية والفكرية لتمكين الغير من زيادة الهيمنة والاستغلال والإذلال للمسلمين والمساكين، وتقوية للمؤسسات الربوية وتعزيزها ونصرها على البنوك الإسلامية وعلى الاقتصاد الإسلامي والتحضر الإسلامي وغير ذلك، فإن التأمين إذا نُظر إليه بهذا الاعتبار الذي راعى الإطار العام الذي يتنزل فيه في الوقت الراهن، فإنه يعد بلا مجال للشك أو التردد من المعاملات المحظورة، خدمة للمقاصد الشرعية المتمثلة - في سياقنا هذا - في وجوب إضعاف الاقتصاد الربوي التسلطي، وعدم الوقوع في فخ المتحاملين الساعين إلى تعزيز قوى الهيمنة الاستعمارية والابتزازية والمادية على حساب الأمم المنكوبة والجماهير المستضعفة.
أما إذا أخذ التأمين على أنه خطة تعاونية تضامنية، تعزز قيم الخير والمعروف والإحسان، وتعمّق روابط الأخوة والمحبة والألفة، وتصحح ما شوهته الحضارة المادية وما تركته من مظاهر الأنانية القاتلة والجشع الهالك والشح المطاع والهوى المتبع وغير ذلك، فإن التأمين بحسب تلك الاعتبارات يعد من أنبل الأعمال وأعظم المنجزات الإنسانية والاقتصادية والحضارية، التي تجلب ما ينفع البشرية في عاجلها وآجلها.
إن هذا الضرب من الاجتهاد هو فعلاً صميم الاجتهاد وصورته الحية، التي تؤكد خاصية التكامل والشمول والواقعية والخلود لشريعة الإسلام، وهو الذي يأتي على القضية المدروسة لينظر في حقيقتها وماهيتها، بواعثها وخفاياها، نتائجها ومآلاتها، ملابساتها وظروفها، خلفياتها السياسية والفكرية والأيديولوجية والعالمية .. وهو ليس غريبًا عن منهج الاجتهاد منذ نشوئه وبعثه، وهو الذي يعبر عنه بتعبيرات شرعية متنوعة على نحو اعتبار الكلي مع جزئياته، وقصد المكلف، واعتبار المآل، وتحقيق المناط العام والخاص، ومناسبات النزول والورود، والعلم بالواقع، ومعرفة العصر وغير ذلك.
والدعوة إلى جعل المقاصد إطارًا شاملاً لواقع العصر الحالي دون شذوذ أو استقلال عن المنظومة الشرعية، ليس سوى تأكيد لمبدأ اعتبار الجمع بين مراعاة المقاصد ككليات للمشكلات، والحوادث التي تمثل جزئيات وفروعًا لتلك الكليات العامة.
اعتماد التدرج والمرحلية والفقه الأولوياتي:
تعد هذه الخاصية من الثوابت المهمة في عملية الإصلاح والتغيير وتنزيل الأحكام، وهي ذات أصول ممتدة إلى العصر النبوي وعصر السلف .. وليس موضوع مناسبات النزول والنسخ وبعض مباحث التعارض والترجيح في الأخبار والمعاني وغير ذلك، إلا دليلاً على تقرير هذا المبدأ العظيم، ووجوب الالتفات إليه في عملية تنزيل الأحكام، وإصلاح الناس، وتحقيق المقاصد.
وعصرنا في أشد الحاجة إلى طروحات ومناهج تعتمد تقديم الأهم على المهم، وترجيح الأصلح على الصالح، ودرء الأفسد على الفاسد، فعصرنا قد سادت فيه أنواع من الفساد الاعتقادي والمالي والاجتماعي والأخلاقي، وليس فيه من بد سوى باعتماد ما يراه المصلحون والمجتهدون طريقًا أوليًّا في العلاج والتوجيه .. فترى مثلاً حصول أفهام خاطئة عن الإسلام بموجب التحامل والاحتكاك بالحضارة المادية، أو بموجب اهتراء الناحية العقائدية وضعفها .. وتلك الأفهام تؤثر بلا شك في تطبيق بعض الأحكام وتنزيلها، بل في اعتقادها والتسليم بها أحيانًا - والله المستعان - فإنه يتعين عند هذا الأمر بحث السبل المصححة لتلك الأفهام الخاطئة، حتى تُعاد صياغة الشخصية الإسلامية التي ستتقبل تنفيذ ما أمرت به، وتتهيأ لقبوله واعتقاده .
إن ما وَرِثَه العالم الإسلامي من (الغير) في مجالات حياتية مختلفة، على نحو النظام الإداري والمالي والسياسي والتربوي والاقتصادي، وعلى الرغم من إيجابياته ومحاسنه، إن ذلك أثّر على عقول كثيرة بقصد أو بغير قصد، وهو يحتاج بصورة أكيدة وملحة إلى فقه أولوياتي مرحلي تدرجي، قصد الإصلاح والتحسين، وكي لا تصب المعالجــــات والحلول دفعة واحدة، فالزمن نفسه جزء من العلاج .. وما أصيب به المسلمون من تحامل أثّر في البناء القانوني والاقتصادي والأخلاقي وغيره، لا يمكن أن يتغير بين عشية وضحاها.. وما تراه فئة إسلامية ضرورياً ولازمًا، يراه غيرها جديرًا بالتأخير والتريث حتى تتوفر ظروفه وأرضيته، وحتى يطبق على أحسن وجه، وحتى يحقق ما أراده الله تعالى من مقاصد وغايات .. وما يراه بعض العلماء في زمن ما مخلصًا شرعيًا، يراه غيرهم في زمن آخر مأزقًا دينيًا خطيرًا يجب تركه، وهكذا تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من أنزعة.
وما أردتُه في طرح هذه القطعية المنهجية ليس هو الإطناب في بيان طبيعتها وخصائصها وتطبيقاتها وصورها، وإنما هو تأكيد عليها عمومًا بما يتماشى والاختصار المفيد، وهي نفسها مما تخضع إلى الاعتبارات الميدانية العملية التي تتحدد كيفياتها وملامحها على وفق ما يراه أرباب الإصلاح وأهل الاجتهاد مناسبًا وضروريًا لزمانهم وعصرهم ومشكلات حياتهم.
زيادة تحقيق وتدقيق مسميات شرعية مقاصدية
هناك الكثير من المسميات والمصطلحات الأصولية المقاصدية، التي لها أهميتها القصوى في عملية الاجتهاد والاستنباط الفقهي، ومن تلك المصطلحات : القياس الكلي أو الموسع، والضرورة الخاصة والعامة، والمناسبة وترتيب الحكم عليها، وغير ذلك، وتلك المصطلحات ولئن كان السابقون قد درسوها بما يعطيهم فضل السبق والتأسيس، غير أنها لا تزال في حاجة ملحة لزيادة درسها وتحقيقها ولا سيما فيما يتعلق بتطبيقاتها وفروعها المعاصرة .
فالقياس الكلي أو الموسع هو قياس النظير بنظيره لأمر جامع بينهما، كمقصد عال أو مصلحة كلية، أي أنه الإلحاق بجامع المصلحة الكلية أو عموم الحكمة . جاء عن الرازي أن الفقهاء قد اختلفوا في ذلك كثيرًا والأقرب جوازه.. وجاء عنه قوله : (قلنا لا نسلم، بل التعليــــل بالحكم حاصل في صور كثيرة... الوصف لا يكون مؤثرًا في الحكم إلا لاشتــماله على جلب نفع أو دفع مضرة ) وجاء عن ابن عاشور : (أن الأصل في الأحكام الشــرعية كلها قبول القياس عليها ما قامت منها معان ملحوظة للشارع، فيجب أن تكون أنواع الأحكام التي يجري فيها القياس قليلة جدًا)، وأن (أحكام الشريعة قابلة للقياس عليها باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية)، (فتكفي الفقيه مؤونة الانتشار في البحث عن المعنى من أجناسه العالية بما فيها من التمثيل والضبط، وتنتقل بالمجتهد إلى المعنى الذي اشتمل عليه النظير غير المعروف حكمه، فيلحقه في الحكم بحكم كلياته القريبة ثم بحكم كلياته العالية إذ لا يعسر عليه ذلك الانتقال حينئذ فتتجلى له المراتب الثلاث)، (نقـــول بحجيــة قياس مصلحــــة كليــة حادثـة في الأمــــة لا يعرف لها حكم، على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة، باستقراء أدلة الشريعة).. ويبدو أن ابن عاشور لم ينطلق من فراغ بل انطلق مما علمه من أعلام المالكية باعتبار تشبعه بالتكوين المالكي الأصيل، ومما استوعبه من آثار غير المالكية .. وقال ابن عبد البر : (ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصل ولا هو في معنى أصل، وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديمًا وحديثًا، فتدبر). (... وقد جاء عن الصحابة من اجتهاد الرأي والقول بالقياس على الأصول عند عدمها).
ونجد من بين المعاصرين الداعين إلى إجراء هذا النوع من القياس في دراسة الحوادث الحياتية المتنوعة الدكتور الترابي، الذي أطلق عليه اسم القياس الواسع، حيث قال : (ولربما يجدينا أيضًا أن نتسع في القياس على الجزئيات لنعتبر الطائفة من النصوص، ونستنبط من جملتها مقصدًا معينًا من مقاصد الدين أو مصلحة معينة من مصالحه، ثم نتوخى ذلك المقصد حيثما كان في الظروف والحادثات الجديــدة. وهــذا فقــه يقربنــا من فقه عمـر بن الخطــاب رضي الله عنه، لأنه فقه مصالــح عامــة واسعــة، لا يلتمس تكييف الواقعـــات الجـــزئية تفصـــيلاً - فيحــكم عــلى الواقـــعة قيـــاسًا على ما يشابهها من واقعة سالفة - بل يركب مغــــزى اتجــــاهات ســـيرة الشريعة الأولى، ويحاول في ضوء ذلك توجيه الحياة الحاضرة...).
والقياس الجزئي أو الفرعي، على الرغم من أهميته ومكانه في الاستنباط، إلا أنه يبقى في بعض الأحوال عاجزًا عن معرفة أحكام بعض النوازل والوقائع، وليس تقرير الاستحسان بأنواعه إلا دليلاً على لزوم العدول عن القياس الجزئي في بعض الأحوال إلى الحلول الاستحسانية وإلى تقرير القياس الموسع الكلي، فالتضييق أحيانًا يحصل بإجراء الأقيسة، والتوسع يأتي في مقابله بإجراء القياس الكلي والإلحاق بالأصول والقواعد التي لها نفس أحكام الفروع والجزئيات المعروضة والملحقة.
وتعود قلة اهتمام الأوائل بالقياس الكلي، وتركيزهم كثيرًا على القياس الجزئي والمضيق، يعود إلى أن دلالة النظير على نظيره في القياس الجزئي أقرب إرشادًا إلى المعنى الذي صرّح الشارع باعتباره في نظيره، أو أومـــــأ إلى اعتبـــاره فيــه، أو أوصل الظن بأن الشارع ما راعى في حكم النظير إلا ذلك المعنى، فإن دلالة النظير على المعنى المرعي للشارع حين حكم له بحكم ما، دلالة مضبوطة ظاهرة مصحوبة بمثالها).
زيادة تحقيق مسمى المناسبة وتطبيقاتها
المناسبة هي المسألة المهمة جدًّا في القياس بنوعيه الجزئي والكلي. (والمناسبة تفيد العلية إذا اعتبرها الشارع... لأن الشارع دل على أن الله شرع أحكامه لمصالح العباد تفضلاً وإحسانًا، فحيث ثبت حكم وهناك وصف ولم يوجد غيره، ظن كونه علة وإن لم تعتبر، وهو المناسب المرسل) ، ومعنى المناسب: (الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلاً وإبقاءً ). أي تحصيل المصالح ودفع المفاسد، وهي بهذه المعاني حقيقة بالعناية والاهتمام، فإنها لب القياس وجوهره، والتي تعتبر فيها المصالح حفظًا والمفاسد تجنبًا، ومن ثم كان ينبغي على أهل العلم والاجتهاد مزيد من الإقبال على دراسة المناسبة وتمحيص متعلقاتها وتدقيق تطبيقاتها وتجلياتها في الواقع المعاصر.
زيادة تحقيق مسمى الضرورة وتطبيقاتها
الضرورة الشرعية سبب من أسباب التخفيف والتيسير، وقد أقبل الدارسون عليها تحقيقًا وتمثيلاً وتدليلاً وتطبيقًا وتقعيدًا، وقد ترتبت عليها عدة أحكام فقهية شهدت لها الأصول والقواعد والمبادئ الشرعية، غير أن الملفت للانتباه هو الإفراط في استخدامها ومجـــاوزة الحدود بها، فإنك تلحــــظ معي أحيــــانًا تجويزًا مبالغًا فيه لما يدعى أنه ضروري وهو على خلاف ذلك، الأمر الذي أورث التوهم لدى بعضهم بأنهم في حالة ضرورة تبيح لهم ما لا يباح عادة، وتزيل عنهم ما لا يُزال في غير الضرورة القاهرة والحاجة القصوى، فتراهم يفتون أنفسهم أو غيرهم بمزاولة المحظور وبأقدار غير محدودة تحت غطاء الضرورة والإشراف على الهلاك.
ومن المضحكات في هذا الســـياق تجويز أخذ الربا لتــلبية حاجات كمالية أو ترفيهية أو حتى حاجية لم تبلغ درجة الضرورة القصـــــوى، كل ذلك يفعل تحت هذا الغـطـــــــاء الذي صار يســــتعمل بلا حد ولا ضابط. فالواجب يحتم حسم هذه المسألة وبيان ما تدخله الضرورة وما لا تدخله، وخاصة فيما يتعلق بضرورات الأمة عامة، فضلاً عن ضرورات فردية درج العلماء على بيانها وتحديدها.
إعادة صياغة العقل العربي والإسلامي
العقل هو أداة فهم الأحكام، وتنزيل المقاصد، وفعل التكليف جملة، وقد علقت بالعقل العربي والإسلامي في عصرنا هذا شوائب وعلل وشبهات عطلته كليًا أو جزئىًا عن القيام بدوره التشريعي والاستخلافي على الوجه المطلوب، وقد كان ذلك حاصلاً بموجب عدة عوامل وأسباب ذاتية وموضوعية تتصل إجمالاً بظواهر الركود والجمود والكسل والتقييد واللامبالاة والتقليد والاستقالة وغيرها، وتتصل كذلك بحملات الفكر والاستشراق والتغريب، والتنصير والتهويد، والتمييع والتهميش.
وقد أدى ذلك كله إلى إحداث عقلية عربية وإسلامية عامة متفاوتة من حيث التفاعل مع المشروع الإسلامي في شتى نواحيه ونظمه وخصائصه، فتبعثرت بعض الأفهام والأنظار، واختلفت بعض التصورات والآراء إزاء بعض الحقائق الإسلامية، فصار بعضهم ممن تأثروا بتلك المؤثرات يناقشون ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ويشككون في القطعي أحيانًا، ويستخفون بالمحظور أحيانًا أخرى، تحت غطاء الاجتهاد، وهم مع ذلك يعلنون أنهم مسلمون يصلون ويصومون ويحجون وأنهم يفعلون ذلك ليس عنادًا أو تحاملاً، وإنما فقهًا واستنباطًا واجتهادًا وتأويلاً.
إن واجب العلماء والمصلحين والمفكرين والساسة، إصلاح العقول قبل إصلاح الأعمال، وتغيير الأفهام قبل تشريع الأحكام، حتى تتهيأ العقلية العامة لقبول دين الله تعالى على أنه نظام شامل وواقعي، وإنساني ومتوازن، وباق إلى يوم القيامة، وليس كونه دينًا يخاطب الروح على حساب الجسد، أو العائلة على حساب الدولة، أو التعبّد على حساب التقنين والتشريع.
إن إعادة صياغة العقل يساعد كثيرًا على تطبيق الاجتهاد المقاصدي الوسطي بلا إفراط ولا تفريط، أما ترك العقل بما عليه من شوائب واختلالات سيؤدي غالبًا إلى إحدى حالتي التناقض المقاصدي، أي إلى حالتي:
_ الإفراط في اعتبار المقاصد، بسبب ما ورثه العقل من دعوات الفكر المعاصر إلى التخلي عن الضوابط والشروط الشرعية، والتعويل المبالغ فيه على العقل والواقع والتفتح وغير ذلك .
_ التفريط في اعتبار المقاصد، بسبب تأصل الميل إلى الظاهرية الحرفية والشكلية، والبعد عن الفهم الحقيقي الشمولي المقاصدي لأحكام الإسلام.
الاستئناس بعلوم الاجتماع والنفس والاقتصاد وغيرها
علم الاجتماع بالأساس من الفنون المعرفية المهمة في تنظيم حركة المجتمع ودراسة ظواهرها ومتعلقاتها، والعمل على تحقيق أفضل النظم والمعاملات، ولا نريد في هذا السياق أن نبحث عن نشأة هذا العلم وتطوره وغير ذلك مما لا يسعه مجال هذا البحث، غير أننا نريد التأكيد على أن أول من نبه إلى وجود هذا العلم واستقلاله عن غيره هو العلامة المسلم عبد الرحمن بن خلدون .
وقد اعتبـــر بعضــــهم أن تاريخ علم الاجتـــماع المعــــاصر بدأ مع ( أوغـــست كـــــونت ) الفرنســـــي وغيـــره، وقد أهمـــلوا ذكر ابن خلدون الواضع الأول لفكرة هذا العلــــم واستقلاله وموضوعه كما أشرنا قبل قليل، فقد نشـــأ إذن علم الاجتــماع المعاصر في الحضارة الغربية في أوروبا، وقد تطور استجابة للتطورات والمشكلات الاجتماعية في مرحلة الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد، وقد فرض نفسه على العالم بمقتضى ارتباطه بالحضارة الغربية المسيطرة.
ومن هناك كان ينبغي أن تكون الاستفادة من تلك العلوم على حذر حتى لا نقع فيما لا يتماشى وطبيعة المنظومة الدينية التي نتعبد ونتدين بها، وذلك لارتباط تلك العلوم غالبًا بالفلسفة الغربية والاتجاه الفكري والمادي الأوروبي.
( ومن البين أن المعارف العقلية التي تستخدم في فهم المراد الإلهي، ينبغي أن تكون على درجة من الوثوق، تنأى بها عن الفرضيات الاحتمالية الضعيفة، فإن إقحام هذه الفرضيات الضعيفة في تحديد المراد الإلهي، يسيء إلى النص الديني حينما يظهر خطؤها، وقد عدت مـدلولات له، كما أنه يجر إرهاقًا وحـــرجًا في شــــؤون الحيــــــاة لما تصبح جارية على أساسه، وهذا ما يدعو إلى الاقتصاد في استخدام المعـــارف العقلية في فهم الدين بما يضمن إصابة الحق في أقصى درجات الإمــكان ..) ومن قبيل ذلك، التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة التي يروج لها علم الاجتماع المعاصر، وأن الواحد نسخة مطابقة للأصل الآخر، وهذا اقتضى أن يعمل كل من الرجل والمرأة في مجال واحد بدون تمييز أو تفريق، وقد ترتبت على ذلك مخاطر كثيرة منها التدني التربوي والعاطفي للأطفال، وحرمان الكبار والمسنين من رعاية الأقرباء والأوفياء.
وتتمثل ضروب الاستئناس بتلك العلوم في الاستفادة من مناهج البحث والتوثيق والتفسير والتخريج، وفي إجراء المقارنات والملاحظة، والإحصاء والاستبيانات، واختبار العينات، أو المقابلة، وهذه كلها يستعان بها، لأنها تمثل قاسمًا مشتركًا بين جميع البحوث أينما أجريت، (فهي من العناصر الشائعة التي يختار بينها حسب الظروف والإمكانات).. وهي تهدف إلى إعطاء نتائج قريبة من الصحة أو صحيحة، فيدرك بالإحصاء والاستقراء النمط الأفضل في التعامل، فيعمل به في المجالات الشــــرعية الظـــنية الاحتــــمالية التي لم يتحدد موقفها الشرعي على سبيل القطع واليقين، ذلك أن (من الحصيلة البشرية من العلوم والمعارف، ما فيه عون على تبين ما فيه مصلحة من أوضاع المسلمين المستجدة، فعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من العلوم الإنسانية، تشتمل على قوانين هي أقرب إلى الحقيقة العلمية الموضوعية، وهو ما يرشحها لأن تكون وسيلة صالحة لتحديد ما فيه خير الإنسان ونفعه، ومن ثم فإنها تصبح أداة مهمة للمسلم في اجتهاده لتقدير مصلحة الإنسان في خضم الأوضاع التي انقلبت إليها حياته اليوم).
إنجاز التقنية الإسلامية وأسلمة العلوم الإنسانية
لعل هذا الهدف يعد من الأهداف الرئيسة جدًا في قيام الحضارة الإسلامية من جديد، وإعادة تمكين الدور العالمي والسمة الكونية لرسالة الإسلام، الذي يتوقف تحقيقه وتحصيله على مراعاة سنن الله في الكون، وامتلاك الشروط الضرورية للنهضة والتنمية والتحضر، وتسخير جميع الأسباب الذاتية والموضوعية بغية حيازة المبادرة العلمية والحضارية في بناء التقنية الإسلامية، وامتلاك معلوماتها ودقائقها، واستثمارها في البناء الحضاري العام، وفي تحريك الدورة التنموية وتعميمها وتفعيلها وتأييدها حتى يتحقق أمن المسلمين في غذائهم وأموالهم ونفوسهم، ويبعدوا مفاسد ارتمائهم في أحضان التنصير والتكفير والتضليل بسبب الجوع الشديد والفقر الذي كاد أن يكون كفرًا، بل إنه في هذه الأحوال صار كفرًا وجحودًا بوقوع آلاف وملايين الجائعين في فلك العاملين على تأليف قلوبهم، واستجلابهم لحظيرة عقائدهم، وإخراجهم من دينهم وفطرتهم، وحتى يتحقق حفظ عقولهم وأذهانهم من الجهل والأمية والسفاهة الفكرية والسياسية، ومناولة المخدرات الحشيشية والتضليلية، وحتى يتحقق حفظ أعراضهم وكرامتهم من الشذوذ والإثارة والتحرش والدونية والإهانة، وحتى يتحقق الأمن العام للأمة وسعادتها الدائمة في العاجل الدنيوي وفي مصير الآخرة بجوار الله رب العالمين.
إن امتلاك شروط التقنية العلمية والاكتفاء الاقتصادي الغذائي، وجعل المسلمين أغنياء متعففين وليسوا كلاًّ على الأمم والمنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية - فهم مشكورون وجزاهم الله خيرًا - إن كل ذلك وغيره يعتبر من قبيل المقاصد المقررة والمأمولة في واقع الحياة المعاصرة، وهو لن يتكون بمجرد التمني والتحلي - فالسماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة - ولكن يصير واقعًا ملموسًا، إذا تهيأت النفوس، وعزمت الإرادات، وكدحت الأجيال، وجاهدت الشعوب في الله حق جهاده.
ثم إن قيام علوم إنسانية إسلامية سيعود نفعه على سائر الأمم والشعوب، باعتبارها نابعة من الفكر الإسلامي، الذي يتسم بسمات العالمية والكونية والواقعية والمصلحية، وليس متصفًا بما يكرس الانعزالية والانطوائية والقبلية والجهوية، كما هو الحال في كثير من التصورات والفلسفات الوضعية .. فالإسلام وعلومه ومعارفه وفنونه، ينبغي أن تشيع في شتى أنحاء الأرض وبين مختلف الطوائف والملل والجماعات، قصد إصلاحهم بالحسنى ودعوتهم لما فيه خيري الدنيا والآخرة، وانطلاقًا من وجوب الشهادة على الناس وإرادة الرحمة بكافة أفراد العالمين.
ضرورة الاجتهاد الجماعي
الاجتهاد الجماعي في العصر الحالي ضرورة قصوى ومقصد جليل في حد ذاته، ليس لكثرة المشكلات والوقائع الجزئية التي ليست لها أحكامها فقط، وإنما لوجود الظواهر المعقدة والأوضاع العامة التي هي فوق جزئيات تلك المشكلات والوقائع، ولضخامة حجم الهيمنة الأجنبية التي تركت آثارها في بعض أنماط التفكير والسلوك لدى شعوب الإسلام وأمته، التي هي في أشد الحاجة إلى استفراغ منقطع النظير، ومتابعات قد تفني أعمارًا وأحقابًا لو تركت لأفراد وأعلام معينين.
فليس هناك من سبيــــل سوى اعتــماد الجمـــاعية الاجتهادية، القائمة على عمل الخبراء واستنــباط الفقــهاء، ودور المؤسســـات العلمية والجـامعية والشرعية، والاستئناس بالعلوم والمعارف العصرية.
ولأن الغرض من الاجتهاد المعاصر ليس هو بيان أحكام بعض النوازل الخاصة والجزئية بقدر ما هو بحث في طبائع العصر وظواهره المعقدة وخصائصه العامة، وتداخل علاقاته، وتشابك مصالحه، التي لها تأثير ما بالنوازل والأوضاع المعروضة للاجتهاد، فقد ولّى عصر الاجتهاد الفردي وعلماء الموسوعات، وحل محله عصر المؤسسات والمجامع والاتصالات والموسوعات (المدونة لا الموسوعات الآدمية ) والتخصصات، وقد دعا إلى هذا الكثير من العلماء والفقهاء والمصلحين الذين رأوا في الاجتهاد الفردي عجزه عن المعالجة الشمولية للعصر وأحواله، على الرغم من أهميته المعتبرة في الإفتــــــاء والاحتـــكام في بعض النــواحــي الفردية والعامة والتي لا تحتاج إلى مجهود كبير وغير يسير.
إن دور الاجتهاد الفردي يبقى محصورًا ضمن حدوده ومجالاته، كأن تطغى عليه جوانب الإفتاء والنقول ومعالجة بعض الأحوال الفردية وغير المعقدة، أو أن يكون دوره متمثلاً في إعداد الرؤى والمقترحات والخواطر التي يجعلها الاجتهاد الجماعي منطلقًا ومدخلاً لأعماله ونتائجه، أما أن يتولى عالم بمفرده أو قلة من الفقهاء الإفتاء في قضية من قضايا الأمة أو نازلة من نوازل المحدثات المعقدة، فهذا ما لا يوصل إلى المراد من تحصيل صحيح المقصود الشرعي أو القريب منه .. فاجتهاد الأمة هو الصواب عينه والضرورة نفسها، وهو الذي باركه الله تعالى وأثنى على أربابه وأهله، وهو الذي له أصوله وجذوره، فقد مورس في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم ، ومارسه عمر رضى الله عنه كثيرًا، بل ومنع الفقهاء من مغادرة المدينة ليأخذ رأيهم فيما يستجد من مشكلات الدولة، ومارسه طبقة الحكام والأئمة في مختلف العصور والظروف، وهو الأجدر بالتطبيق والأليق بطبيعة العصر وتطوراته، والأنسب لتعاليم الشرع ومقاصده.


الملحق الثاني للموضوع الاجتهاد المقاصدي منقول
الملحق الثاني للموضوع الاجتهاد المقاصدي منقول






ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك


من مواضيع الشرجبي
الأخوة في الله / منقوال للفائدة
الملحق الثاني للموضوع / الاجتهاد المقاصدي منقول للفائدة
الاجتهاد المقاصدي /منقول للفائدة
الرسالة التبوكية
قديم 2010-10-23, 06:23 PM   #2
مراقب عــــام
الصورة الرمزية الدرع الصاروخي

الدرع الصاروخي غير متواجد حالياً
بيانات اضافيه
 تاريخ التسجيل: 9 - 7 - 2007
 رقم العضوية : 266
 مشاركاتي : 42,132
 أخر زيارة : 2014-07-12 (09:09 PM)
 بمـــعــدل : 16.39 يوميا
 زيارات الملف الشخصي : 9077
 الإقامة : صنعاء
 فترة الأقامة : 2571 يوم
 معدل التقييم : الدرع الصاروخي جديد
 الدولة : اليمن
 الدولهـ :
Yemen
 الجنس ~ : Male
 MMS ~ :
MMS ~
لوني المفضل : Aqua
افتراضي رد: الملحق الثاني للموضوع / الاجتهاد المقاصدي منقول للفائدة












 

الكلمات الدلالية (Tags)
المسلحة, المصالح, المقاصد, المقاصدي, الاجتهاد, الشارع, الشريعة, الشرعية, العقل, النظر

شباب التغيير rss aboshams froums جديد البرامج والانترنت والكمبيوتر وبرامج الصيانه والحماية rss abishams froums جديد الاناشيد الاسلامية الام بي ثري و mp3 جديد ساحة الجرافكس والتصميم والفوتوشوب والسويتش ماكس

الساعة الآن 01:01 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.